ربيع ربيع... بقلم ربيع الأمين

3:04:00 ص
يحدث لي هذا منذ أكثر من سنة في كل مرة كنت أنزل فيها من سيارة الأجرة في الطيونة و أجتاز الجزيرة المرصوفة ما بين دوّار الطيونة و مسرح دوّار الشمس لأتوجه إلى بدارو.
في كل مرة كنت أصل فيها إلى منتصف الطريق كنت أسمع أحدهم ينادي "ربيع"، كنت أحياناً أسمع أكثر من أحد ينادي "ربيع" ، و في كل مرة التفتُّ فيها إلى الوراء، كنت أجد ثلاثة أشخاص يجلسون على كراس بلاستيكية بيضاء في صف واحد على الرصيف بين خطي السير يراقبون السيارات التي تمر أمامهم. كان يحدث لي هذا في أي وقت من النهار، في أي وقت من الأسبوع.
في المرات الأولى قلت لعلّ أحدهم يعرفني أم لعلهم ينادون ربيعاً آخراً هو بينهم أم في الجهة المقابلة للطريق أي خلفهم و لا جلد لهم في الوقوف أم في الإلتفات لمناداته الا أنني لم أستطع أن أتبيّن في وجوههم ما يدل على ذلك فكنت أكمل طريقي.
في المرات اللاحقة بدأت أنتبه إلى أنهم و فيما ينادون "ربيع ... ربيع ... ربيع ... " يكونون مشغولين بالسيارات التي تمر أمامهم و تفصل بيننا. مشغولون بها كما لو كانوا يعدونها أم كما لو كانوا يتابعون سباقاً للسيارات و قد راهنوا فيما بينهم على آخر سيارة فيه فانتظروا معاً مرورها يوماً بعد يوم و لم تمر بعد.
رأيتهم يومياً هكذا، كل منهم على نفس الكرسي لا يُبدلون أماكنهم و ينادون مرة سوياً "سينكرو" و دون أي فارق زمني "ربيع" و مرة مع فارق زمني "ربيع" يتبعها "ربيع" فيتبعها"ربيع". شغلني الأمر و بدأت أشك إن كانوا فعلاً ينادونني أم أنني أتوهم كل ذلك و بدأت أردّ ذلك مرة لحادث الباص الذي تعرضت له في مونتريال و مرة للطنين الذي يلاحقني منذ فترة في أذني اليسرى و مرات أخرى للدوّار نفسه و عجقته ... في هذه المرات لم يبق شيء لم أفكر به و لم أشك به: من تدهور حاد في سمعي لبداية إنهيار عصبي حاد هو الآخر أم لأن يكون في الأمر مقلباً أم كاميرا خفية نَفَسُهُما طويل أم لأن يكون في الأمر وحياً على إشارة على رسالة الهية طارئة و أن أكون أنا ربيع هو جان دارك الطيونة و دوّارها. في هذه المرات أيضاً تحضّرت لكل الإحتمالات و تحضّرت لكل الأدوار و لكل الأمكنة و الأزمنة: من عيادة حكيم أنف أذن و حنجرة لشاشة ال "ام تي ڤي" لإستديو ال "ال بي سي" حسب اذا كان مقلباً أم "شي سماوي".
في المرات التي تلت كل هذا، حاولت أن لا أمرّ أمامهم و أن التفّ عليهم فكنت أنزل من سيارة الأجرة بعد إجتيازها للدوّار و كنت أمشي على الرصيف أبعد ما يمكن عنهم و كنت أتجنب أن أنظر ناحيتهم و لكنني و كما في كل المرات التي سبقت كنت أسمعهم ينادون : "ربيع ... ربيع ... ربيع ...".
لم يتغيّر الأمر و استمر هكذا الا أنني في المرة الأخيرة، نزلت من سيارة الأجرة قبل الدوّار، و من بعيد رأيتهم كعادتهم يجلسون على كراسيهم يتأملون في السيارات التي تمر أمامهم ... كان ظهرهم لي و لم أكن أستطيع أن أرى وجوههم الا أنني سمعتهم من حيث نزلت ينادون "ربيع ... ربيع ... ربيع ...". مشيت صوبهم على مهلٍ و إقتربت منهم و طوال إقترابي منهم على مهلٍ كنت أسمعهم ينادون: "ربيع ... ربيع ... ربيع". إقتربت أكثر و فيما كانت المسافة تتقلص بيننا و عندما أصبحتُ على خطوتين فقط منهم، رأيتهم يستديرون فجأة سوياً و ينظرون إليّ بإستغراب و بإستهجان. أنظر بدوري إلى كل منهم و يمر وقت طويل و نحن ننظر هكذا إلى بعضنا البعض، تخيّلت نفسي فيه أكثر من مرة أمدّ يدي إليهم و أصافحهم قائلاً: "أنا ربيع ... أنا ربيع". أنظر إليهم و هم ينظرون إليّ، و قبل أن أقول أي شيء أرى نفسي أبتعد عنهم شيئاً فشيئاً و هم يلحقونني بنظراتهم المستهجِنة.
أنزل عن الرصيف و بالكاد أبتعد خطوتين عندما أسمع زمور و صوت فرامل سيارة تتوقف فجأة. أنظر إلى سائق السيارة التي التصقت بي و كادت أن تدهسني و أسمعه يقول و هو ينظر بعصبية ناحية الرصيف حيث يجلس الثلاثة: "كم مرة بدي قلكم ... لأ مش للبيع".
أجتاز الطريق و فيما أُكمل طريقي بإتجاه بدارو، أسمع صوتاً من الخلف ينادي: " للبيع ... للبيع ... للبيع".



قرصنة عن الفايسبوك

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا