"سهرة مع الفيلم المذبوح" قصة لأحمد زعزع

3:10:00 ص


كان بيتنا من البيوت القليلة التي حوت جهاز تلفزيون بالأبيض والأسود خلال الستّينات في حيّ سهل الصبّاغ الصيداوي، العابق بزهر اللّيمون الفوّاح ونسيم البساتين الخضراء، قبل أن يستبيحه توسّع الباطون العشوائي بكامل قبحه وجلافته.
كنّا نتجمّع بعيون مليئة بالدهشة أمام ذلك الصندوق السّحري بأنتينه المزدوج الذي يشبه أسياخ اللحم المشوي والتي يصعب تثبيتها وتحديد الزاوية الملائمة لإلتقاط الصورة الأقل تشوّشا وإهتزازا. كان عقاب الولد الشّقي بيننا هو الوقوف مصلوبا أمام الجهاز والإمساك بسيخي الأنتين الزّئبقي، في وضعيّة ثابتة، إلى أن ينتهي عرض ترفيهي ما أو نشرة أخبار هامة.
رأت أمي، رحمها الله، في تلفزيوننا آنذاك نعمة ونقمة في آن واحد: فمع سرورها بمتابعة السهرات التلفزيونية الليلية، لم تكن تنشرح كثيرا لتقاطر جاراتها كل ليلة تقريبا، ممن خلت بيوتهن من جهاز مماثل، إلى بيتنا للسهر الطويل أمام "تلفزيون أم أحمد" كما سمّته سيدات الحي. كانت خطّتهن محكمة وناجحة ولا تخطئ التوقيت. بعد مغيب الشمس تأتي إحدى الجارات لتسأل وتطمئن عن صحّة العائلة، لتلحقها بعد قليل جارات أخريات "صدف" أن سألن عن الجارة الأولى في بيتها ولم يجدنها فاستنتجن أنها "لا بدّ وأن تكون عند أم أحمد". وهكذا، تدعو بضعة نساء أنفسهن كل ليلة إلى سهرة تلفزيونية حافلة ببثّهن المتواصل وببثّ الصندوق العجيب بأنتينه اللعين عند أم أحمد التي لا تملك سوى الكزّ على أسنانها وترديد عبارات المجاملة الفارغة.
كانت الحاجّة أم خليل واحدة من تلك الجارات التي تأتي بلا دعوة ولا إحم ولا دستور ولا من يحزنون، في  زيارات طويلة لا تنتهي إلا مع إنتهاء البث التلفزيوني وسماع النشيد الوطني وتساقطنا جميعا من حولها إعياءً وتعبا ونعاسا.  كانت الحاجّة أم خليل هي الأكبر سنّا والأثقل حركة بين الجارات، لكنها كانت أيضا الأظرف والأخفّ ظلاّ بينهن. كيف ننسى تعليقها الأوحد على مباريات المصارعة الحرة التي أُغرمنا بها جميعا وتعلّقنا بأبطالها - كالأخوين جاك وأندريه سعادة وصاحب الكاريزما برنس كومالي، الذي يقطر وجهه حزنا على أفريقيا المنهوبة -  عندما تتساءل بصوت حزين: " يه، ليه عم يعمل فيه هيك؟ ألله يعين أهله!".
 كان مجيئ أم خليل في بداية السهرة مصدر سعادة قصوى لي ولإخوتي العابثين المشاغبين، إذ بعد ثرثرة المجاملات والأسئلة الممجوجة عن الحال والصحّة وإجترار  قصص النّميمة والحزازات المحلية - حول من تزوّجت ومن طلّقت ومن تَعيث في الحي عهرا وشواذا وتخريبا - كانت الحاجّة تسقط فريسة للنّعاس المفاجئ في بداية الفيلم العربي الذي يستحوذ على إنتباهنا ويخفّف من إصغائنا إلى كلامها. ما هي إلا لحظات قليلة ويستوي رأس الحاجّة هابطا على صدرها وينتظم شخيرها ويعلو بتدرّج محموم ليختلط بشريط صوت الفيلم ويعطّل على الكبار الإستمتاع به ويحرمهم من رفع صوت التلفزيون خوفا من "تنقيز" الضّيفة المستغرقة في نوم عميق وسط ضحكاتنا المكتومة التي لا تنفع معها نظرات الأهل الزاجرة والمستنكرة.
لطالما إمتزجت أمامنا مشاهد رومانسية مصرية يبوح فيها البطل للبطلة بعجزه أو بفقره أو بهيامه أو بمرضه مع شخرة طويلة من شخرات الحاجّة النائمة تُحيل المشهد برمّته إلى مسخرة خالصة. كانت أمي تتمزّق بين رغبتها في متابعة الفيلم المذبوح وبين تقليدنا العابث لشخير أم خليل المتواصل، ولم يكن بإمكانها وقف سيل التهريج المحيط بدراما الفيلم التلفزيوني والمشوّش عليه.
لكن شيئا ما كان يحدث كل ليلة في التوقيت ذاته وكأن المسألة مخطّطة بإحكام إلهي: قبل إنتهاء الفيلم بقليل، كانت الحاجّة تستيقظ فجأة بذعر شديد وهي تسعل وتحشرج وتخبط بيدها على صدرها وتردد العبارة نفسها: "يه يه، غفيت، لا تواخذوني، شو صار بالفيلم؟"
وهنا، كان على أمي أن تتطوّع لتروي للحاجّة قصة الفيلم من البداية إلى النهاية, ولتشرح لها بصبر وعناية لماذا تبكي البطلة أو لماذا هي منشرحة في حفل زفافها أو لماذا يموت البطل متأثّرا بجراحه أو بمرضه أو برصاصة أو بطعنة. كان الأمر تمرينا على السرد والتلخيص وإعادة التركيب تتبرّع به أمي دون كلل أو ملل إذ كانت تعتبره من واجبات الضيافة.
نام اللبنانيون وشخروا كثيرا وطويلا على مسلسلات وأفلام كانت زاخرة بوعود العسل واللبن والرفاه والنعيم، ليهبّوا سائلين، بعد خراب البصرة، وبعد أن إجتاحت الزّبالة بيوتهم وشوارعهم وبعد أن عشّش الشّحن المذهبي في عقولهم وأرواحهم، متى حدث كل هذا وكيف ولماذا؟ من يروي لهم الحكاية ومن يفسّر لهم كيف وصلنا إلى هنا وبأي ثمن؟ من يراعي أصول المواطنة، في هذا البلد المذبوح، لغير اللصوص والناهبين والسارقين والأوغاد الوقحين، أصحاب السّماجة والغلاظة والتّفاهة، من كل ملّة وطائفة؟
   

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا