محمد حجيري...حين يصبح القتل مثل شربة ماء

2:49:00 م

منذ أن اشتريت سيارة وصرت أقودها في شوارع بيروت والمناطق، زادت عصبيتي وبتّ أكثر من الشتائم واستعمال الألفاظ النابية في مناطق الازدحام وعند اشارات السير وحتى في أبسط الحالات وفي معظم الأيام....

لست وحدي من يطلق شتائم من العيار الثقيل، فمعظم السائقين (وحتى النساء منهن) يتنافسون في الشتم وقلة التهذيب، وربما تكون اقل الكلمات: "قرّب يا حيوان" و..."اختك"، وفي مرات  كثيرة يستعمل أحدهم الاصبع الوسطى كرد على سائق آخر يطلق العنان لزمور سيارته، وعلامة الاصبع مع ما تعنيه في الشوارع، تجر الى مطاردات ومشاكل لا ينتهي بسهولة ... طوال حياتي كنت أعيش بهدوء الى درجة أن بعضهم يتهمني بتدخين الحشيش بسبب هدوئي وسكينتي في المقاهي وحتى السهرات. لكن قيادة السيارة جعلتني في موضع آخر، كثير الشتم واكثر عصبية وغضباً.

لم أعد أستغرب مقولة ذلك الشاب الأجنبي الذي يأتي مراراً الى لبنان ويتجول كثيراً في سيارات الأجرة، وحين سئل "لماذا لا تستأجر سيارة؟" ضحك قائلاً: "لكي تقود سيارة في شوارع لبنان، عليك أن تكون مجنوناً"... ولم يكن غريباً أن تضع وزارة الداخلية رأس حمار لذلك الذي يقود الناس إلى الموت بسرعته الجنونية... "مركب راس حمار"، هكذا يقول العامة أو هكذا يقول عباس شاهين في سكتشه الكوميدي، مع الاعتذار من الحمير لأنها لا تفعل هذا الفعل، لكن استعمال هذه اللفظة بات مجازياً وشعبوياً.

ربما الذي جعلني انتبه أكثر الى زيادة توتري وشتائمي، كثرة حوادث القتل على أفضلية المرور أو على ركن السيارة في الربوع اللبنانية. ففي أسابيع قليلة حصلت جرائم بسبب السيارات، من أشد الجرائم شناعة وفداحة وهولاً... جريمة قتل المواطن جورج الريف في الجميزة(بيروت)، ستوضع في السجل التاريخي للجرائم الوحشية التي من الصعب نسيانها، حصلت على مرأى من عشرات الاشخاص في وضح النهار، دون أن يتدخل أحد من المارة، وكانت بسبب افضلية المرور قبل أن تتغلغل فيها التداعيات السياسية والهبل الطائفي وعقلية الفدرلة... كان السؤال، كيف يمكن لرجل أن يكون متوحشاً الى هذا الحد، بسبب أفضلية المرور؟ كثيرون قالوا ان فعل ذلك تحت تأثير المخدرات، لكن أنكر ذلك بحسب ما نقلت وسائل الاعلام، وقال إنه تلقى شتيمة من المغدور وفعل فعلته وليس نادمًا...

على طريق المطار أيضا حصلت عملية قتل على خليفة افضلية المرور، إذ لجأ شاب الى ضرب الآخر بساطور وما لبث الثاني ان رد بإطلاق النار عليه وقتله، وبينما كان ينزف الجاني أو الذي أطلق النار، كان الناس يحملون هواتفهم النقالة ويتلذذون بتصوير دمه. هنا أيضاً نطرح سؤالاً على الهامش، بماذا يشعر أولئك الذين يتهافتون الى تصوير رجل يحتضر أو ينزف دمه؟! هل هي بصبصة على الموت، أو الجرح؟!

ليس الشارع وحده مسرح جرائم أفضلية المرور، كأن فيروس العنف انتقل إلى كل مكان، حتى داخل البيت الواحد... قبل أيام قليلة، استيقظنا في الحي الذي أسكن فيه، على خبر يقول إن رجلا في الحي القريب من حينا، قتل ابنه فلذة كبده... أكثر من شخص روى الخبر، لم اهتم في البداية، لم يكن لي مزاج على سماع هذه الأخبار، ولكن أصبت بالهول عندما علمت أنه قتله بسبب خلاف على ركن سيارة... ففي ذلك المساء الأسود تشاجر الشاب(ابن القاتل) الآتي من السفر قبل أسبوع، مع شقيقه المقيم في لبنان، وحين تدخل الآب وبدل ان يفك الشجار بينهما، أطلق النار على الشاب الآتي من السفر وقتله... هل من تفسير لذلك؟

كنا نستغرب من الارقام التي تحصي قتلى حوادث السير في لبنان وهي بين 600 قتيل إلى ألف قتيل في السنة... رقم كبير على بلد مثل لبنان، وأتت جرائم افضلية المرور لتنسينا الأرقام لمصلحة الجرائم أو المشهد الذي لا يحتمل.

السير في لبنان محنة دائمة، هو المكان الأكثر تعبيراً عن فوضى الحياة في لبنان، وفوضى النظام، وفوضى رجال النظام... يقال إن أبرز من يذهب الى المعالجين النفسيين هم فئة كبيرة من السائقين، ليس في الأمر غرابة، فالشارع موطن الحكايات والويلات وفقدان الأعصاب والتوتر والفداحات والتشبيح والتشليح وكل الأشكال والألوان، إلى ذلك لم ينفع قانون السير الجديد في الحد من حوادث القتل وفي تقليص الجنون وتهذيب السير، بدا ان الناس قد انتبهوا في البداية للقانون الجديد، سرعان وما تعاطوا معه كأنه لم يكن، برغم ارتفاع الغرامات على مضبطة المخالفات. فهل نقول ان المجتمع لا يختلف كثيراً عن السلطة؟

- See more at: http://www.almodon.com/culture/4595da79-9c02-444b-bd58-0a8b568be3a6#sthash.XDXqhes7.dpuf

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا