عن عزلة توماس بيرنهارد وعزلتي(بقلم حسين الموزاني)

5:52:00 ص



فايسبوك
يعتبر الكاتب النمساوي توماس بيرنهارد ١٩٣١-١٩٨٩ Thomas Bernhard من أفضل الكتّاب الألمان ما بعد الحرب العالمية. وقد أصيب منذ الطفولة بالتهاب حاد في الرئتين وأمضى طفولته وصباه في المستشفيات. وبعدما يأس منه الأطباء وضعوه في حوض استحمام يضعون فيه المحتضرين عادةً، لكنّ الحياة دبّت فجأة في جسد الشاب النحيل ذي الثمانية عشر عاماً. وتدور جميع أعمال توماس بيرنهارد، وهي بالعشرات، حول العزلة والموت والانتحار والمرض وعلاقة الإنسان الفرد بالمجتمع. وكان يرفض الاختلاط بالآخرين ويكره جميع الساسة ورجال الدين، ولم يستخدم كاتب ألماني من قبله هذا القدر الهائل من الشتائم للساسة ورجال الدين والمثقفين والفلاسفة والموسيقيين مثلما فعل توماس بيرنهارد. وحظر في وصيته أن تعرض أي مسرحية من مسرحياته في النمسا بعد وفاته، لكن "الحكومة" النمساوية و"المثقفين" النمساوين لم يلتزموا بذلك. المهم في الأمر هو أنّني قرأت قبل بضعة أيّام مقابلةً طويلةً، حوالي نصف كتاب، مع توماس بيرنهارد، أجراها صحفي نمساوي قرأ كلّ شيء عن الكاتب. وزاره في بيته الذي يقع بمنطقة زراعية نائية، والذي اشتراه بعد حصوله على جائزة أدبية و"قرض" من دار نشر "زوركامب". وفي معرض الحديث عن العزلة قال بيرنهارد إنه مضطر للإقامة هنا بسبب وضعه الصحّي، وليس حبّاً بالطبيعة فهو لا يعرف أنواع الأشجار ولا يعرف حتّى طائر القرقف Meise . وأشار إلى أن عزلته قسرية، ومع ذلك فهو لا يشكو منها. ثمّ ذكر بأن الكاتب النمساوي بيتر هاندكه يكتب عن العزلة دائماً، لكنّه عندما يفكّر بابنته، سرعان ما يتخلى عن عزلته ويهرع إلى زيارتها.
فما علاقة ذلك بعزلتي؟ إنّني لا أحسب الأيام والأسابيع التي لا التقي بها بأي عراقيّ أو عربيّ، وحتّى ألمانيّ. لكنني انتبهت مؤخراً إلى أنّني لم أر عراقياً أو عربياً خارج العمل منذ خمسة أسابيع على الأقل. والشيء الجديد في الأمر هو انّني لم ألمس أدنى رغبة في رؤية أيّ شخص من أبناء جلدتي. ولا أعلم سبب ذلك بالضبط. ولعلّه المنفى الذي اتسع وتضّخم أو أن ذاتي نفسها تضخّمت أو أن شعبي تلطّم أو أن بلدي وقد تشرذم وتصّخم، لا أعلم فعلاً. لكنّني اشتريت ما يكفي من النبيذ الأحمر، وسأقطّع به الليل أو ما بقي منه.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا