ريجيس دوبريه: في لحظة انكسار

2:02:00 ص


http://nomene.blogspot.com/2015/12/blog-post_20.htmlحاوره: فرانسوا غيوم لورين وسيبيستيان لوفول
 ترجمة: سعيد بوخليط

ريجيس دوبريه
مع آخر إصداراته "Madame H"، لا يفتقد ريجيس دوبريه، المفكر الذي أنجز العديد من المؤلفات، لطابع التفكه، من خلال وصيته السياسية هذه: البشرية بلا أفق، يسار بغير أفكار هولاند، مأتم التاريخ… عمل، بمثابة خريطة طريق، للزمن الراهن.




س- كيف تعرفون أنفسكم، انطلاقا من كتابكم الأخير ''مدام H"؟
ج- دعوة للمرح، من خلال حداد، ونحن نترنم. سرعة تكرس، السوداوية في العواطف، ثم البهجة في الفكر. الشعار المثالي، لانبكي على مآلات اللعبة، ولنحافظ على رشاقتنا.
 
س- لكن عن أي حداد، بالضبط تتكلمون؟
ج- عن التاريخ باعتباره قصدية كبرى، وتحرر للإنسانية وهي تقتفي آثار خلاصها. فكرة مسيحية، تستحضرها من العقيدة اليهودية-المسيحية، مهما كنت مفكراً حراً. لقد جعلت منا، دون أن ندري، تقدميين منحدرين من إبراهيم وعيسى. غير أن المكتب المتعلق بما هو أخروي، قد أغلق أبوابه، بالتالي لم يعد يوجد وعد كبير قابل للتصديق. هل لاحظتم التقصير الذي يحكم مسار أطوار الأمل في تاريخ الغرب؟ المسيحية عشرون قرناً، بينما النزعة العلمية استغرقت فقط قرنين؟ أما الاشتراكية، فأقل من قرن؟ والتوجه نحو الأوروبية نصف قرن؟ النتيجة، تاريخ أولي: الخوف وفقدان الأمل. الإنسان، هذا الفصيل الثديي الصغير، المولود قبل الأوان، أكثر دهاء، لكنه أكثر ضعفاً مقارنة بالآخرين، كان دائماً خائفاً، لكن لدواعي: وحيد القرن، جهنم، الطاعون، الهمجيون، الدخلاء، الكلاشينكوف. قدره، أن يكون خائفاً، لكن اللا-قدر الذي تخيله، حتى يتحمل وقع ذلك، يتمثل في: انبعاث الأموات، مجتمع بلاطبقات، الخلود بالفن، ومعه مهدئات أخرى. فللمرة الأولى، انتفى كل شيء يحيل على المابعدي، سواء في السماء أو الأرض.

س- أي أثر سيشكله، هذا الاختفاء على عصرنا؟
ج- من المبكر قليلاً معرفة ذلك. لقد كان للقرن العشرين، مستقبلاً  أكثر من غيره، وإلى غاية القرن الثامن عشر، كانت حضارتنا تعيش على الماضي، والاقتداء بالمسيح، والقديسين والأبطال. بينما يعيش حاضرنا على وقع اللا-متوقع، أي بلا شيء، سواء في الخلف أو الأمام، فقط التجريب. أستشعر، ثنائية قطبية: من جهة، هستيرياً ورجفات من الغضب، ومن جهة ثانية الكآبة واللامبالاة. يرتفع توتر المكتئب يومياً، مع عشرات الومضات، لذلك سيكون أمام المحللين النفسانيين، عملاً جباراً للقيام به.

س-ألا تشكل العولمة، سلطة أمل جديدة؟
ج- لا أتبين الأمر بوضوح. تنتقل البضائع جيداً، يحيا القماش والحاوية، وتتقارب بامتياز في نفس الوقت الثقافات والديانات، فيتماس بعضها ببعض، مما يخلق الاهتياج ويحدث الالتهاب في المفاصل. تفاعلات شديدة الحساسية، بالتالي انثناءات ورعب هوياتي، هنا وهناك. العولمة، التقنية-الاقتصادية، خلقت بلقنة سياسية-ثقافية، بحيث بلغنا 193 دولة في الأمم المتحدة، مقابل خمسين سنة 1946. وبقدر، تقدم الآلات، تتراجع الخيالات. يعود الماضي بقوة، مع استيهامات الأصل. تأملوا الشرق الأوسط: تنمحي الحدود الحديثة، والتخلي عن الدولة مقابل ما هو اثني. إن الأكثر معاصرة، يتصف أيضاً بكونه أكثر هشاشة. عندما تتفاقم أزمة اقتصادية أو سياسية، تبرز الرواسب القديمة جداً: القبلي، العشائري، الإثني ثم الديني. فالقديم، لا يعد بائداً بل مكبوتاً، بهذا المعنى، ستكون ما بعد- الحداثة، مثقلة بالتكلس. لماذا؟ لأن التسوية، تخلق عجزاً في الانتماء، واضطراباً وجودياً، من هنا الحاجة إلى إعادة تأصيل للتقليدي، وكذا إبراز للخصوصي. حتى لحظة الأمس، اعتقدنا أن تطور مستوى الحياة، سيخلصنا من الديني، بحيث نغلق معبداً لما نفتتح مدرسة، لكنه تقدير في غير محله. المختصون في الإعلاميات، يعتبرون أكثر أصولية من الأدبيين، سواء في الهند أو العالم الإسلامي. تتوخى الليبرالية، أن تمحو البطاقة الزرقاء، بطائق الهوية، غير أنها في حقيقة الأمر طفت بها نحو السطح. إجمالاً، ثم العثور أخيراً، على إحلال السلام، بفضل التجارة الناعمة. لقد عثرت أخيراً المنظمة العالمية للتجارة، على حل للغز، وأحاطته بإحصائيات، لكن ذلك يبقى تضليلاً مطلقاً. يهيمن البيروقراطي على قرارات بروكسيل، وهي إلى جانب الانحراف عن جادة الصواب، لاتمتلك بين أياديها، سوى نصف المخطط.

س- لكن لمواجهة داعش، وقضية المهاجرين، هل يمكن لأوروبا حقاً، العثور ثانية، على هوية جديدة؟
ج- نعم بالتأكيد، لاشيء أكثر تحريضاً، من الخصم الحقيقي والجيد، هكذا صنع ستالين الكثير للاتحاد الأوروبي، مقارنة  مع  جان موني. لكن، هل تتذكرون: لقد بنينا أوروبا الغربية، كي لا ندخل أبداً غمار الحرب، بل ولا نفكر بتاتاً في الأمر. ثم، سلمت قضية حمايتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتجسس بلا حياء على المحميين، ولا يعكسون أية ردة فعل. يظل هذا المشروع قابلاً للحياة، قدر ما تكون تحديداً أمام عدو قاتل. داعش، اسم يثير التقزز ويحدث الرعب، لكننا نشير هنا إلى تنظيم يقارب تعداده 20000 رجل وسط الصحراء، بلا طائرات للتجسس، ولا مختبرات، ولا مصانع، وهو ليس بالرايخ الثالث أو الجيش الأحمر. التصدي للإرهاب، لايصنع هوية، بل فضلاً عن ذلك، تشرف عليه واشنطن، وتملك حق الشفعة. كلمة أوروبا، ككيان سياسي وليس جغرافي، ظهرت مع الخطابات المبهمة، التالية لمعركتي''بواتييه'' و''ليبانت'' ضد الأتراك. تجددت المجابهة، إيران بعيدة، الصين كذلك. من هنا الاهتمام، المبالغ فيه، لشيطنة السيد بوتين، بهدف إيقاظ المواجهات، لكن قليلاً من التسخين، أليس كذلك؟ واستراتجيا، ليس مقبولاً على الإطلاق.

س- ألا تستشرفون إذن إمكانية نموذج آخر؟
ج- لا. بالقياس إلى معطيات القوى الحالية، كيف يمكننا الرهان على المستقبل؟ الأسواق ترهب الدول، والأسطورة الموحِّدة تبقى فقط خطابية. لقد عجزت أوروبا، عن خلق الأوروبي، بل لم يوجد قط، ثم ها هو المشهد يتفتت من يوم إلى آخر. هذا المشروع المتعلق بالوحدة السياسية، شكل مع ذلك يوتوبيا جميلة، حيث تداخل، ما بين ثنايا الاقتصاد، ديبلوماسية الروابط العزيزة لدى الاشتراكية الإنسانية، والتطلع نحو عالم مسيحي يوحد من جديد، تلك الفكرة المأثورة عند الديمقراطيين المسيحيين. لنتذكر، أن العلم الأوروبي، كما رسمه أحد اليسوعيين، هو أزرق – مريمي [مريم العذراء]، وبأن النجوم الإثنتا عشر، مستعارة من قيامة القديس يوحنا، عندما ظهرت في السماء قصد الإعلان عن العصر الذهبي. تنتهي كل حرب كبرى، على مشروع دائم للسلم. السلم العالمي، عن طريق قوة الردع النووي، سمح بأوروبا وليس العكس. لكن المصالح الوطنية، ستأخذ ثانية دورها بخصوص الرهانات، والحسابات تحدد اللعب. نصوت عند مستوى، ثم تحسم القرار جهة أخرى، بالتالي ما جدوى هذه المسرحية الهزلية الانتخابية؟ ماريو دراغي [رئيس البنك المركزي الأوروبي] وكريستين لاغارد [المديرة العامة لصندوق النقد الدولي] ثم البنك المركزي الألماني، هؤلاء من يقررون في نهاية المطاف لحكوماتنا، التي لا تملك سوى زمام القليل. لكن، ماذا عن الذين صوتوا لهم؟ هل تمت استشارتكم؟ ولا أنا.

س- لكن ألا يظهر موقف، أنجيلا ميركيل من اللاجئين، شخصية دولة حقيقية؟
ج- حتماً، وانطلاقاً من قناعات أيضاً. مارتن لوثر الألماني، وليس فقط أرباب العمل، وكذلك فرانسوا داسيز في إيطاليا، لعبا دوراً أساسياً. إنهما، البلدان الأوروبيان، اللذين يستقبلان بشكل أفضل وأكثر اللاجئين، بحيث يشكل الإنجيل خلفية لهم. القسيسون والبابا هنا، بالتالي وضع يسهل الأمور.

س- هل تطور موقفكم منذ فترة صدوركم لعملكم: مدح الحدود؟
ج- أبداً، إن خطاً حدودياً، يعتبر خطاً مقبولاً، أُقيم كي يتم تجاوزه، وفق بعض الشروط المشروعة المتفق عليها، بين طرفين. خط الحدود، هو فتح حضاري، لذلك سيفتح انعدامه، المجال لقانون الأكثر قوة، الذي لن يتردد في إقامة جدار، دون طلبه الإذن من أي شخص. إن خطاً حدودياً، قد ينعكس سلباً، لكن أيضاً غيابه يعني بالتأكيد الغابة، عاجلاً أم آجلاً.

س-التراجع عن مختلف توهماتكم، هو كذلك بمثابة توديع، للسياسة التي تكتبون حولها؟
ج- بمعنى ما، نعم. لقد ودعنا السياسة، بالمعنى القوي للكلمة؟ ممّا يشكل نهاية حقبة انفتحت لدينا على الثورة، ووضعت في قلب الصراعات رؤية للعالم، من أجل السلطة، وليس دفاعاً ذاتياً عن إقليم أو سلالة حاكمة أو جماعة مصالح أو نسبة نمو؟ ثنائية يسار-يمين، ظهرت سنة 1789، عبر خط  للانقسام، يتمثل في فكرة للمستقبل والكائن الإنساني. لقد عبرنا ذلك جيداً، طيلة قرون. وكل ما نشأ يستحق تلاشيه. في كل الأحوال، لا أقول وداعاً، لكن صباح الخير أيتها العلمانية. بخصوص الأخيرة، أهيئ صحبة أحد أصدقائي، مرشداً عملياً صغيراً، دقيقاً جداً، وعملياً. كي، نتخلص من اللغط المتهافت للقيم، والمشاعر الطيبة. العلماني، يعني الصلب والمستقيم. أمر، لا يمنح مبرراً كي نعيش، وهي ليست بدين من لا دين له، لكنها تسمح كي نتنفس جنباً إلى جنب، دون أن يقتل بعضنا البعض، سياق يعني في حد ذاته الشيء الكثير.

س- لكنكم كتبتم أنكم تهيئون للحرب الأهلية؟
ج-ليس بتلك التعابير الكبيرة! فنحن لا نعيش سنة 1940، كما أن هواجس الاجتياح ديماغوجية، وحسابياً خرقاء. أقول، أن لكل ثقافة وحقبة، مقدسها وعندنا كي أكون مختزلاً، يتمثل الأمر في العلمانية. تتوقف وصايا السماء، عندما تبدأ الجريدة الرسمية. قواعدنا نحددها بأنفسنا، لذلك أحرار الإسلاميون، كي ينظروا إلينا باعتبارنا ملاحدة، لكن أن لا يأتوا عندنا رغبة لتطبيق قانونهم، بنفس مستوى، تجنبنا ارتكاب ذات الصنيع معهم. النضال لتحقيق هذا الأفق، يمثل أمراً مهماً. إجمالاً، المقدس يحظر المدنس، ويقر بالتضحية.

س- تفضلون أن يتم تعريفكم كمواطن عالمي، فما الذي يميزكم عن القومي؟
ج- فكرة أن وطني، لا يمتلك أي حق للتعالي عن الآخرين، لكن حقه أيضاً كي يظل مختلفاً. والقناعة، أنه بقدر وجود لاعبين أكثر حول الطاولة والكون، تصير اللعبة مفيدة أكثر. الأسوأ، أن تكون وحيداً بين أربعة جدران.

س- لهذا لا تتكلمون قط عن الهوية؟
ج- نعم أفضل التكلم عن الشخصية، فهي أكثر ليونة وأقل انغلاقاً، مع لعبة كاملة من الطبقات المترسبة. الهوية، تتجمد في بطاقة، تنتهي عند خانة صغيرة. هذا يمكنه أن يصير نتناً، بشكل سريع جداً.

س- بين تاريخ مجيد لفرنسا، ثم خطاب التحسر، ترفضون الاختيار، أو بالأحرى تدحضون الاثنين؟
ج- لماذا المجيد من جهة، والكارثي من جهة ثانية؟ بوسعنا التوفيق، لكن في الإطار الصحيح. أولاً الرواية الوطنية، لأنه يلزمنا بالفعل واحدة، والتاريخ هو أولاً، سرد يحكي. فيما بعد، وعند نهاية الثانوي، نستعيد الرواية لكن برؤية نقدية، وفتح للملفات، وتجابه لوجهات النظر. الإصلاحات المدرسية، التي تجازف بتاريخ فرنسا، وقد جعلته  أسطورياً جداً، فتصنع لعبة ذاكرات شخصية، وتنضيد غيور، لادعاءات تحب الثأر والانتقام. كل جنس وإثنية ولغة محلية وعقيدة، يستأثرون بفوائد أمر. ثم فيما بعد سيلتقطون الفتات؟ وزراؤنا للأسف، يلاحقون الزبائن عشية الانتخابات، لذلك فالدفع ربما يأتي فوراً، لكن ليس على المدى البعيد.

س- تشخيصكم يستبعد أميركا؟
ج- أميركا الشمالية محظوظة: لقد ورثت عبر تاريخها، أسطورة منعِشة تتمثل في الشعب المختار، وكذا المهمة الربانية لتعميم الديمقراطية والحضارة نحو الغرب، والتعاقد المبدئي فيدرالياً مع إله، يضعهم فوق القوانين الدولية. هذا الدين المدني، المقتسم من لدن الجميع، السود والبيض، وهذا الرباط الثوراتي-الوطني، سمح لهم داخلياً بالحد من التفكك. ثم خارجياً، بالبحث عن مكامن مصالحهم الخاصة، على أنها تهم البشرية عامة، غاية الرغبة في أمركة العالم قاطبة. ديمقراطية ربانية، تمنح السيادة للدولار، وحيث يلزمك أن تجني المليارات لكي تُنتخب. لقد تحدث اليونان القدامى، عن أوليغارشية الثراء والسلطة (ploutocratie). وأخيراً، امتلكوا مالاً نتوفر عليه نحن، أقصد: الاعتزاز بالنفس. أوباما، ومعه كل أعضاء مجلس الشيوخ، يلصقون بملقط على صدورهم العلم الأمريكي. هل بوسعنا، أن نتخيل قيام فرانسوا هولاند بنفس الأمر، وقد ألصق ملقطاً ثلاثي الألوان [إحالة على العلم الفرنسي] على سترته. ينبغي دق ناقوس الخطر.. لقد، انتُشل مقدسنا الوطني، وأخل نظيره الأوروبي بالتزامه، وسياسيونا لا يملكون شيئاً يعلو فوق رأسهم، اللهم سوى أكليشيهات مضحكة. هذا الفراغ الرمزي، يدعو إلى الشفقة.

س- لماذا، إذن يهتم الإسلاميون بفرنسا، على هذا النحو؟
ج- بدون شوفينية ضيقة، نبقى بعيدين، كشيطان أصغر، وراء الشيطان الأكبر، لكننا أكثر في متناول اليد. من حسن الحظ، أن الأصالة العلمانية، لازالت تحتفظ حتى الآن، بآثارها الجميلة. لقد منح 11 يناير، بريقاً إلى فرنسا، اختفت من الخريطة الدولية. أعتقد، لو وقعت المجزرة في برلين أو روما، لما وجدت الدعوة، نفس الصدى. خلال ذاك اليوم، خاطبت فرنسا باقي العالم، بلغة خاصة. صحيح، يمكننا مناقشة مضامين ما توخت قوله: التحام الذوات، أسلوب ليبرالي-تحرري، أفعل ما أشاء متى أردت، أو دفاعاً عن الجمهورية عند أقدام الباستيل، وقد يحيل على التأويلين، لكن دلالة الرسالة، توضحت.
 
س- في كتابه الجديد: وضعية فرنسا. يعتقد بيير مانون أن «الإطار السياسي لتآلفنا»، بمعنى الجمهورية العلمانية، قد أضحى قديماً، مضيفاً بأن «نظامنا عليه الإقرار والقبول صراحة بعادات المسلمين ما داموا شركاء لنا في الوطن»؟
ج- نضيف إلى هذا، حرية تغيير الدين، أو أن تعيش بدون دين، ثم بالنسبة للنساء حرية الزواج بغير المسلم، من أرادت ذلك. وليس المؤذن، خمس مرات خلال اليوم عبر مكبر للصوت… لكني، لا أتبين تحت أي مبرر يمكن للجمهورية منع تسوية كهذه، بل بوسعها أن تجعلها ممكنة.

س- هل الإسلام قابل للذوبان في الجمهورية؟
ج- لماذا ضرورة انصهاره؟ لن يكون ذلك جمهورياً جداً. الجمهورية، تقر وتحترم كل الاعتقادات. يلزمها فقط الحرص، كي لا يتعدى على الفضاء العمومي، ويتجنب أيضاً تخويف مريديه، لقد قبل الأصوليون والكاثوليكيون، فعلاً بهذا، بعد سنة 1905. ألا تشجعنا، سابقة كهذه؟

س- تمتدحون الحرب كما ترثون لحال العالم وهو يتخنث، بانتقالنا إلى عهد الأم الضخمة؟
ج- حجتي بهذا الخصوص، تكمن في الحاجة إلى الأخوة. السلام يوقظ الأنانيات، ويجعل منا أنذالاً، يبتغون فقط أن يكونوا سعداء. أنانيات، تقضم الروابط، وبنية المرفق إلى جانب المرفق. يربط بعض اللسانيين مفهوم الجمهورية بـ"العانَة" (pubis) [منطقة من شعر البدن]. تاريخياً، على الأقل، يعتبر تأويلاً سليماً، فالمواطن في العصر القديم، هو البالغ، الحامل للسلاح، بالتالي لا مواطنة بدون خدمة عسكرية. أيضاً، ارتكزت جمهوريتنا في البداية، على أساسين: المدرسة والجيش. لم يكن صدفة، أن معركة  فالمي (Valmy)، مهدها. أنا ألاحظ فقط، ولا أمتدح شيئاً. الجيش والكنيسة، باعتبارهما أقدم معقلينا الذكوريين، هما في طريق التفكك. ردة الفعل، طبيعية وليست مزعجة. الأم الضخمة، تقبل الحياة أكثر من الأخ الأكبر، أقدمها لكم عن طيب خاطر. 

س- ديغول، ميتران… ما يثيركم لديهما جانبهما "المتلاعب بالأحلام".
ج- لا، ليس المتلاعب، بل وسيط ومهرب أو صانع لفكرة- قوة. صحيح، لا شيء نهتدي معه فعلاً على هذه الأرض، دون جرعة معقولة من الضعف، لكننا في ذات الوقت، لا نرسي دعائم ما هو عظيم دون شغف، ولأن المستوى يضعف دائماً على امتداد الطريق، فمصلحتنا البدء من الأعلى. لو أجري استطلاع للرأي يوم 18 يونيو1940، ما كان  ديغول ليحصل سوى على0;01% من الأصوات. لكنه أدرك، كيف يخلق أسطورة فرنسا الخالدة، التي لا تقهر، بحيث حفزت وحركت أشخاصاً، قبلوا التحدي في نهاية المطاف. لو ابتدأ بصيغة الغائب، وأخبرنا أن  فرنسا لم تكن شخصاً بل مجرد 1% من ساكنة العالم، وهو ما يعكس الحقيقة عينها، بالتالي دقت الساعة من أجل الاستقلال، لكنا فضاء محتلاً سنة 1945. السياسي الكبير، رجل مخادع، يمتلك معنى الحقائق. عموماً، الهاوي، شخص مخالف للصواب وهامشي، فنادراً ما يصنع حرفيوا المهنة، شأناً معيناً.

س-ألا يمكن فقط للاعتزاز بالذات، أن تستمد مصدره سوى من تمجيد الماضي؟
ج- بالتأكيد، لا. غير، أن الإقرار الدائم بالخطأ، يخلق سواء الرغبة كي تشنق نفسك، أو أن يراهن كل واحد منا على نفسه، مثلما يقع لحظة غرق سفينة. اكتئاب وكلبية، ثم لا ننسى بأن الذاكرة تمثل دافعاً. جميع الثوار الذين عرفتهم، سكن المكتمل، رأسهم أو قلبهم: الزا باتيين، الخالد زاباتا، روبسبير، تبيريوس غراشو، وثوار سنتي 1848 و1989، إلخ. تخلق النوستالجيات الكبرى، الجديد في الفن كما السياسة. دون تواجد للجمهورية الرومانية، داخل الرؤوس، لم يكن بالإمكان قيام الثورة الفرنسية. وبغير متحف اللوفر، لا وجود لـ بيكاسو. أهل الماضي، يؤسسون للمعاصرين، ويتكيفون مع الراهن، دون أن يفتحوا ثغرة، إنهم يخضعون، هذا كل ما في الأمر.

س- ألا يتحمّل ميتران أيضاً، نصيباً من المسؤولية، بخصوص التصفية؟
ج- اسمع، كل من وصل إلى سدة الحكم، سيكون مقاوماً للأحلام. ولأن اليسار، يحلم طبيعياً أكثر من اليمين، فالألم يصير مضاعفاً. حينما نعيد النظر في لحظة ميتران، ونتأملها عن بعد، تبدو أنها تشكل نقطة اتصال بين القرنين التاسع عشر والعشرين، بين الاشتراكية القديمة لعمال المطابع وكذا نيو- ليبرالية المقاولين على الطريقة الأمريكية. لقد اعتقدوا واعتقدت بدوري، أنه سيمدد ويبعث سلالة جان جوريس وليون بلوم، إن لم تكن الأفكار، فعلى الأقل، امتلك ميتران نفس القبعة واللغة والنفس، وأخيراً فهذا الرجل الكبير، سيتمكن من الارتقاء عبر جاك سيغيلا (Séguéla) وبيرلوسكوني و بيرنار تابي (Tapi)، والذين لم يكونوا حقاً في الحسبان. اعتقدنا، أن زيارته إلى مدفن عظماء الأمة سنة 1981، كانت تحية صباحية، لكنها في حقيقة الأمر، مثلت وداعاً! يسمى هذا في حدود ظني، بسخرية التاريخ. يعمل الزمان، مع الدوام، وسواء يميناً أو شمالاً، على تحريف مختلف المسارات.

س-فيما يخص هذا المنعطف الليبرالي، تخصون فرانسوا هولاند، خريج المدرسة الوطنية للإدارة، والمستشار الشاب في قصر الاليزيه، ببعض الكلمات غير المهذبة قليلاً: «تمساح يدجّن، سقط من فوق صدفة». 
ج- لنترك رئيسنا التعيس جانباً، ولنتابع بالأحرى النشرة الجوية. إن عموداً فقرياً، لا يسقط من السماء، والوقائع الصغيرة، لا تصنع قط، أمزجة كبيرة. كل جيل، يحمل عصره على أكتافه. ليس ذنب خريجي المدرسة الوطنية للإدارة، المغلوبين على أمرهم، أنهم لم يختبروا حرباً ولا مقاومة ولا نضالات مقاومة للاستعمار، فقط المكاتب الوزارية وأروقة المؤتمرات. يلصقون الإعلانات، يشاغبون، يتهمون، يتسلقون جبال الأوراس، لقد قفزوا على كل تلك المراحل التي يمر منها المناضل، كي يظفروا بمسؤوليات طازجة. خريجون حديثون، دون عناء، أو وعي أو ثقافة تاريخية. يشبهون قليلاً، تلك المدن البرازيلية، التي تحدث عنها كلود ليفي شتراوس، بحيث تلج مباشرة فترة الشباب، ثم الضعف، دون المرور من مرحلة القدم.

س-كيف تفسرون هذا التحول السياسي؟
ج- لم يكن اندثار الطابع المسيحي من أجل لا شيء: إن مسيحياً، مجرداً من الوعي الذاتي أو ليس كذلك، يدرك حياته باعتبارها تكافلاً، ولا يتهرب من الاختبارات. الحقبة الراهنة هي لـ "الأنا" ولم تعد لـ "النحن"، طغيان لمنطق الأنانية. لم يعد الكلام منصباً على الانجاز الجماعي، لكنه يتجه إلى التألق الشخصي. إنه عطب أسطوري، عقاب بروميثوس السرمدي، وصحة أمّنا الأرض، ليست على ما يرام.  يبقى، المسلك الأناني والصورة الملتقطة ذاتياً [سيلفي]. أشعر، بأنه وضع يراوح مكانه.

س- هل خسر اليسار معركة الأفكار؟
ج- في كل الأحوال، لقد أضاع أفكاره الخاصة به، والتي صارت على الهامش. صحيح، أنه جراء خوفه من إصابته بالعطل، صار يفضل مطلقاً السلطة بغير أفكار، والأفكار بغير سلطة، بحيث يمارس الحربائية. بالطبع اللعبة، صعبة، لأنه جوهرياً، لم تعد الأفكار نفسها تصمد أمام الصور. تعود بي الذاكرة إلى حقبة ليست بالبعيدة، حينما كانت للحزب الاشتراكي مجلاته وجرائده الأسبوعية، ويدبج الأمين العام كل أسبوع مقالة رصينة في نظامها. اليوم، يضع فريق التواصل البرنامج، ولا يفكر هؤلاء السادة والسيدات، بتاتاً في "الجريدة الكبرى". أساساً، إن يساراً، يشتغل بنفس الوتيرة، ولا يحسم بفعالية في أي شيء، اللهم ما تعلق بالقنب الهندي أو الزواج للجميع، لم يعد له من مبرر للوجود. لسنا متأكدين من الأسوأ، لكنه سيحدث عما قريب، على منوال الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها المركز، حيث التأرجح بين الديمقراطيين والجمهوريين، تناوب دون تناوب. فلان، يحل محل علان. ألا تقرون، أنه من السذاجة، التفكير في قياس درجة حرارة، هذا الأمر.

س- هل ينبغي على المثقفين الاستسلام أيضاً؟
ج- بالتأكيد، لا؟ سعياً، لفهم العالم الحالي. عالم، يقتضي منا النظر إليه من الأمام، دون أحكام قبلية، ولا زغرودات أو إسقاط للرغبات الشخصية. ودون أن يحول هذا المتأمل أو ذاك وشيعته إلى نواة المشهد. تكمن الإشكالية، في المهارة. تحت وابل من الصور، تتزحلق الكلمات. فإذا توخى عقل جيد، التأثير في معاصريه، أي المشروع الموجِّه للمثقف، فمن الأفضل بالنسبة إليه أن يُرى بدل أن يقرأ، بالتالي تخليه عن الأسلوب لصالح الكاميرا. يحتاج إلى موهبة، نادراً ما يمتلكها أهل التحصيل. مجال الفيديو، غيّر المعطيات، لذلك كي يستمر هذا المثقف، عليه أن يصير نجماً للسمعي-البصري، إنه وضع جد مهين.

س-اتهمت جريدة ليبراسيون ميشيل أونفري، كونه يمارس لعبة الجبهة الوطنية، هل ترون فيه، حليفاً موضوعياً، لـ مارين لوبن؟
ج-لا أحب مطاردة الساحرات، ولا التقليل من الوضع الاعتباري لمنافس فكري، من خلال "القيام بدور"، حسب الأسلوب الستاليني أو الطريقة المكارثية. أنا لست فوضوياً مثل أونفري، حيث يمكننا الاعتقاد أحياناً، أنه يبالغ في الأمر، لكن دون أن نمارس في حقه مسألة التحريم، أشياء من هذا القبيل، تخلق بالتأكيد الرغبة كي تبقى بعيداً.

س- لكنكم أنتم من صاغ نظرية الوهم، ألا تريدون التبليغ، عن أي شيء؟
ج- بلى. دلالة المنظورات. من الأدنى إلى الأعلى، لأنه وحده ما يتجاوزنا، بوسعه التأليف بيننا. ينبغي علينا القبول بما هو أكبر منا، إذا أردنا البقاء في العلو، بل وحتى إن تعلق الأمر برؤية للفكر. ومن وراء إلى الأمام، أفقياً، مع دلالة الجينيالوجيات وكذا التناسليات. إذا هاجمنا اللاتينية مثلاً، فإني أخشى فوراً على ابنتي اللغة الفرنسية. يرهبني، أن نأخذ بعين الاعتبار حصرياً لحظة الحاضر، أعتقدها بربرية. لقد آن الأوان، كي تتحول المدرسة الوطنية للإدارة، إلى مركز لدراسات الحضارات، يشغل ضمنها التاريخ والجغرافية، مكاناً كالاقتصاد بل وأكثر منه، مع تدريب في السنة الأخيرة على التطبيق الإداري. ماذا بوسعكم، أن تفهموا ما جرى في أوكرانيا 2015، إذا نسيتم الانشقاق الذي عاشته الكنيسة الأرثوذوكسية سنة 1054، نهب بيزنطة من طرف الصليبيين اللاتينيين، والذي ترك آثاراً سيئة، وكذا خط ريغا–سبليت (riga-split)، الذي قسم طيلة قرون، أوروبا المسيحية، إلى نصفين؟ إذا تجاهلتم، كل ذلك، فأنتم تمارسون الايدولوجيا، ثم نقطة انتهاء.

س- لو كنتم وزيراً للتربية الوطنية، ماهي أول قراراتكم؟
ج- التوقف عن طرح أي إصلاح، بمعنى سيكون الأمر ثورة، والبدء بجرد مضبوط، لما ترتب عن هذا الكم الكبير من الإصلاحات، على امتداد ثلاثين سنة الأخيرة.

س- هل تؤيدون مثل البعض، إعادة النظر في الخدمة الوطنية؟
ج- نعم، مالياً ليس بالأمر الهين، لكنه من الناحية المدنية، يعتبر مطلباً جوهرياً.

س- هل تستشرفون، لمن ستصوتون خلال انتخابات 2017؟
ج- لا، بل أعرف فقط العكس، أي الذي لن أصوت له. بخصوص هذا الأمر، من اليسير جداً، معرفة ما نرفضه قياساً لما نقبل به، موقف الرفض هو ما يؤخذ بعين الاعتبار، أما مع (نعم)، فالمسألة لا تتجاوز إطار التدبر.

س- بغير صديقكم جان بيير شوفينمان، ألا يمكن أيضاً، العثور على سبيل نحو آلان جوبي؟
ج- يتجه شوفينمان إلى ما هو جوهري، بناء على وجهات نظر واضحة، ودائماً متقدماً زمانياً. أما جوبي، فلا ينتمي إلى ضفتي، هو شخص تقليدي ربما، لكنه مناسب للوضع. الثقافة ومعنى الدولة، ورقتان رابحتان، آخذتان في الانكماش، بينما مباراة الجماليات الانتخابية، كما تعلمون، فقد صارت جلية من بعيد.

س-أنتم رفيق درب تشي غيفارا سنوات الستينات، وبعد انقضاء سبعين سنة، ألا تباشرون حالياً مهمة كاتب لليمين؟
ج- لا إفراط في الحلم، لن أنجح قط بنفس مستوى أنطوان بلوندان (blondin)، يكون الكاتب على عجلة من أمره، لكن بشكل صحيح، لذلك أحاول قدر المستطاع، عدم السقوط في التكلف، والرطانة، وأيضاً الجدية المبالغ فيها. تنتفي الأفكار العامة، بسبب النكهات والألوان الزائدة. لكن، لماذا اليمين أو اليسار؟ الضوء، هو بالفعل متموج وجزئي، في الآن ذاته. لماذا لا نكون الاثنين؟ وإعطاء الخطوة لهذا الجانب أو ذاك، حسب اللحظة والمكان؟ اليسار، من أجل بطاقة التصويت، ثم اليمين فيما يتعلق بأذواقه الإستيقية. وضع يوازن المعطيات، أليس كذلك؟.

س- وماذا تبقى لكم، من اليسار؟
ج- عشق الخصوصيات الجماعية، تعاطف هائم مع الضائعين والمحرومين، ثم شعور عارم بالذنب إذا انتميت إلى فئة أثرياء معروفين، ويتمتعون  بصحة جيدة. تغمرني السعادة وأنا أقرأ نيتشه، وأظل لصيقاً به، إضافة إلى التعاليم المسيحية: حرية، مساواة، أخوة. هكذا تمتلك مواصفات، جمهورية يسارية مطابقة كلياً. غير هذه الإشارات، لا أهتم بما تبقى.

س- تُظهرون صرامة نحو الأدب الحالي، مع ذلك تنتمون إلى عضوية لجنة تحكيم جائزة غونكور.  وضع يخلق معاناة لديكم؟
ج- لنقول تحدياً، بحيث تُرضي في الوقت ذاته، المكتبة ثم الأدب، هو ليس بالأمر الهين، لكننا ندرك المبتغى. كم جميل هذا العمل الصعب، أن تجعل من نخبوية معينة، شيئاً شعبياً! أخبرني، جوليان غراك (Graq)، أن الحقل الأدبي تمحور دائماً على 10.000 قارئ، لذا فالتطلع كي ننتقل إلى رقم 30.000، يثير الاستخفاف. هنا تكمن، مهمة غونكور، أي أن تخلق كل سنة، بواعث الاستخفاف تلك، ونحن نطمح إلى حصيلة 100.000 قارئ، بل وأكثر. ستكون معجزة!

س- لستم على ودّ مع ميشيل هولبيك؟
ج- مع أنه فوتوغرافي ممتاز، يحيط جيداً، بأجواء العصر واللحظة الراهنة، بلغة بسيطة ودون تحجر، والتي تفتح جميع الأبواب. هنيئاً، لكن إذا كان الموضوع يهم الأدب، وليس سوسيولوجيا حدسية ومُسلية، هنا يجدر الرجوع إلى بيير ميشون (Michon).الأخير، سيصمد.

س-ما هي الرواية التي تعودون إليها دائما بسعادة؟
ج- رواية: "un balcon en forêt" لـ جوليان غراك. فظاعة الحرب، منطقة شامبان-أردان، هبوب العاصفة، فرنسا المنزعجة في قيلولتها.  عقل التاريخ، بمعنى الانتظار المقطر ببطء، لفاجعة، حيث يقترن الشعري بالنباتي والجيولوجي. السحر الروائي في كماله، قد تخمد معه همة المتمرنين المبدعين. نشعر أننا أطفالاً، عندما نغلق ثانية هذا النوع الرائع.

س- بقدر تشاؤم أعمالكم، بقدر ما تبدون مبتهجين، هل يمارس عليكم التشاؤم تأثيراً، مثل مثير للشهوة؟
ج- خفة إذن! لقد حل الوقت الجيد، وكما نقول بالفرنسية ''شباب''. الدعابة أو المرح، أفضل من أدب التشاؤم كما يقول كريس ماركير (Marker)، إنه هدية مقدسة، وعلاج ضد الأمزجة الباردة. هذا، يجعل تقريباً، من فصل الشتاء ربيعاً.

المصدر: مجلة le point  24 شتنبر2015، العدد2246

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا