موسكو ولعبة الهاوية بقلم جان دبغي

7:48:00 ص

تهيمن حاليا نظرة تحليلية مؤامرتية على مخابراتية حول  الوضع السوري، الدائم التغير والمتجدد. قد يلعب دورا في ذلك عدم وضوح في استراتيجية روسيا. كما يعزز ذلك  المركزية المطلقة للقرار في يد بوتين صاحب القرار النهائي، كما هو واضح لغالبية متابعي الوضعي الروسي. يقول التحليل المهيمن ان هناك اكثر من تقاطع بين مصالح اسرائيل وروسيا في سوريا، بل قد يوجد نوع من التحالف غير المعلن تجاه ما يجب ان يستقر عليه الوضع السوري . مثل هذه النظرة هي المعتمدة اليوم لتفسير كيفية استرشاد موسكو الى مقر اجتماع قيادات "جيش الاسلام " بحضور زعيم التنظيم، زهران علوش، الرجل الاكثر جدلا بين جميع اطراف المعارضة السورية، وهو الذي يمسك بقوته التنظيمية والعسكرية ريف دمشق، والغوطة بالتحديد، والمحسوب، من دون اي تفصيل، على المملكة العربية السعودية .

يقول التحليل ان موسكو استدلت الى اجتماع قادة "جيش الاسلام " عبر المخابرات الاسرائيلية، في اطار تبادل مصلحي، القنطار مقابل علوش! خارج السياق الزمني للحادثتين، ليس هناك اي دليل على صحة هذه المعادلة، التي لاشك، كما تجري العادة، انها تفي بالحاجة  لتفسير ما حصل. القنطار مقابل علوش؟ معادلة لا معنى لها اذا اخذنا في الاعتبار حجم الشخصيتين على الساحة السياسية والعسكرية، هذا اولا ، وثانيا، علوش بموقعه السياسي والعسكري وبقدراته في موقع جغرافي استراتيجي له اهمية خارج سياق العلاقة الاسرائيلية الروسية . علوش قائد لقوى عسكرية لها ثقلها  في موازين القوى بين المعارضة السورية والنظام . تزداد اهميته حاليا في اجواء المفاوضات لايجاد حل سياسي للازمة السورية، وتتعزز كونه محسوب على السعودية .

لا شك ان اغتيال علوش من قبل موسكو مبني على معلومات دقيقة ، نتيجة اختراقات امنية، كانت متوقعة منه بسبب كثرة العداءات. هذه الشخصية جمعت الكثير من التناقضات التي غالبا ما انهكت المعارضة واقطابها . شخصية معروفة في محيطها المباشر في مدينة دوما ، ابن للشيخ عبدالله علوش، احد اوجه السلفية في الغوطة الشرقية . هكذا ترعع زهران في بيت متدين سلفي ، وهكذا ورث عن ابيه موقعه بعد دراسة الشريعة في دمشق والمملكة العربية السعودية . نشاطه الدعوي السياسي ادى به الى سجن صيدنايا المشهور وتم اطلاق سراحه في بدايات الانتفاضة السورية . من الارجح ان تاريخه وسجنه وسراحه المفاجىء من السجن نسجوا في مخيلة الكثيرين روايات حول تقاطعه، كباقي الشخصيات الراديكالية الاسلامية ، مع النظام. روايات تناقلتها قيادات المعارضة في الداخل والخارج ، لا سيما من قبل  قدامى الحزب الشيوعي واصحاب التوجه الناصري والقومي ، فقط لتبرير مقولة ان الاسلاميين الرادكاليين هم من انتاج النظام بالمعنى المخابراتي .
اذا كان علوش موضع جدل فإنه فرض نفسه زعيما، الاقوى، في الغوطة الشرقية ، منطقة استقطاب حزبي قبل عام ٢٠١١ ، وبعده ، حيث قاد بقدرة تكتيكية عالية، اهم فصيل عسكري في المنطقة وخارجها ، والاكثر تنظيما وعتادا ومالا . لقد بات لوزنه العسكري  ثقلا سياسيا يؤخذ في الاعتبار ، يتزامن مع الاقتناع العام بأن اية تسوية  سياسية  لا يمكن ان تمر من دون المحاربين وتنظيماتهم. ضعف وزن المعارضة السياسية في الخارج والداخل عزز من مكانة علوش، المدعوم بقوة من السعودية التي امسكت بملف المعارضة السورية منذ بداية الاحتلال الروسي لسوريا .
في هذاالسياق، يأخذ اغتيال علوش معناه، انها ضربة من قبل بوتين  لتصاعد الدور السعودي في سوريا وتقاطعه مع الدور التركي، بل تجاه التنسيق بين الرياض وانقرة منذ نيسان الماضي ، كما دلت على ذلك الزيارة المفاجئة لعلوش الى اسطنبول للقاء مع قيادة فصائل اخرى، منها ما هو محسوب على الاخوان وممول من قطر ومدعوم تدريبا وسلاحا من الحكومة التركية . بعدها ذهب علوش الى الرياض وانتقل عبر الاردن الى الغوطة ، وقيل حينها اننا امام مرحلة جديدة للتحضير ،" اذا لزم الامر "، الى خوض معركة دمشق .
هكذا فهمت موسكو تصريحات وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، الذي صرح اكثر من مرة موجها كلامه مباشرة الى الروس، " اما ان يخرج الاسد من السلطة سلميا او بقوة السلاح " . ان انعقاد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية ( من الداخل والخارج مع حضور مميز للفصائل  المسلحة وشخصيات تمثل فئات مهنية واجتماعية ) وتشكيل الوفد المفاوض، اغضب بوتين الذي لم يتمكن من فرض معارضته ولم يستطيع تأخير المؤتمر لحين انتهاء الاردن من وضع لائحة باسم المنظمات المحسوبة على الارهاب . بل ان وزارة الدفاع الروسية استبقت المؤتمر بالقول ان الاردن سلم موسكو لائحة ب ١٦٠ منظمة وفصيل ارهابي ! محاولة لا يمكن الا ادراجها في اطار التشكيك في مؤتمر الرياض وبشرعيته .
الى اين ستصل المواجهة السعودية التركية من جهة والروسية الايرانية من جهة اخرى ؟ ان اغتيال علوش هو تحدي للسعودية واستفزاز في الوقت ذاته  لتركيا بعد اسقاط السوخوي . لكن قد يكون هذا الاغتيال ،  في سياق التفاهمات التي حصلت لاخراج النصرة وداعش من احياء ومناطق متاخمة لدمشق ، جزء من مخطط لاستدراج معركة دمشق وفرض تسوية طالما تمنتها موسكو من فترة طويلة . الكرملين ليس في وارد حل سياسي على قاعدة  "جنيف ١". هذا ما فهمته باريس التي فرض عليها قبول القرار الاخير في مجلس الامن، الذي اعتبرته هدية من واشنطن لموسكو من دون اي مبرر غير رغبة اوباما في تسريع الحل السياسي كما حصل تجاه الملف النووي مع ايران .
لقد دخل الملف السوري مرحلة خطرة ، برغبة من موسكو وتخطيط، لفرض حل تحت ضغط السلاح ، خارج اطار جنيف ١، انها لعبة دقيقة تعتمد على مدى صلابة العلاقات التركية السعودية، ومدى قدرتهما على فرض وقائع على الارض لحمل واشنطن على التحرك في الاتجاه الصحيح .

*باحث سياسي
 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا