وثائق ليلى مراد:لجأت لمحمد نجيب فأجبرها ناصر على الاعتزال!

2:16:00 م


أسامة فاروق|  الثلاثاء 09/02/2016
  

الان وبعد أكثر من 20 عاما على رحيل ليلى مراد يؤكد الكاتب الصحافي أشرف غريب أنه لم يتم حتى الآن الكشف عن الكثير من جوانب حياتها، أو تصويب ما لحق بها من مغالطات متعمدة أو غير متعمدة، حتى مع ظهور مجموعة من الكتب حاول أصحابها بقدر اجتهادهم أو بحسب ما توافر لهم من معلومات سبر أغوار حياة تلك الفنانة الكبيرة. لذا يحاول في كتابة "الوثائق الخاصة لليلى مراد"(*) أن يختلف عما سبقه، من خلال الاعتماد على مجموعة من الوثائق الرسمية والخاصة التي لا تقبل الشك أو التأويل، محاولا التأريخ لحياها بشكل منضبط.


"ليلى مراد لم تكتب مذكراتها، ولم تروها لأحد، وهذا كلام واضح لأنني أتوقع كتباً ستظهر بعناوين مثيرة: "أسرار ليلى مراد"، و"الحياة الخاصة لليلى مراد" وما إلى ذلك، وأي شيء من هذا القبيل سيكون من خيال كاتبه". ربما كانت تلك الكلمات التي جاءت على لسان ابنها أشرف أباظة دافعا لغريب أن يبحث لكتابه عن فكرة أخرى ومدخلا جديدا خاصة وأنه كان هو نفسه ناشر كلمات الابن بعد رحيل والدته.

 
تفاصيل كثيرة يقدمها الكتاب عبر وثائق مختلفة يحاول من خلالها تصويب كثير من الأخطاء التاريخية المتعلقة بالميلاد (1918) وبالبدايات والزواج من أنور وجدى حيث يستعرض وثيقة الزواج التى كتبت أمام رئيس قلم المأذونية في محكمة مصر الابتدائية فى الساعة 12 ظهر 15 يوليو 1945 ووثيقة إسلامها رسمياً أمام قاضى المحكمة الشرعية فى 7 ديسمبر 1947، لكن الملفت هو تأكيد المؤلف على أن توقف ليلى مراد عن التمثيل واعتزالها المفاجئ عقب فيلم "الحبيب المجهول"، لم يكن قرارها وأنها أجبرت عليه. يقول إنها –ومحمد فوزي- لم يقرآ المشهد السياسي جيدا في سنوات مضطربة من عمر الثورة المصرية ورجالها، حيث أظهرا ولاءهما علانية للواء محمد نجيب وغنّيا له بعكس أم كلثوم التي استوعبت ما حدث جيداً، بمساعدة المقربين منها وعلى رأسهم مصطفى أمين، ووضعت رهانها على الجواد الرابح جمال عبد الناصر منذ أزمة منع أغنياتها في الإذاعة المصرية في الأسبوع الأول للثورة، وكذلك عبد الوهاب وعبد الحليم ارتميا في أحضان القيادة الشابة بعيداً من نجيب، فنأيا بنفسيهما ومصالحهما عن أن تطاولهما أيدي السلطة الجديدة.
يستشهد المؤلف بقيام الثورة بتأميم شركة "مصرفون" لمحمد فوزي، في حين جنبت شركة "صوت الفن" لعبد الوهاب وعبد الحليم هذا القرار من دون مبررات منطقية، أما ليلى مراد فقد أكدت الأحداث المتتالية في تلك السنوات أنها اعتمدت على الرئيس محمد نجيب خاصة في ملف أزمتها مع إسرائيل حيث ينشر الكتاب وثيقة مهمة عبارة عن رسالة مطولة بخط يد ليلى مراد أشارت له فيها بشكل مباشر إلى سوء معاملة رجال الثورة لها وهي المعاملة التي لم تتوقف إلا بعد أن طالبهم نجيب بنفسه برفع أيديهم عنها، فضلاً عن أنها غنت للرئيس نجيب، وشدت بنشيد التحرير الذي كان انعكاسا لشعار الثورة الذي رفعه نجيب "الاتحاد والنظام والعمل".

 
رهانها على الشخص الخطأ دعمه تقدم العمر وإدراكها أن الزمن لم يعد زمنها، وأن الثمن سوف يكون فادحاً لو أصرت على العودة، لكنها رغم ذلك لم تفقد الأمل في العودة أبدا وهو ما تؤكده هي نفسها حين سألتها الإذاعية الشهيرة آمال العمدة عن سبب غيابها فقالت:"طبعا غلطة المسؤولين ما فيش كلام، ده كان فاضل شوية ويقولولي فوتي علينا بكرة مش فاضيين النهاردة، يعني بعد ما خسست نفسي وبقيت أوكيه اتقدمت، رحت لهم بنفسي مش همه اللي طلبوني، أخذت موعدا من المرحوم عبد الحميد جودة السحار (رئيس المؤسسة العامة للسينما آنذاك) وقابلته وطبعا رحب بي وقاللي: أنا تحت أمرك وتعالي اليوم الفلاني. رحت اليوم الفلاني وعرضت عليه الفكرة في إني عاوزة أرجع السينما تاني. رحب جدا وخرجت من عنده بمقابله عظيمة، وبعدين أربع خمس شهور مافيش رد".
يتساءل المؤلف: فهل هذا يشير من قريب أو من بعيد إلى أنها فكرت في اعتزال التمثيل وعدم الظهور مرة أخرى أمام الكاميرات؟ ويجيب في ثنايا الكتاب بأن كل الموافقات والمشاريع المعطلة إلى جانب عدم توقفها عن الغناء بالإذاعة لا يعني إلا شيئا واحدا هو أنها كانت متمسكة بالاستمرار على الشاشة وأنها حاولت العودة أكثر من مرة لكن شيئا ما كان أقوى من تلك الرغبة "وإلا لماذا توقفت فجأة جلسات عبد الوهاب معها بخصوص فيلمهما المشترك؟ ولماذا أحجم الموزع الخارجي عن التعامل مع مشروع فيلمها مع محمد فوزي وتراخى حلمي رفله عن البحث عن موزع آخر؟ ولماذا رفض الموزعون فيلم "امرأة على الهامش" فاضطر إبراهيم مراد لبيع قصة الفيلم إلى المنتج والموزع جبرائيل تلحمي الذي اتفقت مع المخرج حسن الإمام على استبعاد ليلى مراد لصالح ممثلته المفضلة هند رستم".

 
يقول غريب إن ليلى مراد دفعت ثمن ولائها لمحمد نجيب. لكن ماذا عن تفاصيل استنجادها به من الأساس؟ هذا ما يوضحه في فصل مهم بعنوان "ليلى مراد وإسرائيل..الماضي المجهول". ففي ذروة نجاحها وقعت أكبر صدمة يمكن أن تهدد مستقبلها خصوصا أنها لعبت على وتر الوطنية في توقيت بالغ الحساسية عقب قيام ثورة 23 يوليو 1952، والتفاصيل كما يرويها المؤلف تقول إن ليلى مراد فوجئت صبيحة 12 سبتمبر 1952 بخبر منشور في صحيفة الأهرام جاء فيه أن الحكومة السورية منعت عرض أفلام ليلى مراد وإذاعة أغنياتها من راديو دمشق لأنها زارت إسرائيل وتبرعت بخمسين ألف جنيه لحكومتها. الخبر القصير قلب حياتها رأساً على عقب. دافعت ليلى مراد عن نفسها بإثبات وجودها في باريس في التوقيت نفسه، مستعينة بالسفارة المصرية هناك، التي أصدرت "بيان تحركات" يؤكد كلامها، كما قدمت أيضا بيانات حساباتها في البنوك المصرية لتؤكد أنها لم تخرج المبلغ لأي جهة. وينشر الكتاب بيانا بخط يد ليلى مراد بعد براءتها مما نسب إليها قالت فيه: "إن مستقبلي مع العرب والإسلام، وحياتي مع العرب والإسلام، وأموالي في بلاد العرب والإسلام، وأهلي وزوجي كلهم عرب ومسلمون، فهل من المعقول أن أضحى بكل هؤلاء وأنضم إلى دولة زائلة لا تربطني بها أي رابطة؟". وهو البيان الذي ردت فيه على كل القضايا المثارة حولها في وقت واحد بتأكيد مصريتها وإسلامها وعدم اعترافها بإسرائيل من الأساس.
حاول المؤلف تحليل أبعاد وأطراف تلك الأزمة للتوصل إلى صاحب الشائعة، وكان من ضمن المشتبه بهم أنور وجدي نفسه، خصوصاً أنه كان قد انفصل عنها مؤخراً، وربما كانت إحدى وسائلة للانتقام، لكن تضامنه السريع وتصريحاته في ذلك الوقت أبعدت عنه التهمة، كما انه كان أيضا في فرنسا في التوقيت نفسه. واستقر المؤلف أخيرا إلى أنها قد تكون صناعة إسرائيلية لتضييق الخناق على النجمة الشهيرة وتحقيق المسعى الأهم لتهجيرها إلى إسرائيل، خصوصاً وأن تلك المساعي لم تتوقف بعدها، ولاحقتها في إحدى زيارتها الخارجية بطلب صريح ووعود بحياة واعدة هناك لكنها لم تتأثر وعادت وحكت ما جرى لعبد الوهاب الذي نصحها باللجوء لقادة الثورة. لكن ليلى مراد فوجئت بأنها مطلوبة للتحقيق مرات عديدة بشأن الواقعة التي أبلغت هي بنفسها عنها، وهو ما دفعها للجوء إلى محمد نجيب في رسالة مطولة حكت له فيها الأمر بالتفصيل، ومعربة عن استيائها من تعامل رجال الثورة معها. وهي الرسالة التي دفعت ثمنها غاليا في ما بعد.
من أجمل فصول الكتاب، الفصل الذي يعيد نشر مقالات ليلى مراد نفسها. مقالات كتبتها في مناسبات عديدة، ربما أبرزها مقال "أنا" الذي تصف فيه نفسها ويكشف عن موهبة ولحظة صدق نادرة وتقول فيه: "دارت بي عجلة الحياة في غير الدورة التي كنت أمني النفس بها، دارت بي متخذة وجهة غير التي كنت أريدها. قال الناس عني: مطربة ذات صوت شجي أخاذ. وقال الناس عني: محظوظة ذات طالع سعد نادر. وأقول عن نفسي: أنا ليلى مراد التي تعذبت في حياتها الماضية، وتتعذب في حياتها الحالية، وسوف يطاردها العذاب في حياتها الآتية".
وتقول في المقال نفسه الذي يشير غريب إلى أنه جاء بعد زيجتين فاشلتين من أنور وجدي ثم قائد الجناح وجيه أباظة أنها لم تكن تريد أن تعمل ممثلة أو مطربة كانت تتمنى أن تكون مدرسة أو زوجة كباقي الزوجات!
وتختتم مقالها بقولها: "باعدت حياتي الجديدة بيني وبين الزواج الموفق. الزواج في كنف ظليل لا حسد فيه ولا وقيعة ولا ضغينة. وهل أستحق أنا الشهرة التي نلتها في حياتي كفنانة؟ الجواب حاضر منتزع من النفس المشوبة بالأنانية وهو يقول: نعم نعم، لأنني أذبت روح قلبي في الفن لكي أصعد، وسهرت الليالي مؤرقة لكي أنام بعدها قريرة العين، وبكيت الشهور خوفا من الفشل. ثم. لم أستعد ذوب قلبي، ولم أنم قريرة العين، وما زلت أبكى، لا خوفا من الفشل؛ بل أسفا على ما فات".



(*) صدر عن دار الشروق في القاهرة

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا