إليف شافاق‮:‬ ‮‬لا أملك ترف الابتعاد عن السياسة

7:36:00 ص


ترجمة‮: ‬ضى رحمي(أخبار الأدب)


‮     ‬من الممتع قراءة أحدث روايات الكاتبة التركية‮  ‬إليف شافاق‮ "‬الفتى المتيم والمعلم‮"‬،‮ ‬فهي رسالة حب لمدينة إسطنبول وماضيها العثماني،‮ ‬أو ربما نوع من الاعتذار للمدينة التي‮ ‬غادرتها قبل أربع سنوات،‮ ‬عندما انتقلت إلى لندن مع طفليها‮. ‬والرواية،‮ ‬التي كتبتها شافاق بالإنكليزية قبل أن تترجم إلي التركية،‮ ‬تتناول الفترة التاريخية الممتدة بين عاميّ‮ ‬1546‮  ‬وعام‮ ‬1632،‮ ‬وتحكي قصة معماري السلطان ميمار سنان،‮ ‬من خلال عيون الصبي المتدرب وحارس الفيل،‮ ‬جنان،‮ ‬الذي فرّ‮ ‬من مدينة‮ ‬غوا الهندية وهو لم‮ ‬يتجاوز الثانية عشرة،‮ ‬هربًا من زوج أمه الشرير‮.‬

‮     ‬تستدعي الرواية مجد ووحشية السلطنة العثمانية في أوج مجدها،‮ ‬تحت حكم السلطان سليمان القانوني وخلفائه‮. ‬لكن،‮ ‬اعتبارها مجرد عمل بسيط تحاول به شافاق الاحتفاء بالمدينة التي عاشت فيها معظم سنوات عمرها،‮ ‬سوف‮ ‬يُعد خطأ فادح‮.‬

تقول شافاق‮: "‬موضوع الرواية دقيق وحرج للغاية،‮ ‬فالسرد التاريخي في تركيا‮ ‬غير معنٍ‮ ‬بحكايات البشر،‮ ‬وحتى الأفراد القليلون الذين ذُكروا كانوا جميعهم من السلاطين‮. ‬لكن،‮ ‬كيف إذن كانت حياة من‮ ‬يسمون بالنساء والرجال العاديين خلال تلك القرون حين كانت تمر تركيا بهذه التغيرات؟ أنا مهتمة بالأقليات الجنسية والعرقية،‮ ‬كما أني مهتمة بالمسكوت عنه‮. ‬كذلك لم تُذكر الحيوانات،‮ ‬ونادرًا ما جاء ذكر النساء‮. ‬لدي دائمًا رغبة في استعادة القصص والمواضيع المنسية أو التي دُفع بها عن عمد إلى الظل".


تشير شافاق في الرواية إلى مقدمات الكثير من الفظائع،‮ ‬وتوضح الصلة الوثيقة بين ازدهار الهندسة المعمارية والفتوحات العثمانية حيث بُنيت أكثر المساجد فخامة بأموال البلاد المنهوبة‮. ‬هذا إلى جانب قصة جنان وسنان والفيل شوتا والمتدرب‮ ‬يوسف،‮ ‬وهو في الأصل فتاة متنكرة في ملابس الرجال،‮ ‬كما تصنع الرواية من الغجري بلابان بطلا‮. ‬وتسلط الضوء على عادة قتل الأشقاء،‮ ‬فالسلاطين في سبيل اعتلائهم العرش كانوا‮ ‬يتخلصون من أشقائهم خنقًا‮. ‬لاقت الرواية ترحيبًا كبيرًا في بريطانيا،‮ ‬ووصفها أحد القراء بأنها أفضل أعمال شافاق حتى الآن،‮ ‬بينما استقبلها القراء في تركيا بفتور‮.‬

ولدت شافاق في ستراسبورج عام‮ ‬1971‭.‬‮ ‬حين وقعت والدتها في الحب،‮ ‬تركت الجامعة من أجل الزواج وكان والدها‮ ‬يدرس للحصول علي درجة الدكتوراة في الفلسفة في فرنسا‮. ‬ثم سرعان ما فشلت العلاقة بينهما،‮ ‬وعادت الأم بالطفلة إلى أنقرة وبرغبة في الزواج مرة أخرى،‮ ‬وبسرعة،‮ ‬من رجل‮ ‬يكبرها في السن بكثير‮.‬

‮"‬تلك هي التقاليد،‮ ‬فهو مجتمع شديد الذكورية،‮ ‬فالزواج السابق‮ ‬يهوي بالمرأة من علي قمة سوق الزوجية‮. ‬لقد هبطت أسهمها،‮ ‬وفقدت عذريتها،‮ ‬لكن‮ ‬يجب أن تتزوج حتي لا تشكل تهديدًا للأخريات‮". ‬لكن جدة شافاق من الأم تصر علي أن تكمل ابنتها تعليمها الجامعي قبل أن ترتبط برجل آخر‮. ‬وهكذا تصبح والدتها ديبلوماسية،‮ ‬وتقضي شافاق طفولتها وحيدة،‮ ‬أولا مع جدتها،‮ ‬ثم حيثما تعمل والدتها في مدريد‮ (‬حيث أصبحت الإسبانية لغتها الثانية‮) ‬أو في الأردن أو ألمانيا‮.‬
تقول شافاق‮: "‬دائمًا،‮ ‬كان هناك جزء مني‮ ‬يشعر وكأنه الآخر،‮ ‬الغريب،‮ ‬المُشاهد‮." "‬لي من والدي شقيقان أنجبهما من زوجته الثانية،‮ ‬لكنني لم ألتق بهما حتي اواخر العشرينيات من عمري‮. ‬كنت دائمًا علي الهامش‮. ‬وفي مدريد،‮ ‬كنت التلميذة التركية الوحيدة في مدرسة دولية تحوي مختلف الجنسيات،‮ ‬وهذا ما دفعني لبدء التفكير في مسألة الهوية‮. ‬كل ما مر بي في حياتي أثر فيّ‮. ‬لم‮ ‬يكن لي هدف في الحياة،‮ ‬ولا أي معني من معان الديمومة أو الاستمرارية،‮ ‬واعتقد حقًا أن الكتب أنقذتني من الجنون‮." ‬في جامعة الشرق الأوسط التقنية بأنقرة درست شافاق،‮ ‬وقررت التخلي عن اسم والدها حين كان عمرها‮ ‬18‮ ‬عامًا،‮ ‬واصرت أن تحمل اسم والدتها وهو شافاق‮ (‬ومعناه الشفق أو الفجر‮)‬،‮ ‬العلاقات الدولية،‮ ‬كما كانت طالبة في أول دفعة تتناول دراسات المرأة في تركيا،‮ ‬وذلك قبل أن تحصل علي درجة الدكتوراة في الفلسفة‮. ‬لكن،‮ ‬بالرغم من اعتزازها بدراستها متعددة التخصصات،‮ ‬إلا أن أولويتها كانت دائمًا للأدب‮. ‬وكقارئة انتقائية في الفلسفة والدين والقصص بجميع أنواعها،‮ ‬كقارئة‮ "‬شبه مدمنة‮" ‬للروايات الروسية،‮ ‬تناولت أولي رواياتها قصة درويش مهرطق،‮ ‬واستخدمت فيها عن عمد مفردات لغوية‮ ‬غير مألوفة وقليلة الانتشار كشكل من أشكال الاحتجاج علي عملية التتريك ومحو لغات الأقليات منذ عشرينيات القرن العشرين‮. ‬وفي هذا الصدد تقول شافاق‮: "‬أصابت لغة الرواية القراء بالدهشة،‮ ‬لم‮ ‬يتوقعوا هذه المفردات اللغوية من امرأة نسوية‮ ‬يسارية تبلغ‮ ‬من العمر‮ ‬24‮ ‬عامًا‮. ‬لقد استبعدنا مئات الكلمات ذات الاصول العربية،‮ ‬أو الفارسية،‮ ‬رغم أن اللغة التركية وحدها ليست كافية،‮ ‬وأنا ضد هذا الانتقاء اللغوي بشدة‮." ‬
فيما بعد نشرت شافاق المزيد من الروايات،‮ ‬وازداد عدد قرائها،‮ ‬لكن الحياة كشخصة عامة في تركيا كانت خانقة،‮ ‬وهو ما لم تتحمله،‮ ‬فانتقلت إلى بوسطن للعمل في جامعة ماونت هوليوك،‮ ‬وفي عام‮ ‬2004‮ ‬نشرت أولي رواياتها باللغة الإنكليزية،‮ ‬رواية‮ "‬قديس الحماقات الأولي‮". ‬ومن بوسطن رحلت إلي ميشيغان ثم أريزونا حيث عملت كباحثة بدوام كامل‮.‬


لكن الحياة الشخصية والمهنية أعادتها إلى تركيا مرة أخري،‮ ‬حيث التقت بزوجها المستقبلي أيوب‮. ‬وفي تركيا حوكمت بتهمة إهانة القومية التركية بعد نشرها لروايتها الأكثر مبيعًا‮ "‬لقيطة اسطنبول‮" ‬والتي تناولت الإبادة الجماعية للأرمن عام‮ ‬1915‭.‬‮ ‬تقول شافاق في هدوء‮: "‬لقد صُدمت‮". "‬بالطبع،‮ ‬حين تقرر الكتابة عن الأرمن،‮ ‬تعلم أنه بالضرورة سيكون هناك رد فعل،‮ ‬لكن ليس علي هذا النحو‮. ‬ما حدث كان عنيفًا،‮ ‬لقد نظموا مظاهرات احتجاجية أحرقوا فيها صوري وبصقوا عليها‮".

استمر تداول القضية حوالي عام قبل أن تُرفض الاتهامات،‮ ‬تقول‮: "‬كنت محبطة ومنزعجة للغاية،‮ ‬لكنني لا أود أن تبدو الصورة قاتمة،‮ ‬لأنني في نفس الوقت حصلت علي الكثير من الدعم والمساندة‮. ‬لقد اختبرت مشاعر الحب والكراهية على حدٍ‮ ‬سواء،‮ ‬وككاتب في تركيا عليك أن تعتاد ذلك‮. ‬فالشعب التركي شعب عاطفي جدًا،‮ ‬يتنقل بين الحب والكراهية بسهولة،‮ ‬لذلك تتعلم ألا تأخذه علي محمل الجد‮. ‬فالضجة دائمًا مؤقتة‮."‬
انتهت المحاكمة في اليوم التالي لولادة طفلها الأول،‮ ‬وقد تسببت تلك المحاكمة في أزمة جديدة لشافاق تمثلت في اصابتها باكتئاب ما بعد الولادة‮. ‬وفي مذكراتها التي جاءت بعنوان‮ "‬الحليب الأسود‮" ‬أرجعت شافاق سبب تلك الأزمة‮  ‬لصراع‮ ‬غير محسوم داخلها‮ (‬وبالكاد تلمح لحقيقة أنها أثناء حملها كانت معرضة لقضاء حوالي ثلاث سنوات في السجن بسبب القضية‮). ‬لم تخبرنا شافاق بالكثير عن الشكل الذي كان عليه اكتئابها،‮ ‬لكنها تقول‮: "كانت مرحلة مهمة جدًا في حياتي‮. ‬كنت متأكدة في تلك الفترة أن كل ما أحتاجه هو الورقة والقلم،‮ ‬وكان لدي مخيلتي،‮ ‬التي كانت حية ونشطة للغاية‮. ‬وحين فقدت ارتباطي بالكلمات،‮ ‬اضطررت لإعادة التفكير في الكثير من الأمور،‮ ‬كما أعدت تشكيل نفسي‮. ‬لم تكن الأمومة هي التحدي الوحيد الذي واجهته حينها،‮ ‬لقد عشت طيلة حياتي كرحالة،‮ ‬بإمكاني الذهاب حيثما رغبت‮. ‬لقد كنت روحًا حرّة وفكرة أن اضطر للاستقرار في مكان واحد اصابتني بالهلع". ‬

حاليًا،‮ ‬تعيش شافاق وزوجها في مدن مختلفة فهي في لندن،‮ ‬بينما هو باق في اسطنبول‮. ‬لكنهم أسرة مترابطة‮ ‬يجتمعون معا مرتين كل شهر تقريبًا‮. ‬اختارت شافاق لندن لأنها تحب اللغة الإنجليزية،‮ ‬ولأنها أقرب في المسافة لتركيا من الولايات المتحدة،‮ ‬ولأنها واحدة من عدد قليل من المدن ال‮ "‬كوزموبوليتان‮" ‬بحق في العالم‮. ‬تقول شافاق‮: "‬أعلم أنه‮ ‬يبدو سببًا مبتذلًا،‮ ‬لكنني اعتبر تعدد الثقافات كنز‮. ‬أنه ليس أمر معتادًا في كل مكان،‮ ‬حتي في المدن الأوروبية الكبري المفترض أنها متعددة الثقافات لا‮ ‬يوجد تفاعل حقيقي‮. ‬لذلك تتميز لندن في هذا الشأن،‮ ‬إلا أن الأمر ليس سهلًا كما‮ ‬يبدو،‮ ‬فالمجتمع لا‮ ‬يفتح أبوابه لك بسهولة،‮ ‬وقد تستغرق بعض الوقت للعثور علي موطئ لقدميك،‮ ‬لكن الهدف‮ ‬يستحق كل العناء‮."  ‬
إن خبرة شافاق الشخصية،‮ ‬ومزجها بين تراث جدتها القديم وأمها أوروبية الثقافة المتعلمة تعليمًا عاليًا،‮ ‬جعلتها تؤمن بإمكانية وجود قدر أكبر من التضامن بين النساء التركيات والمسلمات،‮ ‬كما أنها من المدافعات عن حقوق المثليين‮. "‬لو أنك كاتب تركي،‮ ‬أو باكستاني،‮ ‬نيجيري،‮ ‬أو مصري فأنت لا تملك ترف ألا تنشغل بالسياسة‮. ‬لا‮ ‬يمكن أن تقول‮ "‬هذه أمور سياسية،‮ ‬لا شأن لي بها‮". ‬فأنا،‮ ‬ككاتبة خرجت من تحت مظلة الحركة النسوية،‮ ‬لا أنظر للسياسية بوصفها أحزابا أو برلمانات فحسب‮. ‬فالسياسة موجودة في المجال الخاص،‮ ‬كما توجد في العلاقات بين الجنسين‮. ‬فأينما وجدت السُلطة،‮ ‬وجدت السياسة‮".‬


   

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا