الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة

من علامات الشاعر اللبناني الراحل سعيد عقل، أنه كان اسماً كبيراً، نجماً في الشعر الكلاسيكي والرمزي والغنائي، لكنه أطلق جائزة، يمكن وصفها بأنها "صغيرة" ولا تمت الى فحولته بصلة... كانت لصاحب "قدموس" كاريزما في مظهره وسلوكه وأدائه و"نظرياته" الفينيقية واللغوية، وحركة يديه وطريقة سرده التاريخ اللبناني والفلسفي وحتى تعلقه بالأرقام.. لكنه في جائزته كان أقرب الى الركاكة الثقافية أو الفولكلور الاحتفالي الضيق.
لم يجعل سعيد عقل من الجائزة التي حملت اسمه، ظاهرة، أو نقطة ارتكاز ثقافي. أبقاها بلا جوهر، ولم تكن من الأمور التي ينتظرها أهل الثقافة والاعلام، ولم تشكل نقطة للتنافس من أجل ربحها، وكانت تتبع مزاجية سعيد عقل في النظرة إلى الأمور... لم يكن اسم سعيد عقل كافياً لتحظى الجائزة بوقع أو صدى أو صدمة أو قيمة. كان الشاعر يعطيها في أيامه لمن يكتب "الكلمة الملكة" في جريدة أو مجلة او كتاب أو قصيدة، مع مليون ليرة. لم يكن هذا المبلغ مشجعاً، ولا أحد يعرف ما هو معيار "الكلمة الملكة" تحديداً، ومن يحددها؟ وأي سياق لها؟ هي فكرة مبهمة لشاعر يعشق كل ما يمت الى فينيقيا بصلة... وحتى في الأجناس الأدبية والفكرية لم يحدد الشاعر الوجهة التي يريد، فهو مرة يعطيها لشاعر ومرة لاقتصادي وأخرى لصحافي وربما لصديق له، وثمة أسماء رفضت الجائزة في الكواليس... ويعرف الكثيرون أن سعيد عقل يختار أسماء عشوائية تناسب مزاجه الخاص، أعطاها لأسماء تستحق جائزة، وأعطاها لأشخاص أقل من عاديين، وبالكاد يكتبون...
لم تكن فكرة الجائزة موفقة من الأساس، لم تترك أثراً في أي شيء، ولم يكن فحواها سوى ذكر اسم الشاعر مع هذا وذاك. لم تُفد في قراءة الأدب والشعر، ولم تفد في شهرة مرجوة، ولم ينتظرها أحد سوى أنصار الشاعر. كانت مجرد خبر في جريدة، مصدره نقابة الصحافة اللبنانية.
ولا تشبه جائزة سعيد عقل إلا تقديمه لبعض الشعراء المغمورين الذين كانوا يطلبون من الشاعر الكبير أن يكتب لهم مقدمات لكتبهم الصغيرة، ظناً منهم أن تقديمه سيرفع من مقامهم أو مستواهم اللغوي أو حضورهم العام...
إعادة احياء الجائزة بعد رحيل الشاعر(*) أمر ايجابي، لكنه كان يمكن أن يأتي في سياق مختلف وقاعدة جديدة وفاعلة، والحال أنه بدا مجرد استئناف للماضي بغض النظر عن أسماء الذين فازوا بالجائزة في دورتها الأولى. تعددت نطاقات الجائزة والنتيجة واحدة. لم يؤسس حراس تراث سعيد عقل أي جديدة من بعده، وربما علينا أن ننتظر أكثر، لنرى طريقة إدارة الجائزة في المواسم المقبلة قبل أن نحكم عليها..
ليست "جائزة سعيد عقل" سوى واحدة من رهط الجوائز التي تدلف علينا في مواسم مختلفة، ومن عواصم متنوعة. بعضها جوائز معنوية، وهو قليل. وبعضها الآخر فكرته محض مادية، بات ينتظره الكثير من الكتّاب، بل يكتبون من أجله، خصوصاً حين نجد أن الكثير من الروائيين والشعراء مثلاً متحمسون لكتابة "رواية للفتيان" من أجل جائزة الشيخ زايد، وخصوصاً حين نقرأ كواليس جائزة "بوكر للرواية العربية" وجوائز أخرى، وحتى الذين يشتمون ثقافة البترودولار يتهافتون على الجوائز كأنها المنقذ من الرتابة الحياتية والمعشية.
باتت الجوائز الأدبية من أركان المشهد الاجتماعي والثقافي في العالم العربي، وهي مثلها مثل ظاهرة تواقيع الكتب، تحفز على بيع الكتب لكن ربما من دون قراءة. ربما تزيد من تسطيح الثقافة وربما العكس... ثقافة الجوائز غالباً ما تساعد على التفكير جيداً في ما يرضي لجان التحكيم من هنا، ولجان القراءة من هناك، وهذا في حدّ ذاته مشكلة.
 


(*) أعلنت أسماء الفائزين بالجائزة لهذه السنة عن الفئات الست، وهم: الدكتوران جورج وهنرييت طعمة (فئة العلوم)، الدكتور ناصيف نصار (فئة الفكر)، الرسام سمير أبي راشد (فئة الفن)، الدكتور جبور الدويهي (فئة الأدب، النثر)، سلمان زين الدين (فئة الأدب، الشعر)، المؤلف الموسيقي بشارة عبدالله الخوري (فئة الإبداع اللبناني العالمي).
وقيمة كل جائزة 5 آلاف دولار أميركي.
- See more at:
http://www.almodon.com/culture/ab42cd82-8ac0-48dc-8087-85bef9c7a74f#sthash.zxhTQn3b.dpuf

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top