هدى بركات: فطر هيروشيما، قمّة الجمال

9:34:00 ص


هدى بركات | الإثنين 10/08/2015




المدن
 لي مرلين، ملكة جمال القنبلة النووية، كانت شديدة الشبه بريتا هيوارث النجمة ذات الجاذبيّة التي لا تُقاوم، ولهذا ربما تمّ انتخابها عام 1957 في لاس فيغاس. وفي الصورة المنشورة لهذه "البينأب" الأميركية مقوّمات شديدة التأثير على الشعب الأميركي آنذاك، أي بعد إثنتي عشرة سنة من إلقاء "ليتل بوي" على هيروشيما.
فإلى جانب جمال لي مرلين الصارخ وشبهها بنجمة هوليوود الأكثر شهرة والأقوى سطوعا – خاصة في فيلم غيلدا الذي كان عُرض قبل عام واحد من انتخاب ملكة الجمال وأُتيح له أن يأخذ بألباب وخيال الأميركيين رجالا ونساء –إلى جانب سطوة غيلدا إذن، كانت لي مرلين ترتدي مايوه على شكل الفطر النووي العملاق، أو أنّ قماشة بهذا الرسم كانت أُلصقت على مقدّمة المايوه، على ما يبدو في الصورة الشهيرة. أما في الوضعيّة أو "البوز" فقد رفعت ملكة الجمال ذراعيها عاليا على شكل V النصر وارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة جدا، تكشف عن أسنان ملوكيّة، مع إغماضة عينين لها طعم السعادة المتحقّقة بل واللّذة العارمة في لحظة لا لزوم لأن نقارنها بالحال الجنسيّة... كلّ عناصر الصّورة تشير إلى الجمال الباهر بمعنى الكمال، وإلى النصر ممزوجا بالفخر والإنتصار. وهذا ليس تحليلا أو إسقاطا من عندنا، نحن الذين نتأمّل في هذه الصورة بعد كلّ هذه العقود. ففي أسفل المشهد، عند قدمي لي مرلين الملفوفتين بصندل ذهبي يعرّي الأصابع "البضّة"، أرض محروقة، أو هي بقايا حقل مدمّر. أرضيّة لا شيء فيها، لا نبات ولا بنيان ولا حياة، فقط حجارة صغيرة مبعثرة. وفي الخلفيّة بضعة عواميد لأشرطة وأسلاك ما زالت واقفة... تماما ما كانت نقلته الصور الفوتوغرافيّة عن مدينة هيروشيما بعد الإنفجار. أمّا السماء فوق ووراء ملكة جمال القنبلة النووية فهي سماء زرقاء مشرقة، نظيفة، تتخلّلها غيوم بيضاء تعكس في أعاليها أشعّة شمس جديدة ستنير العالم...
صورة ملكة الجمال النووي كانت آنذاك صورة عادية في المنهاج الرسمي الأميركي. رافقها عدد نكتشف الآن فقط كم كان معمّما وعموميّا. ربّما كانت الدعايات التلفزيزيونيّة أكثرها انتشارا. ففي البيت الأميركي أفيشات لكل ما يعمل أو سوف يعمل بالقدرات النووية ليريح الأسرة وخاصة ربّة الأسرة. والأولاد المتفوّقون في المدرسة يحملون إلى غرفهم هدايا هي عبارة عن مختبرات نوويّة صغيرة، بالمواد اللازمة الحقيقيّة ولو بكميّات صغيرة. الطفل السعيد الذي يحبو أمام صورة الفطر يرفع إبهامه علامة الموافقة المتحمسّة لشعار "الفطر الجميل" التي ملأت الملصقات وصدور "التي – شرت" ومواد الإستهلاك اليوميّة. حتّى أن أشهر برامج التوك شو آنذاك دعا ربّ أسرة من الناجين، مع كامل أفراد أسرته الأنيقة والسعيدة، للقاء الطيّار البطل بول تيبيتز الذي ضغط على زر القنبلة من قمرة قيادة الب 29. أطلّ الطيّار من وراء ستار الإستديو على وقع التصفيق الحارّ والطويل. ثمّ مدّ ربّ الأسرة الناجي يده وسلّم عليه، فيما شرق مذيع البرنامج بدموع التأثّر لحظة السلام التاريخيّة تلك.
كلّ ما عرفه الأميركيّون عن هيروشيما وما تلاها هو إنتصار بلادهم على الأعداء. وهو، كما عاشوه وفهموه، انتصار السلام على الحرب. إنتصار الحياة على الموت.
في ذلك أنّ أرقام ضحايا القنبلة على هيروشيما فقط، التي بدأت بخمسين ألف قتيل بحسب الإحصاء الأميركي – ونحن نعلم اليوم أنّها فاقت المئتين وخمسين ألفا – كانت في أساس المنطق الذي يقابل مقتل خمسين ألف عدو ياباني وحشي العنف إنتحاري، بمقتل مليون مواطن أميركي صالح محبّ للحياة. تلك كانت المعادلة التي سُوّقت لإلقاء القنبلة على اليابان: إنهاء الحرب. تحقيق السلام.
وفي ذلك أنّ الكشف عن هدف التفوّق النووي على الشيوعيّة العالميّة بالضربة القاضية، واعتلاء سدّة الهيمنة الكاملة الناجزة على قوى وأسواق البشرية، لم يجر حتّى الآن سوى على ألسن الأميركيين الذين خرجوا من المؤسسة أو عليها، وفي تصريحات ذات طابع شخصي تماما.
اليوم، بعد سبعين سنة، بعد كلّ ما كُتب وقيل، بعد كلّ ما قام به الأميركيّون  أنفسهم من مراجعات، من مؤرّخين وعسكريين سابقين، وعلماء وباحثين وأطباء إلخ... حول حقيقة نهاية الحرب العالميّة الثانية وحجّة إنهائها بضرب اليابان التي كانت مستسلمة أصلا وعلى ركبتيها إن جاز التعبير، وحول المسؤوليّة الأميركيّة عن المرحلة التي تبعت النصر المبين، من الإختبارات التي أُجريت على الناجين المسرطنين بالحرائق- لا علاجهم ولا استعادتهم إلى النسيج الإجتماعي أو التعويض عليهم – إلى مراجعة رسميّة للحدّ الأدنى من تبعات الحقائق التي كشفت عنها المحفوظات الأميركية بعد عقود السريّة المفروضة... كلّ هذا وكثير غيره لم يرجّح كفّة المستيقظين من الشعب الأميركي، والذي ما زالت نسبة كبيرة منه تقول اليوم إن القنبلة النووية – القنابل – التي أُلقيت على اليابان كانت ضرورة لإحقاق السلام...
كان ذلك مشروع أميركا لقيام "العالم الجديد"، وسوف يليه بعد عقود مشروع "الشرق الأوسط الجديد". الأوّل كان بقيادة هاري ترومان، والثاني حمله على كتفيه رجل إسمه جورج بوش... أمّا احتمال قيام مشروع "كون جديد" فالمجرّة بانتظار دونالد ترامب...
شارك المقال : 61Google +00

- See more at: http://www.almodon.com/culture/4ca0ae2b-7dea-443e-a795-3608b07d8ebb#sthash.3bCAcpoz.dpuf

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا