محمود الحجيري: العيش المشترك .... كذبة لبنانية

11:04:00 ص
الكاتب في طفولته

توفي والدي وكنت طفلاً فاكتسبت لقب اليتيم بجدارة، فسعى اخوتي الى ادخالي الى دار الايتام الاسلامية على مدى سنتين، وتوسطوا مع اكثر من شخص ودقوا اكثر من باب حتى دخلت الميتم، وفي بداية العام الدراسي 1974 – 1975... وفي اليوم المقرر للتحاقي بالمدرسة اشتروا لي ثيابا جديدة وقصوا شعري، وفي صباح اليوم التالي استيقظت باكرا وذرفت الكثير من الدموع عندما شعرت بلحظة انسلاخي عن اهلي، امي تحديدا. لكن ذلك لم يشفع لي، رافقني احدهم الى ساحة القرية لحظة انطلاقة البوسطة الى ساحة البرج في بيروت، وظهر ذلك النهار، كنت اجتاز بوابة دار الايتام الاسلامية برفقة احد اشقائي ليوصلني إلى هذه المؤسسة، وبذلك اجتزت مرحلة جديدة في حياتي، وقد "استلمتني" المشرفة وسجلت رقمي 85...


اصبحت أحد افراد هذه الاسرة الكبيرة، وفي البداية جلست منفردا والتزمت الصمت والمراقبة عن كسب، وكنت ايضا محط انظار معظم الاطفال الذين يأتون افرادا وجماعات يتأملونني بتمعن ويغادرون بدون كلام... وفي الليلة الثانية، وبعد العشاء وصعودنا الى مسكننا، دعتنا المشرفتين الى الصالون واقامتا حفل تعارف وطُلب مني التعريف عن نفسي... بعد هذا اللقاء شعرت بذوبان الجليد بيني وبين زملائي او اخوتي في القسم، فبدأت اسمع اسمي بعض الاحاديث وانادي البعض باسمائهم... وفي اليوم الثالث واثناء القيلولة المفروضة ضمن البرنامج اليومي، اتت مجموعة من الزملاء من غرفة اخرى واخذوا مواقع على جانبي سريري، وبدأت اسئلتهم تتقاطر على مسامعي مثل حبات البرد، ومن ضمن الاسئلة التي حفرت في ذاكرتي واحرجتني لأني لم اعرف الاجابة على سؤال زملائي الاطفال:


- انت سني او شيعي؟


فكرت طويلا وقلت:


- انا شيوعي...


 ولم اكن أفهم معنى هذه الكلمات، لكن شيوعي كنت قد سمعتها اكثر من مرة، تتردد على ألسنة أخوتي، وعندما دخلت الى المدرسة الموجودة داخل المؤسسة، وجهت لي معلمة الصف عن مذهبي فكان جوابي مختصرا لا أعرف، فقالت: 


- ارجح ان تكون سنيا...


ومع الأيام، تأكدت أني سني او من بلدة سنية، ومرت الأيام والاشهر بسلاسة روتينية حتى بداية الربيع، استبدلوا الاستاذ برجل دين وكان شرس الطباع سليط اللسان، يأخذ وقتا طويلا يتحدث عن نفسه وعن قوته الجسدية وعن الرياضة التي يمارسها، وحتى كان عنيفا في دروسه ويفرض علينا طقوسا ويعلمنا الشتائم واللعنات على المسيحي اذ كان يضع السبابتين فوق بعضهما بشكل صليب ويبصق عليهما، ويطلب منا تقليده وترديد كلماته... وعندما ادركت الامور كرهته واعتبرته انسانا شاذا وخارج المألوف، وبعد هذا الحدث بسنوات قليلة سمعت عن لسان احد القادة المسيحيين عن تجربته في المدرسة لا تقل اهمية عما ذكرت، حيث رسب في الامتحان في احدى مدارس الراهبات فطلبه الخوري مهددا متوعدا وقال له "اذا لم تنجح في المرة القادمة سأرسلك الى المدرسة الرسمية لعند  (       pauver mousliman ) تفه تفه"، فتأكدت ان الفتنة والحقد والكراهية مصدرها اصحاب القلنسوات والعمائم، وما استفز ذاكرتي وجعل هذه الومضات القاتلة، تلمع من القعر عندما مررت في طريق حرجي وصادفت مخيما كشفيا باسم الامام (... ) وفي ذات المنطقة وعلى بعد عشرات الامتار مخيما اخر باسم القديس (...)، فتخيلت مادة التثقيف التي يتلقاها الاطفال المشاركين في المخيمين ومقدار الوطنية فيها وبث روح المحبة تجاه الاخرين؟


استذكر هذه الحكايات البسيطة من زمن انتقال المعلومة عبر "البوسطة" وفي المحافظ عبر الطرقات الوعرة، قبل الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، وما تحمله على صفحاتها، من زمن كان اطفال الفقراء يعيشون تحت سقف واحد قبل ان يحقدوا على بعضهم بأوامر من اولياء امر الطائفة، من زمن لم يعرف ابن 11 سنة معنى السنّة والشيعة، وحتى لم يعرف هويته القاتلة قبل ان ان تصبح الطائفية والحقد الاعمى يشرب مع حليب الاطفال...


تعليق على السرد

 في زمن كانت الطفرة الشيوعية واليسارية في اوجها وكان الاميركي وحليفه الغربي يحذر من الخطر الشيوعي و"كفره"، قبل ان يتحول العداء والحرب الى الارهاب الاسلامي ويضيفون الى اللغة مصطلح التكفيري والتخويني...

 من زمن كان الموتى في بلدنا، يلبسون ذات الكفن والصفة قبل ان يحملوا لقب قتلى وشهداء واحيانا "فطائس"(تعبير خاص بالحيوانات) و من زمن كانت مزبلتنا موحدة قبل ان تفوح رائحة الطائفية على رائحة الزبالة، ويعرفون مذهبية الزبالة من خلال الفوط الصحية التي تستعملها كل نساء طائفة، وكان مفهوم الوطنية ظاهريا موحدا وكان العلم اللبناني هو سيد الاجواء وهو من يحتل الزاوية الضيقة خلف "الزعما" قبل ان تضعف شوكته ويتقزم امام اعلام الطوائف والمنسوجة بدماء الشعب المسكين. من زمن كانت كركبة الامعاء الخاوية تجمع العمال والفقراء حول المطالبة بلقمة العيش قبل انقسامهم وجلوسهم على ابواب الزعماء يتسولون الامان، من زمن كان الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية يجمع كل طلاب لبنان وكانت الجامعة مكانا لحوار فكري وعقائدي متعدد التيارات، قبل ان تتحول في وقتنا الحاضر معسكرات ومناطق سيطرة ونفوز الميليشيات المتعددة، من زمن تلفزيون لبنان الوحيد قبل ان تنشئ العديد من محطات التلفزة  مصانع الحقد والضغينة وقد تراكم الحقد في النفوس اكثر مما تراكم من النفايات في شوارعنا...


 هذه الحكايات من زمن كان يسكن في لبنان شعب واحد رغم التمايز والاختلاف قبل ان يتحول الى شعوب وامارات قائمة وغير متحدة وعلى خلاف دائم لها كياناتها وعلاقاتها وثقافتها الخاصة، والامور متجهة صوب الاسوأ بفضل جهود امراء الطوائف الدين، عن اي عيش واي مشترك تتحدثون ايها الحاقدون؟ واين يكون هذا العيش على الشواطئ التي ابتلعتم رمولها وصارت منتجعات ارضاء لغرائزكم؟ او في ظلال الارز الخالد الذي تحول الى مكب زبالة؟ او في قمم الجبال التي نهشتموها بمخالبكم وانيابكم؟


اما ان زمن سقوط هذا النظام بعد وصوله الى خريف متأخر واصفرار اوراقه ويباس اغصانه واحتراقه في اكوام فساده ونفاياته؟

اما ان الاوان لهؤلاء السكان ان يتحولوا الى شعب واحد تجمعه أواصر المحبة والتطلع إلى المستقبل والحياة الكريمة بعيدا عن اكذوبة العيش المشترك؟
الم يحن وقت طلب هذا الشعب من رجال الدين بالتزام معابدهم والتفرغ للعلاقة مع الخالق وترك الشان العام لاصحاب الشان؟

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا