مارلين مونرو... أضواء لا تنتهي

8:04:00 ص

محمد الحجيري

تخرج النجمة الأميركية مارلين مونرو يوماً من تحت الأضواء لتعود أياماً، أو لنقل إنها لا تغادر الأضواء بتاتاً، فخلال الأشهر الماضية صدرت لها خواطر بعنوان «شذرات» حظيت باهتمام الكتاب والفلاسفة والناس العاديين، واليوم يدور الحديث حول رواية لأندرو أوهاغان بعنوان «حياة وآراء الكلب ماف وصديقته مارلين مونرو» وهي مرشّحة لجائزة «بوكر».


لكل شيء في حياة مونرو «هالته» الخاصة، من صورها الى أثاث منزلها وكتاباتها وكلبها وعشاقها و{غبائها» وفساتينها، وهي كانت محقّة حين خاطبت نفسها في خواطرها (شذراتها): «تذكري أن في مقدورك أن تتربعي على قمة العالم». لكن هذه القمة لم تجلب لها السعادة، بل إن القمة هي طيف الراحلة وحضورها بعد رحيلها، ففي مكان آخر قالت: «لقد وجدت نفسي غبية بشكل مخيف، فأنا لا أفقه شيئاً في الرسم ولا الموسيقى ولا الأدب ولا التاريخ ولا الجغرافيا».

كأن مونرو لم تكن مقتنعة بلعبة الأضواء وسحرها، وتبحث عن شيء يمسها من الداخل أو يرضي عقلها لا مظهرها. وهي تزوجت من ميلر في ما بعد، الرجل الذي أرادته معلماً لها، وكان محرضها على المطالعة، وتصورت أن الاقتران بمثقف يجعل منها مثقفة في غمضة عين. وعندما اكتشفت أن هذا الحلم لا يتحقق بهذه الطريقة، لم تتوقف عن المحاولة. فراحت تجبر نفسها على مطالعة الروايات الكلاسيكية ودراسات فرويد في علم النفس. ولها صورة وهي جالسةً على أرجوحة للأطفال، مرتدية بلوزة مخططة وسروالاً قصيراً يكشف عن ساقيها، تقرأ رواية «عوليس» لجيمس جويس. إنه مشهد سريالي إذا جاز التعبير، فالإغراء متحد مع الرواية الكلاسيكية، وعوليس يمثّل بطلاً ميثولوجياً يعاني عذاباً شديداً ويجتاز المهالك، منذ مستهل رحلته حتى يحقق هدفه النهائي، ويؤوب منتصراً إلى المكان الذي انطلق منه... مونرو انتصرت على نفسها بالموت، أو صار انتحارها الغامض عنواناً للمراحل والحكايات كافة.
من بين الذين ورد ذكرهم في «الشذرات» آرثر ميلر وصموئيل بيكيت وجيمس جويس. قال ناشر الكتاب برنارد كومان: «تتحدث مارلين في كتاباتها الخاصة هذه عن جيمس جويس الذي اكتشفته في السادسة والعشرين من عمرها حين كانت تؤدي أدواراً تمثيلية فردية معه منذ نجاحاتها الأولى وحين كانت تتردد على استوديو الممثلين في نيويورك. كذلك، كانت معجبة بصموئيل بيكيت، والمدهش أكثر كان ولعها بالشاعر الملحمي والت وايتمان، مؤسس الشعر الأميركي الحديث».

بثت مونرو لوعتها على الورق في صيف 1959 حين اكتشفت أن (زوجها) ميلر كتب في يومياته خلال إقامتهما في بريطانيا أنها تحرجه أمام أصدقائه، وقد وصفته بـ «الوحش المسالم». وذات ليلة، بعدما خلد الى النوم، كتبت قصيدة عنوانها «آه يا سلام، أحتاجك، حتى وحشاً مسالماً». تعبيراً عن ألمها وحرقتها. ومضت مونرو تقول في القصيدة:
على شاشة ظلام دامس
تأتي أشكال وحوش
أصحابي الأشد صمودا...
والعالم نائم
آه يا سلام، احتاجك
حتى وحشا مسالما.
أما ميلر فوصفها بأنها كانت «نصف ملكة ونصف طفلة مهجورة، تركع أحياناً أمام جسدها ثم تنفر منه، في أحيان أخرى، وتصاب بالإحباط».


أيقونة
مارلين مونرو «الأيقونة» كانت حجة لعشرات الأفلام والسير والروايات. كُتبت عنها 60 سيرة و40 فيلماً و10 روايات و20 مسرحية. وآخر رواية في هذا المجال جاءت عن كلبها «ماف» الذي قيل إنه سيصوّر في فيلم سينمائي.
ماف الذي يعد اختصاراً لكلمة «مافيا» على ما يبدو، كلب مرح، «صلب الرأي»، من سلالة الكلاب «المالطية» أهداه النجم الأميركي الراحل فرانك سيناترا لمونرو. إنه أيضاً الراوي والمعلق في كتاب أندرو أوهاغان الذي تناول واقع الولايات المتحدة خلال الستينات والعامين الأخيرين من حياة مونرو.

روى ماف كيف أن قربه من مالكته جعله يصاحبها لمقابلة جون كينيدي وآخرين، والتوجه في رحلة إلى المكسيك لإنهاء زواجها من آرثر ميلر. تحدث ماف كثيراً عن الأدب والفلسفة وأي شيء يلفت انتباهه. عالمه مليء بقطط تنطق شعراً، وبالبق المسكون بأرواح مواطنين روس بؤساء، وبفراشات تطير بسرعة مذهلة... وهو عالم استغرق أوهاغان سنوات في تأليفه.
قالت مونرو يوماً إن «الرجال استغلوها والنساء حكمن عليها والكلب فقط هو الذي أحبها»، أما الكلب في الرواية فقال: «مارلين كانت كائنة غريبة وغير سعيدة، لكنها في الوقت نفسه، كانت تتحلى بحس فكاهة فطري أكثر من أي شخص عرفته». والملاحظ أن أخباراً كثيرة تنشر عن مونرو يحضر فيها شيء ما عن ثقافتها والكتب التي كانت تختارها للقراءة سواء كتب علم النفس أو الروايات والدواوين. لذا يمكن للمتابع رصد علاقة مونرو بالثقافة من خلال سيرها أو كتابات الروائيين عنها. يعترف آرثر ميلر في مذكراته أنه لم يتمالك نفسه عن الوقوع في شراك مونرو ولم ينكر هوسه وانجذابه الجارف نحو الجمال الصارخ، ولهذا ظل طيفها يرافقه كالظل حتى لحظة وفاته، فكانت شخصيتها هي الطاغية في مسرحياته الأخيرة، إذ حاول من خلال «إنهاء المشهد» معالجة موضوع مونرو فبدت البطلة غير مستقرة وغير قادرة على التحكم بمشاعرها وعواطفها، وهذه شخصية ترمز الى مونرو التي كانت في سنواتها الأخيرة ضائعة وتثير غضب المخرجين والممثلين لعدم تقيّدها بمواعيد التصوير.


المشكلة الأساسية التي حاول ميلر معالجتها تكمن في محاولته المستمرة إخراج «الشقراء» من المقولة التي جعلتها مجرد رمز للإثارة الاستهلاكية و{التلصص»، فهو رأى أنها كانت مثقفة وتميل الى قراءة الكتب الأدبية التي كانت تصلها هدايا من كبار الكتاب والشعراء.

أقنعة
اختلفت صورة مونرو من كاتب الى آخر، فهي المثقفة في رأي ميلر، ومثقفة حقيقية كتبت الشعر ودرست الأدب والفن طوال حياتها بحسب رواية «الشقراء» لكارول أوتيس، لكنها استخدمت صورة الشقراء البلهاء كي تحمي نفسها.
تشكّل قراءات هذه النجمة وجوهاً عن حياتها، فحين نقول جيمس جويس يتخيل إلينا صبر الشقراء في متابعة روائي من الدرجة الأولى عُرف بالسرد الغامض والصعب، أمّا صموئيل بيكيت فهو الرمز للعدمية في كتاباته وكان يستمد الضحك من بؤس الواقع، وحين نقول كافكا نفكر فوراً بذلك الروائي الكابوسي المضطرب من سلطوية والده، والفاشل في علاقته مع النساء... يبدو أن علاقة مونرو بالرجال أشبه بعلاقة كافكا بالنساء.
بدوره، عُرف الشاعر ريلكه بأنه كان «ضحية» واندريا سالومي التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأحبها ثلاثة من مشاهير القرن، وهم فريدريك نيتشه وسيغموند فرويد وريلكه.‏ أما دوستويفسكي فهو أبو الرواية الروسية وأصيب بالصرع في بداية حياته ورواياته سفر عميق في التحليل النفسي، وحين نذكر الشاعر ويتمان نتذكر عباراته بأن الحب والديمقراطية وجهان لعملة واحدة هي المجتمع الإنساني. على هذا، فمونرو رمز الاستهلاك والجنس كانت تختار روايات النخبة لتقرأها، وهي روايات تخص الوجود الإنساني وليست مجرد كتابات عابرة أو كتابات للتسلية.


نورمان مايلر
لا عجب في أن تستهوي مونرو كثيراً من الكتاب فهي شخصية التناقضات والأخبار والروايات الكثيرة، خصوصاً في ما يتعلق بموتها وعلاقتها ببعض الشخصيات الأدبية والسياسية والرياضية. قالت عن نفسها في مذكراتها التي اعتمد عليها نورمان مايلر في كتابه عنها: «كنت أوحي ببعض الغموض في الوسط الفني. إذ لا يشاهدني أحد بصحبة مشاهير هوليوود. وفي عالم السينما كان عدد كبير من الناس يعتبر أنني طائر غريب. لا بد من أنهم كانوا يحسبون أنني أقف أمام المرآة وأنعق منفردة. باستثناء جو ديماجيو، وفي أوقات قليلة السيد فرانك سيناترا الذي كان صديقاً لجو ديماجيو، لم يكن يراني أحد لا في السهرات ولا في زيارات أهل الوسط الفني...». وكانت تمضي ساعات وهي ممدة فوق الأريكة تلتهم الحلوى وتزيد يأس المخرجين العاملين معها.

ومن هذا الرمز استوحى مئات الكتاب أعمالهم، من بينهم نورمان مايلر الذي منح مونرو لغة مُنَمّقة مبهرجة من خلال سرد روائي لطيف مشبع بالحقائق وبعض الخيال. كتب في أحد المقاطع: «تريدين أن تصبحي أعظم ممثلة في العالم، أردف ميلتون، لكنك تعاملين بوصفك الشقراء البلهاء، وأنت لا تبالين، يجب أن تسلكي طريقاً مختلفة، لا تتجولي بين الناس وكأنك نكرة، ولا تنسي أنك على الشاشة كائن رائع الجمال».
اقتطف مايلر من ديانا ترللينغ: «ليس هناك من أحد غير مارلين مونرو قد يوحي بمثل طهارة الجنس وبهجته، فالجرأة تستعرض نفسها من خلالها من دون أية بذاءة. تبجحها يتنفس من هواء الغموض والتحفظ، وصوتها الذي يحمل تلك النغمة الريانة المفعمة بالإثارة الإيروسية، يبقى صوت طفلة - هذه المُركّبات أكملت موهبتها- في الوقت الذي يصفون فيه فتاة يانعة وقعت في شرك عالم خيالي غافل».

رواية مايلر ربما هي الرواية الوحيدة المترجمة الى العربية عن مونرو مع أن المكتبات الأجنبية تحفل بكثير من الروايات الجديدة والمتخيلة عن الشقراء، من بينها رواية لكارول أوتيس التي استطاعت تقديم سيرة جديدة عن حياة مونرو منذ ولادتها في عام 1926 وحتى وفاتها عام 1962. فقدمت تجربة مفصلية ميدانية عن أداء شخصية مونرو في أفلامها مسقطةً أحداثاً جوهرية من حياتها الخاصة الحقيقية لتسبغها على طبيعة شخصياتها السينمائية. أما رواية المكسيكي راميريث بعنوان «الحرف ميم في مارلين»، ففيها عاود الروائي رسم حياة مونرو من خلال دقائق زيارتها إلى المكسيك في أكثر لحظات حياتها تعاسة.


 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا