غسان سلامة...ديموقراطية يتيمة: أسّسها الوجهاء وألغاها العسكر بلا اعتراض

6:30:00 ص
محاضرة القيت في الجامعة الأميركية في بيروت قبل أيام، في ذكرى الخامسة للثورات العربية


لن تجد بين العرب والعجم إلا في ما ندر من يجاهر بنبذه للديموقراطية، فلا مصلحة فعلية لأحد ان يصرح بوقوفه ضدها او أن يعتبرها أمراً سلبياً مذموماً، حتى لو لم تكن تلك بالعمق قناعته. فأنت ترى على العكس العديد من التيارات السياسية التي لم تنشأ على
حب الديموقراطية بات يجعل من إرسائها واحداً من أهدافه. رأينا بالأمس كيف أدخلها الماركسيون في أطروحاتهم وكيف راحت الأحزاب الشيوعية تدعو لها وتصور نفسها في عداد دعاتها. ورأينا القوميين بعد تحفظ عليها، او تجاهل لها، يدخلونها بأكثريتهم في صلب معتقداتهم المعلنة، ان لم يكن في صميم قناعاتهم المضمرة. ومع صعود تيارات الإسلام السياسي، على تنوعها الكبير، رأينا الفصيل منها تلو الآخر يتبناها، بل رأينا بعض تلك الفصائل ترجُمها فقهياً ثم تشترك بحماسة في الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً. فإن انت نظرت في مختلف مواقع الطيف الايديولوجي، أمكنك القول من دون كبير مبالغة ان من بقي خارج ذلك التوافق الواسع حول مزايا الديموقراطية يشكل أقلية، قد تكون حازمة في مواقفها او عالية الصوت في التعبير عنها، لكنها بالتأكيد لا تمثل أغلبية العاملين في الشأن العام من مدنيين او حتى من عسكريين، من علمانيين او حتى من دينيين، من يمينيين او حتى من يساريين، بل قد يكون التمسك، على الأقل اللفظي، بالديموقراطية من نقاط الاتفاق النادرة بين كل هذه التيارات التي لا تكاد تجمع على شيء قدر التقائها عليها.
إن كان هذا الالتقاء بهذا الاتساع، فما سبب ذلك الشعور المقيم في صدورنا بأن الديموقراطية في بلاد العرب يتيمة في بلاد العرب يتيمة لا أهل لها يتماهون معها ويذودون عنها ويناضلون في سبيلها، فينجحون في إقامة صروحها، ويقفون حاجزاً امام كل القوى التي قد تهدّدها؟ ذلك أن المسألة ليست مسألة تبنٍّ شكلي للديموقراطية بل مسألة اعتبار إقامة مؤسسات ديموقراطية هدفاً قائماً بنفسه يستحق ان نعمل في سبيله وان ندافع عنه ضد أيٍ كان يستهدف المساسَ به. وليست المسألة هي في قبول الاشتراك في الانتخابات، بل هي في العمل الدؤوب لحصول تلك الانتخابات فعلاً، وفي التأكد من نزاهتها، وفي احترامٍ مبدئيٍ لإجرائها في مواعيدها، وفي القبول المسبق بنتائجها مهما كانت، من دون ربطِ هذا التمسك بأي شرط آخر.
فأهل الديموقراطية الحقيقيون ليسوا كل أولئك الذين قد يجربونها كطريق للوصول الى السلطة، وقد يجرّبون أيضاً غيرها من الوسائل، بل هم أولئك الذين لا يهمهم بالضرورة الاستحواذ على السلطة بقدر اصرارهم على العيش في ظل نظام ينبثق من الشرعية الدستورية، ويقوم على مبدأ التداول السلمي للسلطة، ويضمن الحريات العامة على تنوعها، كما يضمن حقوق المعارضة بالتعبير عن نفسها وبتنظيم صفوفها. يعتبر اهل الديموقراطية الحقيقيون اذاً انها هدف لا وسيلة، وان الانتخاب الحر المفتوح لكل عناصر المجتمع الوطني مجرد أداة لتحقيقها. لكن اهل الديموقراطية قليلو العدد، هامشيو الموقع، ضعيفو التأثير، وهي أُعدمت بالتالي من يذود عنها ويستبسل في سبيلها، وهي عاشت في دنيا العرب، الى حد كبير، يتيمة.
< لم يأت «عُسر التحوُّل الديموقراطي» من عدم. ويصعب علينا واقعاً ان نحاول فهم الفرصةِ التي افتتحها البوعزيزي في سيدي بوزيد (تونس) لسنوات خمس خلت، ولا الخيبةِ التي أُصبنا بها من ذبول الفرصة ومن هدرها المحتمل، ان لم نضعها في سياقٍ تاريخيٍ ما.
تذوق العرب في تاريخهم الحديث لحظاتٍ ليبراليةٍ متكررة مرت عليهم كالسحاب. فمن منهم كان يعيش في ظل السلطنة العثمانية لحقه بعض من طعمها حين ذهبت إسطنبول في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مذهب الإصلاحات الدستورية مع تأمين قدر من التمثيل النيابي في «مجلس المبعوثان».
ولكن الولايات العربية كانت بعيدة جداً عن روحية «التنظيمات» العثمانية ولم يشترك الا عربي واحد (عراقي) في لجنة اعداد الدستور الأول سنة 1876، بل إن ما بقي لنا من تلك المرحلة يشي بقدر من التحفُّظ العربي على منحىً دستوري عثماني رأى فيه عرب عديدون مشروعاً مريباً لأوربة السلطنة ولتخليها الضمني عن شرعيتها الإسلامية، وهي شرعية كانت تروق للعرب إلى درجة أنهم لم يبدوا أي اعتراض يوم تخلّى السلطان عبد الحميد عن نزوته الدستورية وعاد الى تسلّط اسلافه. واطلع بعض المشرق على مسألة المشروطية الإيرانية وما رافقها مطلع القرن العشرين من محاولات، اشترك بها بعض رجال الدين، للحد من تسلط الأسرة القجارية، ولكن التجربة الإيرانية كانت بعيدة عنهم، باستثناء بعض اهتمام بين علماء النجف. وفي مصر عرف الناس شيئا منها حين ذهب الخديوي إسماعيل منحى تمثيل الشعب في «مجلس للمندوبين» سنة 1866 ولكن الخديوي ما فعل ذلك الا لأنه كان بحاجة لموافقة كبار الملاكين على جمع المزيد من الضرائب بينما ما انفك يعتبر سلطته مطلقةً، وكان من الصعب بالتالي ان يذكرها الجمهور المصري الا بالترابط مع النظام الضريبي الذي كان علّة وجودها، ومع ذكرى تدخلات الدائنين الأجانب الذين كانوا يدفعون بفظاظة لاعتماده.
وحدثت لحظة ليبرالية ثانية بعد الاستقلال، كان نموذجها تلك التي ارسى قواعدَها دستورُ عام 1923 في مصر.
ولكن حزب الوفد، الذي كان يفوز بالانتخابات في كل مرة أُجريت فيها وفق ذلك الدستور، لم يتسلم الحكومة فعلا الا لفترات متقطعة لم تدم أكثر من ثماني سنوات من أصل ثلاثين تفصل تاريخ اعتماد الدستور عن ثورة يوليو، مما كان يتناقض بوضوح مع روحية الملكية الدستورية والنظام البرلماني المعلن، لدرجة ان القاصي والداني فهم ان لا تأثير فعلياً للانتخابات، ولا لنتائجها، على حكم الخديوي او نفوذ الإنكليز. فأشاح المصريون النظر عن البرلمان وخواء ابهته (والشعور بالخواء الذي يسعى الضجيج المصطنع ان يخفيه عن الأبصار يعود بقوة هذه الايام بالذات وللمكان عينه) وراحوا يهتمون بمسلك الجيش او الاخوان المسلمين او حركة أحمد حسين، أي لأصناف المعارضة غير البرلمانية بوصفها أكثر تمثيلا لمشاعرهم، ولم يحزنوا كثيراً يوم وضع عبد الناصر حداً لتلك التجربة الملتبسة.
اما في العراق فرأى الحكم الاستقلالي الأول فائدة في استقدام الوجهاء الذين كانوا قد شاركوا في التجارب العثمانية المتقطّعة ليكتبوا دستوراً وقانوناً انتخابياً، وجرت فعلاً 16 دورة انتخابية خلال الـ 33 عاماً من الحكم الملكي.
ولكن اشتراط بريطانيا فرض معاهدة دفاعية على العراق ذات وزن يفوق قوة الدستور لقاء مجرد قبول لندن بدستور، وتلاعب وجهاء المرحلة العثمانية وكبار الملاكين بنتائج الانتخابات بالتواطؤ مع القصر، واستعمال السلطة التشريعية المكشوف لتعزيز مصالح النخبة الحاكمة مالياً وعقارياً، كلها عناصر لم تجعل العراقيين يهبّون هبة رجل واحد يوم قاد عبد الكريم قاسم دباباته ليضع حدا للحكم الملكي وللتجربة البرلمانية الناقصة التي واكبته من 1925 الى 1958. ولم تكن التجارب المماثلة أفضل بكثير في دول أخرى كسورية.

ماض بلا حنين
لذلك، بعد قيام العسكر بتسلُّم السلطة في مختلف تلك البلدان، لم يبقَ من حنين لتلك اللحظات الملتبسة إلا في وسط أبناء وأحفاد الباشوات ووجهاء المدن والملاّكين الكبار الذين كانوا قد استفادوا من تلك الومضات، الجزئية في مضمونها، والعابرة في تزمينها، والذين سيقاسون لاحقاً من تهميشهم الاجتماعي وإفقارهم الاقتصادي على يد العسكر. وكان يصعب ان تجد عبر العقود المتأخرة من القرن العشرين شرائحَ واسعة تتذكر بقدر كاف من التماهي تلك التجارب شبه الديموقراطية. بل نجحت أنظمة الحزب الواحد، تلك التي قامت على أنقاض تلك التجارب، ناهيك عن الملكيات التي تمكنت من الثبات، من جعل تلك التجارب المتواضعة من المشاركة الشعبية أثراً بعد عين. يقول غي هيرميه في دراسته المرجعية عن الديموقراطية في اميركا اللاتينية ان مسلك «النخبة المؤسِّسة للنظام الديموقراطي» محوري لتثبيت مستقبلها. ولكن اهل الديموقراطية في مصر وسورية والعراق وغيرها من الدول العربية المستقلة حديثاً كانوا يؤلفون رهطاً صغيراً من الوجهاء الذين لم يروا في الديموقراطية الوليدة إلا سبيلاً لإشراكهم الدوني في السلطة وللاستفادة من فتاتها، بينما بدت علاقتهم بالديموقراطية كنظام سياسي متكامل في أحسن الأحوال ملتبسة، هذا عندما لم يقاربوها كمجرد تشبه خاوي المضمون ببعض ما عرفوه عن دول أوروبا. ولم يكن انتخاب الناس لهم يؤسس لزعاماتهم بقدر ما كان يؤكد وجودها في نظر منافسيهم من الوجهاء، كما بنظر أتباعهم من الناس.
وكان يصعب بالتالي أن يشعر هؤلاء المناصرون بنقصانٍ في حقوقهم او بتراجع في موقعهم حين انتهت اللحظة الليبرالية على يد ضابط طموح نجح انقلابُه، إذ جاءت أنظمة الحزب الواحد إجمالاً لتُحرّر الأتباع من ولائهم لوجيه محلي أو لزعيم طائفي أو لباشا تملّك جل الأراضي التي كانوا يعملون عليها. فمهما قلنا في تجبّر الأنظمة التسلطية التي قامت في النصف الثاني من القرن المنصرم، علينا أيضاً ان نعترف بأنها لم تكن وبالاً على الناس بل، على العكس، فقد استهوتهم شعبويتها التي بدت وكأنها تحرّرهم، فتركوا لأبناء وجهاء دمشق والموصل ودمنهور حزن تذكُّر «الماضي الجميل» بمفردهم بينما انخرطوا هم، وبحماسة، في الشعبوية الجديدة. لم تكن هذه الشعبوية تعدهم بالكثير في مجال الحريات او في مجال تداول السلطة، ولكنها كانت تفتح امامهم سبلاً للترقّي الاجتماعي لم يشعروا بوجودها يوماً في السابق، فأداروا ظهرهم لذلك الزمن الذي استمر احفاد وجهاء الأمس في التغنّي به، إذ لم يشعروا يوماً بأنهم فقدوا شيئاً ثميناً عندما اندثرت حقب من الديموقراطية المبتسرة، الجزئية، والشديدة النخبوية لتحل مكانها صنوف منوعة من عسكر واحزاب تسلطية.
لذا لم يكن أبناء جيلي شديدي التعلق بالديموقراطية. كانت رموز القومية العربية تتنافس في تهميشها ان لم يكن في نبذها لتلك الفكرة، بدءاً ببطلها الأول جمال عبد الناصر، مروراً بالنظامين البعثيين المتنافسين في كل من سورية والعراق، وانتهاء بكل الشلل الناشطة باسم القومية في أزقة بيروت او مقاهي القاهرة. وبدا تدريجياً ان قطيعة بدأت تتعمق بين معسكر ضم القوميين الكلاسيكيين وأنصار الإسلام السياسي، الذي قوي ساعده بعد انتصار الثورة الإيرانية واغتيال أنور السادات، والذي كان يعتبر طرح موضوع المشاركة السياسية، او نقد الاستبداد السياسي، نوعاً من الترف الفكري الذي غرسته دراستنا في الغرب في أذهاننا بينما يجب ان تبقى الأولوية المطلقة في اهتماماتنا للتحرر من الاحتلال الإسرائيلي او من هيمنة الغرب، ومعسكر آخر، أصغر بكثير، كان يعزو مصائب العرب المختلفة، من احتلال وهامشية واستتباع وتخلف، الى ضعف مؤسسات المشاركة السياسية في اوطاننا والى الاستبداد السياسي الذي كان يرسي بقسوته على المجتمعات المدنية العاجزة فيمنعها من لعب دورها المحوري في تقدم بلداننا وتحررها ورفاهيتها. ولقد حاولت السلطات المحلية والأحزاب القومية والتيارات الإسلامية، وهي واقعاً نجحت على الرغم من كل ما كان يفرّقها، جعل الثقافة السياسية الطاغية تعتبر مسألة المشاركة السياسية هامشيةً، او سابقةً لأوانها او حتى مجرد ايحاء خارجي. والارجح ان شيئاً ما عميق الجذور في ثقافتنا وفي تكويناتنا الانثروبولوجية سهّل هذا النجاح.
وأذكر ان «مركز دراسات الوحدة العربية» قرر تنظيم ندوة كبرى عن «الديموقراطية في العالم العربي» ولم يجد مكاناً آمناً للبحث فيها في مطلع الثمانينيات، إلا مدينة لارنكا القبرصية وغاب عنها عموم القوميين التقليديين الذين كانوا يدورون في فلك المركز. وحين دعاني الأمين العام لـ «منتدى الفكر العربي» في عمان لإلقاء محاضرة أمام وزراء العدل المجتمعين هناك حول مسألة الشرعية الدستورية، كتبتها على ما أذكر في ثلاثة ايام وكان التفكير يسابق القلم، رأت السلطات الأردنية، لمّا اطلعت على النص، ان تمنع إلقاءه في تلك المناسبة فنشرتُهُ كتيّباً تحت عنوان «نحو عقد اجتماعي عربي جديد». ولم يكن اليسار التقليدي أكثر انشغالاً بالمسألة الديموقراطية، فبينما اعتبرها القوميون في مختلف مشاربهم نوعاً من الانحراف للثانوي على حساب الجوهري، كان اليسار التقليدي يعتبر الهم الديموقراطي نوعاً من السقوط في المنطق البورجوازي المتمسك بالديموقراطية بشكلياتها وحسب.
في شبابي كان لتحرير فلسطين أهل ولو راحوا يتناقصون غداة اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو، وكان للوحدة العربية أهل ولو ان تجاربها المتكررة انتهت الى فشل، وكان للاشتراكية أهل ولو ان انهيار الاتحاد السوفياتي وتحول الصين نحو نظام السوق سيصيبهم بالشلل والعقم، وكان لتطبيق الشريعة الإسلامية اهل ازدادت اعدادهم بصورة هائلة في العقود الأخيرة، ولكن اهل الديموقراطية، الساعين لها بما هي ولما هي، من دون ربطها بغيرها من الأهداف، ومن دون اعتبارها وسيلة بين أخرى لتسلق السلطة، فانهم بقوا قلة محدودة التقوا أحيانا في جمعيات هامشية لحقوق الانسان وفي أحزاب هزيلة محرومة من المد الجماهيري، او كانوا افرادا امتهنوا انتقاد التسلط والاستبداد من دون ان يلقوا الصدى المرجو بين مواطنيهم، هذا عندما لم تلاحقهم تهمة التشبه بالغرب والتماهي معه وتبني قيمه ومؤسساته على حساب التراث والأصالة والاستقلال.

الهزائم تقوّض الشرعية
ومر عقدان او ثلاثة وإذ بالأنظمة الشعبوية تصاب هي الأخرى بالوهن. تعددت الأسباب واختلفت الآراء حول أهمية كل واحد من تلك الأسباب. وان كان علينا الاعتراف بخصوصية كل حالة، فان بعض مسببات الوهن كانت عامة. فالهزائم العسكرية المتلاحقة قوضت الكثير من شرعية الأنظمة التي خاضتها ضد إسرائيل أساسا، ولكن في اليمن أيضاً، ناهيك عن الكويت. وعجزت الدول غير المحظوظة بعائدات الريع النفطي عن مواكبة التفجر السكاني الهائل الذي ضرب المجتمعات العربية من خلال الاستمرار بتوفير تقديمات اجتماعية مناسبة، كما عجزت عن فرملة الانتقال العشوائي المتفاقم نحو المدينة، وربما هي لم تحاول ذلك بالأساس. وتمركزت السلطة تدريجياً في ايدي نوع من الأسر الحاكمة داخل الأنظمة الجمهورية، فنشأ شعور انها باتت تتملك أجهزة الدولة وتسيطر على مصادر الاثراء السريع المواكب للاستحواذ على السلطة، وتوزّع المغانم على افراد اسرها وطائفتها ودُفعتها العسكرية وعلى مواليها من رجال الأعمال، مما عمم الشعور بأن الجمهوريات ليست أكثر اتاحة لفرص الترقي السياسي والاقتصادي من الملكيات الريعية. فغلب منطق النظام على منطق الدولة، وحلت مكان شعبوية الأمس نخبوية جديدة لا تخفي تميزها عن العوام، ولا جشعها في السعي إلى السلطة والثروة والوجاهة. وجاء صعود نجم الزوجات ليؤكد الشعور بنشأة السلالات الجديدة. ولاحقا مع بروز ظاهرة التوريث، شاع الشعور ان الاستحواذ الفئوي على الدولة قد وصل الى حد اعتبار الدولة مِلكاً خاصاً يورّثه الرئيس عشية رحيله، مثله مثل شقة او عقار او سيارة، مما فاقم طبعاً من تناثر شرعية تلك الأنظمة.
كان لا بد ان يعي الكثيرون هذا الوهن الضارب بالأنظمة العربية وجاء انهيار الاتحاد السوفياتي ليظهر ان النموذج الذي استلهمت منه جمهورياتنا بعضاً من مؤسساتها ومسالكها كان اقل قوة وثباتا مما كنا جميعا نعتقد، مما زاد من التفكير بإمكانية استبدالها في لحظة ليبرالية جديدة (ثالثة) بدت عناصرها وكأنها تتكامل تدريجيا، من وهن يضرب الأنظمة بالداخل، إلى تسارع الموجة الديموقراطية العالمية بالخارج، الى تفتح الأذهان على بدائل سياسية ممكنة بفضل انتشار الأقنية الفضائية وثورة المعلومات. لكن العقبات امام حصول تلك النقلة ما لبثت ان تراكمت وضاعت فرصة نادرة للحاق بركب الموجة الديموقراطية الواسعة التي واكبت سقوط جدار برلين. وأعود هنا إلى اوراقي من تلك المرحلة للتبيان على ذلك المزيج من الآمال والمعوقات التي واجهت الفكرة الديموقراطية بين العامين 1990 و2010 اي بين سقوط جدار برلين وما سيسمى ب»الربيع العربي».

انتخابات الجزائر مثالاً
بدأت تلك المرحلة عربياً بانتخابات الجزائر. ذهبت في محاضرة مطولة ألقيتها في «معهد العالم العربي» في باريس مطلع سنة 1990 الى الاستهزاء بالرعب السائد من اي تحركات مجتمعية وبوصفها شبه التلقائي بالفتنة. واذكر ان الصديق الراحل والشاعر الكبير محمود درويش، والذي كان يناصب الحركات الإسلامية العداء، اخذني جانباً بعد المحاضرة قائلاً: «الا تدرك يا غسان ان اي انتخاب في اي بلد عربي سيأتي بالإسلاميين الى السلطة؟ دعك من الديموقراطية ومنهم... ارجوك». لم يكن موقف محمود معزولاً وكان يطرح بالفعل سؤالاً أصبح محورياً بعد انتخابات الجزائر، وهو: هل نقدم على إجراء انتخابات إن كانت حظوظ أحزاب ليست ديموقراطية، لا في ايديولوجيتها، ولا في اصولها الفكرية، ولا في سبل تعبئتها، كبيرة بالفوز بها؟ كان البعض مثل محمود يفضلون ارجاء القضية الى أيام أخرى، بينما رأى آخرون ان المشاركة في الانتخابات لا ينبغي ان تُفتح امام الجميع ويجب بالذات الا يسمح للأحزاب الدينية ان تتبارى فيها. لكني، بعد تفكير طويل ومع تقبلي لآراء الآخرين، وجدت ان إلحاح الديموقراطية بات كبيراً لدرجة ان مخاطر فوز الإسلاميين بها تبقى اقل سلبية بكثير من تأجيل جديد لها، بل كنت اميل إلى ضرورة إشراك تلك الجماعات في الحياة السياسية، لا كخطر يحيق بإحلال الديموقراطية بل، على العكس، كشرط لحماية السلم الأهلي من التصدع. ولكن الأنظمة القائمة كانت على رأي مختلف، وهي راحت، لاسيما بعدما حصل في الجزائر، تؤلب العالم كله ضد دعاة الديموقراطية واصفة إياهم «بالسذج الذين لا يدرون ما يفعلون، اذ يعتقدون انهم يعملون في سبيل تأمين المشاركة السياسية بينما هم في الواقع يسهلون للإسلاميين استحواذهم على السلطة قبل ان يتحولوا هم بالذات الى اول ضحايا ذلك الاستحواذ»، وفق ما قال رئيس جمهورية عربية يوماً بحضوري.
كان الرد على هكذا مقولة ممكناً لو ان اهل الديموقراطية كانوا يشكلون يومها كثرة غالبة قادرة على اقناع الناس بأنهم ليسوا مجرد أولاد ساذجين بل كتلة شعبية قادرة لا على فرض الانتقال الديموقراطي وحسب، بل أيضا على منع خطفه لاحقا من قبل أي كان. وللدلالة على شعورنا يومها بغياب هذا الشرط الهام، أقتبس من حديث إذاعي في خريف ١٩٩١ قلت فيه: « بعد كل ما حصل في الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية واميركا اللاتينية وحتى في افريقيا السوداء، صح التساؤل عن احوالنا السياسية العربية: هل نحن ذاهبون بدورنا نحو صندوق الاقتراع نستمد منه شرعية مفتقدة، وتمثيلا حقيقياً لمطامح الناس ولتطلعاتهم، وتجديداً واسعاً في النخب السياسية الحاكمة، ام اننا مبقون على انظمتنا السياسية الهرمة وعلى صنوف التسلط والاستبداد التي عرفناها عقدا بعد عقد؟» واضفت:» المسألة ليست في الانظمة الحاكمة بقدر ما هي في المجتمعات نفسها. المسألة الاساس ليست في غياب الديموقراطية بل في خفوت الاصوات المطالبة بها. المسألة ليست في انعدام حرية التعبير بل في التعبير عن انعدام الحرية... المشكلة ليست في الحكومات الفاعلة بقدر ما هي في المجتمعات الساكنة، وليست في السلطات الظالمة بقدر ما هي في ذهن كل مظلوم ساكت». كان بعضنا يتطلع من دون جدوى إلى تحرك شعبي عربي مشابه لما حصل في اماكن اخرى في العالم وكنا نشعر بالخيبة. واذكر ان جلسة من جلسات الحوار العربي - الأوروبي كانت منعقدة في أحد قصور باريس في أواخر العام 1989 عندما قطع وزير خارجية فرنسا النقاش ليعلن سقوط الطاغية تشاوشسكو في رومانيا فصفق الأوروبيون فرحا بينما أصاب الوفود العربية وجوم شبه شامل.
من الشعور بغياب تلك الكتلة الفاعلة، نشأت فكرة كتاب «ديموقراطية بلا ديموقراطيين» وهي تنطلق من سؤال أساس عن احتمال قيام نظام من المشاركة السياسية في غياب قوى منظمة وفاعلة تطالب به. اجتمعت يومها ثلة من المختصين بالسياسة والمجتمع على اخذ العلم بعدم وجود قوى عربية كتلك التي كنا شهدنا في حالات أخرى من ساحة تيان ان مان في بيجينغ، الى شوارع بوخارست وبوينس ايريس، الى مدن اندونيسيا. وتساءلنا ما العمل لتجنب الوقوع في القنوط واليأس، فحاولنا البحث عن إمكانيات بزوغ مؤسسات ديموقراطية لا كنتاج تحرك شعبي ضد التسلط، وهو مفتقد، انما كحلول واقعية لمعضلات متفاقمة. فقد تنشأ الديموقراطية من حاجة الحكومات، في مصر مثلا او في المغرب، لفرض مزيد من الضرائب فلا تقدم على خطوة كهذه الا بعد تأمين رضى مجالس منتخبة لها تؤمن شرعنتها. وقد تنبثق شرارة من حاجة مجتمعات انهكتها الحروب الأهلية، كلبنان مثلا او السودان او اليمن آنذاك، الى ابتكار مكنزمات لتوزيع للسلطة على مختلف القوى الفئوية المتحاربة مع ادراكنا بأن أياً من تلك القوى ليست ديموقراطية الهوى. وقد نرى ثغرة واعدة في حاجة سلطات، كتلك التي قامت في الجزائر مثلا، لمصدر جديد للشرعية بعد تآكل شرعيتها التاريخية المستمدة من النضال في سبيل الاستقلال. كانت سوابق غير عربية تدفعنا صوب ذلك التفكير، لا سيما ان ديموقراطيات العالم لم تنشأ دوماً بفضل المطالبة بها، بل اجمالا كحلول واقعية لأزمات أصيبت بها الملكيات المطلقة. وان نُشر ذلك الكتاب بلغات عديدة وتحول الى مرجع في مجاله فالسبب لا يعود فقط لتألق الأكاديميين الذين أسهموا بذلك الاختبار الذهني، وانما اساسا لطغيان الشعور المحبط بيتم الديموقراطية، وبالتالي بضرورة تصور سيناريوات بديلة للفوز بها كنتاج لسيرورات اقتصادية واجتماعية وأمنية لا تشترط بالضرورة توفر قوى فاعلة تعمل لها.


في نهاية التسعينات، شاءت الأقدار أن الموت راح يغيّب عدداً من القادة العرب المزمنين ليحل مكانهم أنجالهم الشباب. ووجد بعضنا ان هذا الانتقال الى جيل شاب من القادة في سورية والأردن والبحرين والمغرب وربما في مصر وليبيا قد يتحول، حتى لو بقيت الديموقراطية على يتمها الجماهيري، الى فرصة لتبني هؤلاء أساليب حكم اقل تسلطاً من تلك التي لجأ اليها آباؤهم. وأقتبس هنا من حديث إذاعي مطلع 1999 ما يعطي لمحة عن الشعور الغالب يومها:» استقرار ام استمرار؟ هذا ليس لعباً بالمفردات. فالاستقرار الحقيقي، ذلك الذي توصلت إليه الدول الثابتة والأنظمة القوية يختلف تماماً عن الاستمرار. الاستقرار يقتضي في الغالب اصلاحاً في المؤسسات وتغييراً في السياسات وتبديلاً في هوية المسؤولين. الاستقرار استقرار للمؤسسات والاستمرار استمرار للشخصيات، وشتان ما بين الاثنين. فالاستقرار من دون تطور يؤدي إلى التكلّس والتجمّد وينتهي اجمالاً بدورات من العنف. أما خرق الاستمرار من خلال تداول السلطة والتناوب على الإمساك بزمامها فشرط مسبق لأي استقرار. والعرب مهووسون باستمرار الأبطال على الحلبة لا باستقرار قواعد اللعبة السياسية. اما وقد بلغنا مرحلة خريف الزعماء المخضرمين في جلّ دول المنطقة، فالأحرى بنا ان نقلع عن هذا الاهتمام الطفولي بالأسماء وأن نشرع في بناء المؤسسات. وحين يفخر عربي امام أجنبي بزعيمه المحبوب الذي عاصر دزينة من رؤساء اميركا او نصف دزينة من زعماء اوروبا، فإن مخاطبه الأجنبي لن يشاركه الفخر بل سيشعر بالشفقة على بلدان تتمسك بالزعامات ذاتها عقوداً متواصلة من الزمن وتحرم نفسها من الخبرات المتوالية في السلطة. بل انه قد يضيف في أذن مخاطبه العربي: لا يا صاح: الاستقرار الحقيقي وفي معظم الحالات ليس مرادفاً للاستمرار بل هو بالفعل نقيضه». ولكن الانتقال إلى جيل الورثة الشباب ما لبث ان أثار الخيبة، ربما باستثتاء وحيد هو المغرب حيث عدّل ذلك الانتقال بصورة ملموسة ولو بعيدة من ان تكون كاملة من قواعد اللعبة السياسية، بينما صدر عن جيل الورثة في البلدان الأخرى ما يشي بالقسوة المعروفة عن آبائهم».

حريات غير متوقّعة
وانتقل الأمل بعدها الى ثورة الاتصالات كحاضنة لحركة ديموقراطية جديدة. وحصل بالفعل تقدم إيجابي ملموس في مسألة الحريات العامة كان سببها الحقيقي عجز الأنظمة التسلطية عن الاستحواذ على بعض فتات حركة العولمة من دون القبول بتأمين مستلزمات ثورة الاتصالات. وبدأ الرهان بالذات على تلك الثورة. كنا نقول: كيف يمكن لتلك الأنظمة ان تستقطب المستثمرين والسياح من دون ان تقدّم لهم خدمة انترنت محترمة، وبالتالي كيف لها ان تقدّم تلك الخدمة للأجانب وتحرم منها مواطنيها، وبالتالي كيف سيمكنها بعد ذاك ان تستمر في مراقبة انتشار المعلومات والأفكار والآراء، وبالتالي كيف سيمكنها الإبقاء على مجتمعات مقفلة؟ وما لبثت ثورة الاتصالات التي اندفع معظم العرب بشراهة اليها ان كمّلت ما كانت الأقنية الفضائية قد بدأت به وهو إلغاء إمكانية الرقابة وحرمان السلطات القائمة من إمكانية الاستئثار بالخبر او من تملُّك وسائل فرض الرأي الواحد. وساهمت ثورة الاتصالات إسهاماً هائلاً، وما زالت، في إرساء الديموقراطية بوصفها تعدداً في الآراء وحرية في التعبير عنها، وتوسيعاً لرقعة النقاش وللتواصل وللتفاعل وللعدوى. وحدهم أولئك الذين لم يعرفوا عن قرب عصر الرقيب ومقصه، وأيام إذاعة الدولة من دون غيرها، وتلفزيون النظام الأوحد، ولوائح الكتب الممنوعة من التداول، عاجزون عن تقدير التطور الهائل الذي احدثته ثورة الاتصالات في مجتمعاتنا العربية. ولكن تلك الثورة لم تنجح في تسهيل بزوغ فجر الديموقراطية في معناها الآخر، والذي لا يقل اهمية، كتداول سلمي للسلطة، ولا في ترجمة الاتساع الحقيقي في مساحة التعبير الى مؤسسات ثابتة تحتضنه وإلى تعديلات عضوية في بنية السلطات القائمة، اذ تبدّى لنا ان الناس في بلداننا راحوا يستمتعون بالوسائل الحديثة للتواصل والتنكيت والانتقاد والشكوى، انما نادراً ما لجأوا اليها لتكوين جماعة ضاغطة فعالة في سبيل مؤسسات ديموقراطية. هكذا توسعت فعلاً رقعة الحرية ولكن الديموقراطية بقيت على يتمها.
وزاد الطين بلة اننا، ونحن نتمتع بهذه الحريات غير المتوقعة وغير المسبوقة، ما لبثنا ان وقعنا امام تحدّ جديد، اذ بدأت تباشير فكرة غرس الديموقراطية من طريق التدخّل العسكري الخارجي تظهر للعيان، واضعة أهل الديموقراطية، على قلتهم وهامشيتهم، امام امتحان عسير. وبدأ المحافظون الجدد في الولايات المتحدة، حتى قبل وصولهم إلى السلطة في جعبة بوش الابن، يطرحون مشاريع من هذا النوع، لاسيما في العراق. وكنا سمعنا أفكاراً مشابهة مطلع ١٩٩١ من دعاة الاستفادة من حرب الكويت للانقضاض على بغداد وإطاحة نظام البعث فيها، وتخوفتُ يومها من هذا الجنوح قائلاً ان من شأن هكذا عملية «ان تمزّق العراق وتدفعه الى أتون حرب اهلية مديدة تكوي العراقيين بنارها وترعب الخليج بأسره، ناهيك عن تناقضها الصارخ مع القرارات الدولية التي تتحدث عن اعادة الكويت الى أهلها وحسب». وحين صوّت الكونغرس الأميركي في صيف ١٩٩٨ على «قانون تحرير العراق»، كتبت: «... ويريدون ألاّ نرى اي رابط بين مشاريع الكونغرس لإسقاط النظام العراقي وبين شفاه المستر بتلر المقلوبة وهو يتحدث عن فشل مهمته الأممية في بغداد، وكأن هذه وتلك لم تحصلا في اليوم نفسه، ووفق المنطق ذاته، وللأهداف ذاتها؟ لست أدري كيف تصمت الدول العربية عن اختراق بهذه الخطورة؟». وأضفتُ في تعليق لاحق: «هناك ألف سبب شرعي لكي تنشأ في العراق، كما في الدول الاخرى من دون استثناء، معارضة سياسية تعمل على تغيير الحكام والحكومات واستبدال السياسة والسياسيين. فالمعارضة أمر شرعي، وأمر صحي ايضاً، في العراق كما في الدول التي تناصبه العداء. أما ان تضع المعارضة العراقية شأن تنظيمها وتمويلها وتدريب اعضائها على عاتق الادارة الاميركية وهيئة استخباراتها، فهو ما لا يمكن القبول به وهو تجاوز لكل الخطوط الحمر التي يمكن تصورها».
لكن النتيجة بقيت في الواقع مخيبة، فلا أُصبنا بعدوى الموجة الديموقراطية التي اجتاحت العالم في الثمانينات، ولا نَفَعَ بعدها التماس الأوضاع الواقعية لابتكار مكنزمات ديموقراطية في غياب قوى تحميها، أي «ديموقراطيات بلا ديموقراطيين»، ولا وجدنا دواءً للتسلط العربي في تبني القوى السياسية الشكلي للمفردات الديموقراطية، كما لم ينفع في شيء يذكر انتقالُ القيادة بالوراثة الى جيل جديد، ولا تمكنّا من ترجمة اتساع رقعة الحرية الى مؤسسات سياسية تحدُّ من التسلط. لم تبق معضلة إرساء الديموقراطية على حالها وحسب، بل باتت أصعب حلاً بسبب اندفاع الغير لفرضها علينا بالقوة. كانت الديموقراطية العربية يتيمة ولكنها وجدت في الغرب المنتشي بخروجه فائزاً من الحرب الباردة عمّاً أميركياً يتبنّاها، ما ضاعف من حرج أهلها الاصليين الذين بات عليهم ان يستمروا بالمطالبة بها بينما هم يحاولون الحفاظ على استقلالهم عن العمّ الأميركي التدخلي والفظ الذي أعلن أبوته لها. وسنرى من أعمال ذلك العمّ الدخيل في العراق وفي غيره من البلدان ما يجعلنا نترحم على تلك الأيام التي كانت ديموقراطيتنا يتيمة لا يدّعي مشاركتنا حبها أحد من الغزاة القساة، ولا من ركب، من أبناء جلدتنا، على دباباتهم للتنعُّم بها. والحق يقال ان محاولات كوندي رايس والناتو ولاحقاً هيلاري كلينتون الوصول للهدف نفسه من خلال مشاريع فضفاضة كالشرق الأوسط الموسع، بلا دبابات وإنما مع قدر من التمويل الخارجي، وتدريب المئات من الناشطين في صربيا وبلغاريا، وتعمّد التقاء المسؤولين الغربيين الذين كانوا يزورون بلادنا بمدّعي تمثيل المجتمعات المدنية، ما كانت اقل ضرراً بكثير من دبابات بوش، اذ امتعضت منها حكوماتنا من دون ان تعطي اولئك النشطاء الكثير بل هي أضعفت صدقيتهم الشعبية كمحظيين بالحماية والدعم الغربيين.
تقدُّم ملموس في مجال الحريات بفضل ثورة الاتصالات، خيبة تكاد ان تكون شاملة من الحكام الشباب، ارتباك ازاء صعود التيارات الدينية، حرج بسبب هوس الغرب بتصدير الديموقراطية الجلف إلينا. تلك كانت بالأرجح عناصر الصورة العامة، مع بعض الاستثناءات المحلية في أواخر عام 2010 يوم أحرق بائع جوال من جنوب تونس نفسه وفتح الباب واسعاً امام فرصة جديدة لكي تجد الديموقراطية العربية أخيراً أهلها.

نوع من الاختناق
بدا لنا فجأة ان العناصر المواتية لتحول ديموقراطي التي كما لمسناها في السنوات السابقة لم تكن عقيمة فعلاً بل هي كانت تعتمل في احشاء مجتمعاتنا وتختمر وكأنها تنتظر يومها لتُثمر. واعتقدنا ايضاً بأن المعوّقات التي اصطدمت بها مسيرة الديموقراطية قد انحسرت تدريجاً وبات تجاوزها ممكناً ان لم يكن مضموناً. وانتشرت الاحتجاجات كالنار في الهشيم من تونس الى مصر، ومن ليبيا الى سورية، ومن البحرين إلى اليمن، وشعرنا في لحظة ان يُتم الديموقراطية قد انتهى بعد انتظار فاق قرناً من الزمن وأن أهلها قد خرجوا في الشوارع يطالبون برحيل الأنظمة الهرمة وبالحرية وبالمشاركة الشعبية، وأن حاجز الخوف قد انكسر من دون رجعة، وأن مرحلة ليبرالية ثالثة من تاريخنا باتت في المنال.
لكن الأمل تحول تدريجاً الى خوف، ودخل العنف أداة للقمع ثم أداة للاحتجاج أيضاً. شهدنا رحيل بن علي ومبارك والقذافي ونصف رحيل لعلي عبدالله صالح، لكن الحركة اصطدمت بعوائق متينة في سورية والعراق، وما لبثنا ان رأينا كلاً من هذه الحالات التي كانت تبدو متماثلة تأخذ طابعها الخاص ومسلكها المتمايز. فلم تقم في ليبيا دولة على أنقاض النظام المنهار، ولم يسلّم المسلحون سلاحهم بل تكاثرت اعدادهم. اما في اليمن فبدا ان قيام نظام دستوري جديد امر ممكن تعززه مصالحة نتاج حوار موسع قبل ان ينهار كل شيء، من سقوط العاصمة في ايدي فريق مسلح بذاته الى قيام تحالف اقليمي بالرد عسكرياً، ما اوصلنا إلى المأساة التي نرى. اما في مصر فرحل رئيس وتعددت الدورات الانتخابية الى حد الملل، ودخل الجيش معترك السياسة بتسلم القرار، ثم بما بدا لحين وكأنه قبل بنتيجة الانتخابات الرئاسية قبل ان يعود مجدداً إلى واجهة القرار بعد مزيج من الاحتجاج والانقلاب. أما في سورية فلا حاجة للشرح عن مأساة نالت من حياة نحو 300000 مواطن وشردت الملايين على طرقات النزوح. وبدت تونس نوعاً من الاستثناء الهش لهذه التحولات السلبية الدامية، وفيها ما يثير القلق من عنف دفين او عودة منطق سابق. لست ممن تحدثوا عن «ربيع» بالأمس لكي اتحدث اليوم عن «خريف» ولا اعتقد بأن استعارة فصول الطبيعة مفيد في فهم ما يحصل امامنا، لكننا لا ريب نُجمع على القول إنه ليس عُسراً وحسب بل نوع من الاختناق الدامي لأي امل بتحول حتى في تلك الدول المستقرة ظاهراً، فلا تقدم ملموساً للفكرة الديموقراطية في دول الخليج باستثناءات قليلة ضيقة، ولا في الاردن، وهناك تراجع خطير في حيوية المؤسسات الدستورية في لبنان، وقلق على الغد في الجزائر.
هناك ألف سبب لتعثّر التحول الديموقراطي، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي، منها ما هو امتداد لمراحل التسلط ومنها ما هو انعدام الخبرة عند الحكام الجدد، منها ما هو عام على مسافة المنطقة ومنها ما هو خاص بساحة من دون غيرها. وآمل بأن نتمكن من تبيان جل هذه الاسباب كما من توصيفها وتوزينها، وأذكر منها بالذات توافر المال الريعي بكثرة، وهشاشة الطبقات المتوسطة، وضعف مؤسسات الدولة، كما آمل بأن نتعرف بدقة اكبر على هوية المحتجين وعلى حقيقة ما كانوا يعتبرونه اساسياً بين مطالبهم، وعن مدى معرفتهم بشروط الحياة الديموقراطية واقتناعهم بضرورتها. فليس كل اعتراض على تسلط مؤشراً إلى المطالبة الديموقراطية، فقد تعترض على مستبد لأنك تفضل استبداد غيره، وقد تستهويك الديموقراطية شرط انها تساعد مشروعك ولكنك تنبذها ان لم تفعل.
وبالارتكاز على عدد كبير من اللقاءات والمداولات مع اشخاص انخرطوا في هذه السيرورات، سأكتفي من جانبي من هذه الأسباب بواحد هو تماماً ما ذكره زميلي هيرميه عن مسلك «النخبة المؤسِسة» بوصفه عنصراً شديد التأثير في حظوظ نجاح التحول الديموقراطي من عدمه. فمن شروط النجاح ان تكون تلك النخبة غير ملتزمة إسقاط النظام السابق وحسب، وغير ساعية إلى الحلول مكانه وحسب، انما حريصة ايضاً على ابراز تعلقها بنظام بديل لا يكون صورة مقلوبة للنظام الذي وقع بل بديلاً حقيقياً عنه.

اعتماد المراحل
أولى مزايا تلك النخبة هي عدم الخلط بين المراحل. ففي المرحلة الانتقالية حين يكون الهدف الأساس هو وضع قوانين اللعبة من دستور وقوانين انتخابية، من المفيد ان يغلب منطق الحوار والتوافق، كما الاحتكام لمؤسسات المجتمع المدني، كما قد يكون مفيداً طلب العون من مؤسسات خارجية وعدم اعتماد قاعدة التصويت بمن حضر اطلاقاً. ومن المهم تماماً عدم سلق المراحل، خصوصاً في صياغة الدستور. ان تحديد زمن للسيولة السياسية غير المجمدة مؤسسياً امر مفيد، ومن الافضل ان يكون ذلك الزمن محدداً مسبقاً بما لا يقل عن عام، تتسلم خلاله دفة الأمور بالأفضل مجموعة لها صفة تمثيلية من دون ان تكون لها مطامح بدور بارز بعد انتهاء الفترة الانتقالية. وإذا تسلم الجيش السلطة في تلك المرحلة فعليه الاكتفاء بحفظ الامن وحماية العملية السياسية من دون التدخل المباشر او غير المباشر بها. ومن المهم في تلك الفترة ان تتنبه النخبة المؤسِسة الى عدم مضاعفة عدد الاطراف التي قد تعرقل العملية، ويكون ذلك بالتسامح مع الأقليات الفئوية، لغوية او مذهبية، وبإعطائها تمثيلاً في المؤسسات الجديدة يفوق نسبتها في المجتمع، كما من المهم عدم إطلاق التهديد والوعيد بحق قوى الجيش والأمن ولا العمل على الثأر منها ما يحولها بالضرورة الى قوى كابحة، بل قد يكون ضرورياً ان تعطى المؤسسة العسكرية بعض الضمانات المرحلية بحيث لا تطبّق قاعدة خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وهي من اهم عناصر الحياة الديموقراطية، إلا تدريجاً.
اما بعد اعتماد قوانين اللعبة فينبغي الانتقال الى ما يشبه تقديسها وفي الأقل احترامها والانتقال تدريجاً من منطق التوافق الى منطق حكم الغالبية. لقد تشرفت بالمساعدة على توصل الاحزاب التونسية الى ميثاق متكامل لمسلكها قبل انتخابات 2015 الأخيرة وخلالها وبعدها، وجرى التوقيع عليه في اجتماع مهيب في آخر تموز (يوليو) الذي سبقها. ومن اهم الأمور التمسك بعدم اعادة عقارب الساعة مراراً وتكراراً الى الوراء بالتعهد بقبول نتائج الانتخابات الأولى بعد المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة الهادئ لمن فاز بها. وهذا يعني بالذات انه تقع على النخبة المؤسسة مسؤولية تحضير الأذهان بأن مقولات بعضهم السابقة عن سعة شعبيته وعن عدد مناصريه قد تكون اوهاماً، وأن على كل عضو من اعضاء تلك النخبة ان يهيّء مناصريه لتقبُّل نتائج من الصندوق غير تلك التي توهموها او غير تلك التي يعتقدون بأنها تعود لهم بالنظر إلى دورهم في إسقاط النظام السابق.
وحين تكون عناصر المجتمع السياسي غير مكتملة، لاسيما بسبب ضعف او انهيار اجهزة الدولة او حتى عدم وجودها بالأساس، فالأولوية هي للاهتمام بمصالح الناس الاساسية، من أمن وعدل قبل الشروع بأي شيء آخر، ومن الضروري ان تعتبر النخبة المؤسسة ان من مسؤولياتها العمل على عودة اجهزة الدولة للعمل، وعلى تأمين الحد الأدنى من التقديمات الاجتماعية لئلا يُنظر اليها وكأنها مهتمة بالشأن السياسي والنزاع على السلطة وحسب، ما يضعف شرعية المؤسسات الجديدة قبل تدشينها. أما عندما يكون المجتمع منقسماً وفي حال من التحارب الداخلي الساخن أو البارد فإن تغليب المصالحة على الانتخاب امر بديهي. وإذا كان تأجيل الانتخابات الى ما لا نهاية امر خطر فإن اجراءها قبل ان تتأمن لها فرص النجاح والنزاهة امر أخطر بكثير. ليس بوسعك انتقاد انتخابات تتحكم بها اجهزة الأمن وأنت في المعارضة وأن تؤيد انتخابات تحت بندقية الميليشيات بعد ان تنتصر ثورتك، فالانتخابات في ظل الانقسامات الفئوية الحادة ليست أكثر من تعداد سكاني طائفي. والانتخابات من دون تأمين مسبق وحقيقي لحرية الترشح والاختيار هي مجرد شرعنة للبندقية الميليشيوية.
ومن الضرورة القصوى اعتماد المنهج الاحتوائي لا الإقصائي. وأود القول بصراحة انني عندما وصلت إلى العراق غداة سقوط نظام البعث لم يفاجئني امر، قدر استعداد المئات ممن كنت اعرفهم سابقاً او كنت تعرفت عليهم هناك، من موظفين عسكريين ومدنيين، للعمل في مؤسسات الدولة حتى وهي تحت سيطرة الاحتلال. كان في مسلكهم بعض انتهازية ربما، ولكن كان فيها عنصر اهم وأقوى وهو أنهم كانوا يميزون بوضوح بين النظام المنهار وبين الدولة المستمرة. وأعتقد جازماً بأن «داعش» ما كان ما هو عليه اليوم وأن العراق ما كان على ذلك التشظّي الذي هو عليه الآن، لولا القرارات الصادرة بعد الحرب، لاسيما حل الجيش واجتثاث البعث. وأذكر تحديداً عشرات الضباط الذين كانوا يعبّرون عن عدم تفهمهم لإقصائهم كما لا أنسى ما أجابني به مسؤول أميركي أرسلني كوفي انان لمقابلته ولمحاولة إقناعه بعدم تطبيق قانون الاجتثاث، على الأقل في القطاع التعليمي: «أفضل ان يتسلّم قطاع التعليم امّيون من ان يبقى بيد بعثيين». ورأيي ان القيادات الليبية اخطأت تماماً باعتماد مبدأ إقصاء من عمل في النظام السابق، فهي أقدمت بذلك عملياً على التصرف مثل النظام البائد بالخلط بين منطق الدولة ومنطق النظام، وزادت من الشروخ داخل النخبة البديلة، كما حرمت نفسها من خبرات كانت في أشد الحاجة إليها.
اما بالنسبة إلى علاقة الديموقراطية بالتنظيم الجغرافي فإن تجربة السنوات الخمس الماضية تثبت برأيي بما لا يدع مجالاً للشك إلحاح إعادة النظر برؤيتنا لمركزية السلطة من توزُّعها. وإذا قبلنا ان الديموقراطية تتطلب توزعاً للسلطة على مختلف المؤسسات فلا ضير ان نقبل ايضاً بتوزعها على مختلف المناطق. اما هوس نخبنا بالمركزية فهو صورة عن روح التسلط المتجذّرة في ثقافتنا، اذ يصعب على الثقافة المتسلطة القبول بالتعددية في مختلف أشكالها بما فيها الجغرافية. اما إلحاح المراجعة فسببه ان ليس من نظام ديموقراطي لا يقبل بنسبة ملموسة من نقل السلطة من المركز إلى الأطراف، وسببه الآخر، وهو أكثر حدة، هو ان اللامركزية بل الفيديرالية لها معنى عندما تُطرح كبديل لسلطة مركزية قائمة ولها وظيفة مختلفة تماماً عندما تكون وسيلة لإعادة لململة ما تشظى وافترق.

أخلاقيات القادة الجدد
ومن المزايا المطلوبة من النخبة المؤسسة، خصوصاً حين كان الاحتجاج موجهاً نحو فساد النخبة السابقة هو طبعاً قدر من التعفف والزهد لا استمرار منطق النهب والاستحواذ على حساب الممتلكات العامة او الافراد. كتبت بعد «ثورة الياسمين» ان فيها بعداً اخلاقياً واضحاً ولكني لم ار شبيهاً له خارجها بالفعل، مع بعض الاستثناءات في مصر. ان تميّز النخبة المؤسسة بما يشي بوضوح انها لا تستغل موقفها الانتقالي للإثراء او للحياة الرغيدة، في غاية الأهمية لبناء شرعيتها الهشة غير المبنية بعد لا على تفويض ولا على انتخاب. ففي المراحل الانتقالية، وقبل ان يتمكن الناس من اختيار ممثليهم بحرية، تبرز اخلاقيات القادة الانتقاليين كأمر حيوي يحل بديلاً من الشرعية المؤسسية التي ما اكتملت عناصرها بعد. فإن كانت النخبة المؤسسة على قدر من الفساد او العنف او الاستهتار بمصالح الناس او الجبن او الارتماء بحضن الأجانب، فإن خواء شرعيتها السياسية يبرز للعيان بصورة اقوى وتتزعزع المؤسسات الجديدة قبل ان تتجذر.
ليس من قياس يناسب كل تجارب التحوّل، وما هذه الارشادات العامة الا بعض من المؤشرات الدالة على تحوّل واعد. يقيني ان ليس فيها ما يخالف المنطق، وأن النخبة المؤسسة قادرة على فهمها واستيعابها بل على تطويرها. اما لماذا لم تلجأ اليها فمرده ليس بالضرورة ضعف وعيها بقدر ما هو ضعف تعلقها بالديموقراطية، لأنها لا ترى فيها أكثر من وسيلة متاحة بين غيرها للوصول الى السلطة، او لأنها ترى مهمتها التاريخية في اسقاط نظام لا في استبداله، او لأنها تعتبر الديموقراطية اقل نبلاً وسمواً من اهداف اخرى كالتحرر او تطبيق الشريعة أو ما شابه. ويقيني ان العُسر الذي ضرب محاولات التحول الراهنة لن ينحسر الا إذا تعلمنا من هذه التجربة ان الديموقراطية هدف سام بذاته ولذاته. يومها يكون للديموقراطية اهل ونكون نحن اهلها وأهلاً لها.


* أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس. والنص محاضرة ألقاها في مؤتمر «خمس سنوات على الثورات العربية: عسر التحوّل الديموقراطي ومآلاته» الذي نظمه الأسبوع الماضي في الجامعة الأميركية في بيروت، «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» بالتعاون مع «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات».

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا