جان دبغي... في المال السياسي

10:49:00 ص
خاص الرومي

في الثمانينات، ابان الحرب العراقية الايرانية، كانت لي رحلات كثيرة الى بغداد، وكنت في الكثير من الرحلات انزل ضيفا في فندق الرشيد، احد اكبر الفنادق البغدادية، حيث ينزل فيه العديد من السياسيين العرب او كبار الصحفيين او اصحاب المطبوعات. عادة كنت افضل فندق الشيراتون حيث لي بعض الاصدقاء من الفرنسيين والصحفيين، وكان في الامكان اختيار مطعم فيه نبيذ فرنسي . لكن في احدا السفرات مكثت في الرشيد . وبينما كنت اتحضر بعد يوم مليء بالتعب للخروج مع اصحاب للعشاء في شارع ابو نواس، عند المطعم اللبناني "المضيف"، وصلني احد موظفي الفندق ليسلمني مغلفا، فشكرته وقلت مازحا وموجها كلامي الى الاصدقاء: جاء الدفع! 

عند عودتي من العشاء، وصلني مغلف اخر في " دعوة ـ آمر " لزيارة الخارجية في الصباح . ما ان اوصلني سائق الخارجية والتحقت بمكتب المدير الذي كان في انتظاري سرد علي كل الملاحظات حول نتائج تعليقي على المغلف الاول. يبدو ان المزحة كانت ثقيلة لان العديد من الشخصيات التي كانت في الفندق منذ فترة انزعجت من الانتظار واعتبرت ان هناك أناس افضل من ناس عندما يتعلق الامر بالدفع. اعتذرت والكل بالطبع كان يعرف انني كنت امزح وليس هناك اي خلفية سياسية، بل جائني لاحقا تهنئة لانني كشفت من حيث لا ادري خلفية بعض الشخصيات.   

على كل، كانت الصدفة لي جيدة، فقد تعرفت الى عدد من الشخصيات، وكان من بينها ضابط لبناني، عرفت لاحقا انه كان في ضيافة العراق، وهو ضابط اتصال بين الجنرال عون والقيادة العراقية . كان المسؤول عن العلاقات المالية والعسكرية. والصدفة بصدفتين، كان في المقابل شخصيات من "القوى الوطنية" للغايات ذاتها . 

علاقات "القوى الوطنية" متعددة ومتشعبة، عدا مال منظمة التحرير وسخاء ابو عمار الذي اسس العديد من الزعامات، كان المال يتدفق على لبنان من كل جهة، والاكثر اثارة مال القذافي. كان القذافي شره سياسيا والزعامات اللبنانية شرهة ماليا: هذا منطق الحرب! ولكن لذة القذافي انه غريب الاطوار والمزاج وكثير التقلب. كان يحل له رؤية الزعامات السياسية امامه بين يديه ليتحسسهم ليشعرهم بحضوره، ليستمعوا له لافكاره الخضراء! معروف عن الزعامات اللبنانية " الناشئة " ليونتها، تفهمها. انها تعرف بالفطرة اهمية الزعامة وقوتها، كانت تدرك جيدا اين تؤكل الاكتاف. كان الزعيم "العربي الكبير " يحب ان ينتظره  زواره لايام، والبعض ااسابيع ، قبل مقابلتهم. مسألة اساسية للتأكيد على من يملك السلطة. فما كان من الزعمات "الوطنية اليسارية القومية " الا الرضوخ عند رغبات الزعيم، والبقاء في الفندق. بفضل البوكر كان الوقف يمضي وكان الشباب يلعبون المدفوعات المستقبلية! اهم لاعب كان احد اهم الصحف اليومية. 


مسألة العلاقة بين المال والعمل الساسي ليست دائما مسألة فساد ومفسدين ومصالح مادية لتغني رجل السياسة على حساب هذه الاخيرة . المال مصدر من اهم مصادر قوة اي رجل او حزب سياسي، مصدر سلطة ولكن في الان ذاته ليست دائما الاداة الانجع في كل المناسبات والظروف هناك مصادر اخرى للقوة والسلطة: ليس كل مالك مال في امكانه ان يصبح زعيم . كل زعيم بحاجة الى المال . 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا