حسين الموزاني.... مصائر

1:24:00 ص

زماناً عندما كانت تستبد بي الوحدة والعزلة ويتمكّن منّي القنوط والسويداء أهرع إلى قراءة نيتشه أو ريلكه أو كافكا أو هايدغر فأجد فيهم بعضاً من العزاء. والآن عندما تبلغ حالة القنوط واليأس تخوم خراسان فلا أجد عزاءً لي سوى بضعة أمثال عراقية جاد بها الدهر علينا نحن المنفيين الذين لا وطن لنا سوى الفيسبوك والفيسبوكيين والفيسبوكيات. وأتذكر في هذا السيّاق مثلاً فلسفياً وبسيطاً في الوقت نفسه، يقول: "اليقرا هندي واليسمع من أهل الجريبات." وترجمته إلى اللغة الفصحى: مَن يقرأ هنديٌ ومن يستمع له فهو فرد من الجريبات. ويضرب هذا المثل عادة على انعدام روح التفاهم والحوار والإصغاء. ويقال إنّ هندياً جاء إلى العراق قادماً من أطراف بلدة حيدر أباد الهندية. وكان من طبقة المنبوذين الذين يحرّم مسّهم، فحين تكون منبوذاً في الهند فخير لك أن تصبح شيعياً وتغادر سرير المسامير وتذهب عبر طريق الحرير إلى مراقد العترة النبوية في النجف وكربلاء. لكنّ عبد الحسين الحيدرأبادي لم يكتف باعتناق المذهب وحده، إنما أصبح قارئاً للمقتل، أي وقائع مصرع الحسين بن علي وأهله وصحبه في كربلاء. لكّنه لم يكن يعرف من لغة أهل العراق إلا بضعة كلمات وكان فوق ذلك يلحن في الكلام. فقطع القارئ الهندي الوديان والجبال والفيافي والصحارى عبر الباكستان وأفغانستان وإيران، أي ما يسمى بطريق الحرير، ثمّ حلّ أخيراً في بلدة النجف. وقال في سرّه إنّني لن أفارق هذه البقعة من الأرض حتّى بعد موتي. وصار يجوب جنوب العراق بحثاً عن أجر وثواب، حتّى وقع على عشيرة الجريبات وهي أفقر عشائر العراق مالاً وجاهاً. فقبلت به العشيرة قارئاً وإماماً مجانياً. فأخذ يقرأ عليهم مقتل الحسين بلغته الهندية التي تشبه تلك اللغة التي نعرفها عبر أفلام الهند التي كنّا نراها في صالات السينما ببغداد قبل خمسين عاماً، أفلام سنغمام وأم الهند ودوستم وشاشي كابور وشامي كابور وأغاني أجاجا. فكان عبد الحسين الحيدرأبادي يتلو عليهم المقتل ثمّ يصرخ بين مقطع وآخر: "وا هوسيناه، وا أبّاساه، وا إماماه"، فكان ذلك كافياً لجعل أهالي الجريبات يجهشون بالبكاء فيلطمون صدورهم ويطينون وجوههم حزناً وكمداً. ثمّ يصحبهم القارئ الهندي معه إلى كربلاء سيراً على الأقدام وهم حفاة، وبلا مال، وشبه عراة إلا من دشاديش سوداء ماحلة اللون وصهدتها الشمس فاستحال لونها إلى لون السبخ، وهو يردد "وا هوسيناه، وا أبّاساه، وا إماماه" وهم ينهنهون خلفه وقد جفّت دموعهم وأفواههم من الجوع والعطش والنحيب. فيتركتهم الهندي هناك، حيث ينهي مهمته، فيطوفون في دروب كربلاء ودرابينها أياماً طوالاً بحثاً عن ماء وزاد ومأوى، ولسان حالهم يقول "إنّما الأعمال بالنيّات". ولعلّ هناك من يصغي إلى النداء، فيضحك أو أي يبكي أو يلطم معنا على ما آله مصير العراق والعالم العربي برمته، حتّى وإن بخل علينا بلايك أو نظرة قصيرة.


الصورة: موكب الهنود البهرة الشيعة في كربلاء.

عن الفايسبوك

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا