الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة


محمد حجيري

نعيد نشر هذا المقال بمناسبة اصدار الأعمال الكاملة لرياض الصالح الحسين عن منشورات المتوسط.

يُوصَف رياض الصالح الحسين بأنه "المنسي من ذاكرة الشعر والتاريخ"، والشاعر الأكثر جنونًا ودهشة وإنسانية
في الآونة الأخيرة، عادت الكتابة عن الشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين إلى الواجهة الثقافية والفايسبوكية، لكن ليس عبر التطرق إلى شعره الذي ما زال موضع اهتمام من الشعراء وكان له تأثيره الكبير في مجايلي الشاعر، ولا حتى عبر الكلام عن كتبه الضائعة في غياهب الدور الهامشية ودهاليز الإنترنت. جاءت العودة من بوابة أن الكتّاب أو الشعراء يكتبون عن الشاعر الراحل لأجل الكتابة عن أنفسهم ولمجرد مدح "أدوارهم" الغابرة...

أول المدائح اللافتة كتبه الشاعر العراقي أسعد الجبوري، صاحب موقع "الإمبراطور"، في "فايسبوك": "الذين يكيلون المديح لتجربتين سوريتين: الأولى في الشعر والثانية في القصة (يقصد جميل حتمل)، يجب أن يعرفوا بأنهم يكيلون المدائح لطرف ثالث". والطرف الثالث الذي هو الجبوري نفسه، الذي يضع مساعدته رياض الصالح الحسين في نشر القصائد في إطار الاعترافات كأنها من أدبيات "كشف المستور" أو القضايا الذاتية الخاصة. للمرة الأولى أعترف بأنني أول من نشر قصائد الشاعر رياض الصالح الحسين في جريدة "المسيرة"، ليمتد بعد ذلك تدخلي في مراجعة وإعادة بعض نصوص مخطوطه الأول "خراب الدورة الدموية (1979)". ويصل مديح الذات إلى ذروته: "من يراجع مقالًا كتبه رياض الصالح الحسين في مجلة "الشبيبة" السورية عن تجربتي الشعرية وتأثره بها، سيدرك هذه الحقيقة".
كتابات الجبوري عن "اكتشاف" رياض الصالح الحسين، سيأتي بمثلها شبيهه الشاعر العراقي هاشم شفيق ليحكي عن مرض الشاعر نفسه، فهو يبدأ بمقاله المنشور في "القدس العربي": "كثيرون هم الذين تناولوا حياة الشاعر الراحل رياض الصالح الحسين بالتقريظ وكيل المحاسن لسيرته، وهذا شيء جميل أن يبادر به الأصدقاء، وبخاصة لشاعر بحجم رياض"... ويقفز شفيق فوق الشعر إلى مكان آخر: "لكن اللافت في تلك الكتابات التمجيدية أنها كانت تعكس رؤية ناقصة ومعرفة غير دقيقة ودراية لم تكن ملمة بحياة وتفاصيل الشاعر وسويعاته الأخيرة، كيف مضى في مرضه؟ وكيف عاش أيامه الأخيرة في المستشفى؟".
يقدم الجبوري الاعترافات إذ يقول: "الحقيقة التي أعرفها عن كثب". يذكّر الآخرين بأنه "المكتشف" (مكتشف الشاعر) والمؤثر فيه، فيما يذكّر شفيق أصحاب الشاعر، وهم كثر، بأنهم تخلوا عنه في لحظة مرضه، "في تلك الأيام العصيبة من معاناة الشاعر المأساوية وهو يواجه مصيره الحزين، انفضَّ الجميع عن الشاعر، وخصوصًا الأصحاب، وهم كثر ممن كان يلتقيهم يوميًا" في المقاهي. "تهرّب الكل تقريبًا لحظة سقوطه بمرض الفشل الكلوي، حتى أهله"، و"المرأة التي كان يحبها لم تأت لرؤيته". ويصل شفيق إلى ذاته: "رياض دخل المستشفى وحيدًا، من دون عون من أحد، ما خلا صديقه الشاعر البصري مهدي محمد علي وكاتب هذه السطور". "ظللنا الشاعر مهدي محمد علي وأنا قربه بالتناوب كخفراء".
لا أدري إن كان ثمة رابط بين تعليق الجبوري الفايسبوكي وبين مقال هاشم شفيق الصحافي، أو أنها الصدفة جمعتهما في الحديث عن رياض الصالح الحسين. لكن بين "اعتراف" الأول بدوره، والثاني بإنسانيته، شيئاً من الكلام غير المفيد، أو غير المبرر، أو السلبي. ولا يبدو الحسين فيه سوى منصة للهجوم على الآخرين.
لا ينبغي أن يكون نشر أسعد الجبوري شعرًا أو مقالات لرياض الصالح حسين في خانة الاعترافات، فهذا أمر من البديهيات. ولا يبدو أن هاشم شفيق يكتب عن مرض الشاعر إلا ليذمّ الآخرين ويمدح نفسه. وليست المرة الأولى التي تتحوَّل سيرة هذا الشاعر الذي توفي في مقتبل العمر إلى مادة لإظهار "أنا" بعض الشعراء، فكثيرون يتحدَّثون كأنَّ لهم فضلًا عليه، سواء في نمط كتابته الشعرية أو في حياته الصعبة. وثمة من وظَّف شخصيته في الرواية.
اكتشاف شخص يحب الشعر لا يصنع موهبته، ولا يجعله شاعرًا متفردًا. الاكتشاف ليس أكثر من محطة عابرة في مسافة الألف ميل، ورياض الصالح الحسين كانت حياته كلها مأساة. منعه الصمم والبكم من إكمال دراسته، فدأب على تثقيف نفسه بنفسه. اضطر إلى ممارسة العمل مبكرًا، كعامل وموظف وصحافي، وعانى البطالة. راح يكتب القصائد والموضوعات الصحافية منذ العام 1976... كتب في الشعر، القصة القصيرة، قصص الأطفال، المقالة الصحافية، والنقد الأدبي. 
يوصف رياض الصالح الحسين بأنه "المنسي من ذاكرة الشعر والتاريخ"، والشاعر الأكثر جنونًا ودهشة وإنسانية... في حين أنه أحد أهم شعراء قصيدة النثر في العالم العربي عمومًا، وسوريا خصوصًا. والمقارنة بين أعماله وبين أعمال من جايلوه تظهره الأكثر تألقًا. حتى الكتابات الكثيرة عنه، السابقة والراهنة، لم تعطه حقه، مُركِّزةً على أنه كان من الصمم والبكم. كان ينبغي على العارفين بسيرته تدوين كتاب عنه، فهم لطالما وصفوه بـ"الأسطورة"، فيما بقي مدحهم له في إطاره الصحافي ولم يدخل في كتاب يعيد الاعتبار إليه.

- See more at:
http://www.almodon.com/culture/2015/1/22/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a3%d9%88%d9%87%d8%a7%d9%85-%d8%b5%d9%86%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%a7%d9%84%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86#sthash.pYHmlPo0.dpuf

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top