ذاكرة: بيان مسرح الحكواتي

2:26:00 م
بيان مسرح الحكواتي


تشكــّلت فرقة « مسرح الحكواتي » واجتمعت عناصرها انطلاقاً من حاجة مشتركة الى التعبير ومن وعي مشترك لعدم امكانية تلبية هذه الحاجة عن طريق المسرح السائد. 
فقرّرت الفرقة مواجهة الامكانية الوحيدة المتاحة وهي خوض تجربة العمل الجمعي فى سياق إتصال فعلي وحيوي مع جمهور الفئات الشعبية. وتركزت الممارسة حول مسألتين أساسيتين: 
أ‌- تغيير نوعية العلاقة مع الانتاج المسرحي. 
ب‌- تغيير نوعية العلاقة مع الجمهور. 

هاتان المسألتان بترابطهما الجدلي ضمن سياق واحد تطرحان «مسألة الشكل » بما يعنيه بمصطلح الشكل المسرحي، أي جملة العلاقات المترابطة اصلاً والتي تربط بين الممثل والمسرح (كتابة النص – الاعداد – الاداء) من جهة، وبين المشاهدين والعمل المسرحي (مكان العرض – تنظيم العروض – تحديد الجمهور) من جهة أخرى. اذ الشرط الاساسي الذي يستحيل بدونه إحداث أي تغيير جذري في بنية المسرح السائد، كمسرح غربي وقمعي في جوهره، هو أن تفرض الممارسة قطعاً فعلياً مع الشكل المهيمن.

وعلى هذا الاساس يتميز عملنا التجريبي بالسمات التالية: 
العمل الجمعي:

ولا تعني هذه التسمية، ما قد يتبادر إلى الذهن من تجميع للخبرات والمواهب ومزجها في قالب واحد، أو تقسيم متساوٍ للعمل، أو ما إلى ذلك من تفسيرات مبسطة وتعريفات، بل ثمة شروط لا يكون العمل جمعياً بالمعنى الصحيح اذا لم تتوافر مجتمعة: 
1- اختيار وتقرير العمل بشكل مشترك: وهذا يعني بالتحديد ان الاختيار لا يخضع لاية اعتبارات سوى تلك المتأتية عن حصيلة النقاشات التي تبغي التوصل إلى وعي مشترك لمتطلبات الظرف والوضع.
2- استخدام كل الامكانات المتوفرة من قبل الجميع: أي أن توظيف الطاقات والخبرات في اطار العمل، وكذلك استخدام الانتاج الفردي (الكتابة، الاخراج...) واستعمال أدوات العمل، تصبح ملكاً للجميع وفي متناول الجميع. 
3- تبقى فاعلية هذين الشرطين متعلقة بمدى تجانس أعضاء الفرقة فيما بينهم وبإرتباطهم الفعلي بالجمهور الذي يمثلون. وهنا ينبغي التأكيد على أن انتماء أعضاء الفرقة إلى اصول شعبية يلعب دوراً وظيفياً هاماً في عمل الفرقة على مختلف مستوياته بحيث يشكل ذلك الانتماء حلقة وصل فاعلة في الممارسة على صعيد اللغة والمخيلة والاسلوب.
العمل الجمعي، اذن، هو في وحدة هذه الشروط، وضمن هذه الوحدة توظف الخبرات والطاقات بتفاوتها وتفاعلها.   ولقد سمحت التجارب السابقة بإيجاد أو بتوضيح اساليب للعمل منها: 

في الموضوع
أ‌- البحث عن قصة أو حكاية شعبية من التراث والتاريخ، هذه القصة تعتمد تحديداً على معايشة واقع موجود وحقيقي نتعرف إليه بالمعايشة أو بالمقابلات الشخصية أو بالتنقيب عن مراجع. 
ب‌- الانطلاق من صور وشخصيات وأحداث واقعية وحسية، وتحويلها فنياً عبر اكتشاف اساليب في الاداء نابعة من ذوق ومخيلة اصيلين. 
بعد الاتفاق على الموضوع تبدأ سلسلة من النقاشات الهادفة الى وضع الخطوط الرئيسية للمسرحية، والأفكار الرئيسية لكل مشهد ضمن سياق مسرحي مترابط. 

في الكتابة
اتبعنا في عملية الكتابة طريقتين: 
أ‌- يشترك الجميع في تكوين فكرة مشهد ما، ويصار إلى كتابتها مباشرة بحيث يتعاون الجميع وإن بنسب متفاوتة في بناء المشهد وصياغته.
ب‌- يكتب المشهد بشكل افرادي ويناقش في اجتماع عام، فإما أن يقبل كما هو مع ادخال بعض التعديلات، وإما أن تعاد كتابته كاملاً من قبل كاتبه أو من شخص آخر أو بشكل جماعي، وإما أن يطرح جانباً.

احدى المواصفات الهامة لعملية الكتابة، أنها لا تتوقف بل تبقى مستمرة نسبياً أثناء كل مراحل الاعداد والعروض. أي أن النص قابل للمراجعة والتعديل قدر الامكان وفقاً لتفاعل الممثلين والمشاهدين اثناء التمارين، ولتأثير الجمهور اثناء العروض.

في اعداد التمثيل 
لا تنفصل عملية اعداد التمثيل عن الكتابة بل تترافق وتتداخل معها. ويمكن تقسيمها بوجه عام إلى ثلاث مراحل مختلفة من حيث انتقال مركز الاهتمام الرئيسي فيها، ولكن يمتد فعل كل منها الى المراحل الأخرى: 
- في المرحلة الأولى، يكون الهدف الرئيسي وضع النص وصهر المحاولات الكتابية في التمثيل. فيتكون التمرين هنا أساساً من تأدية ارتجالية جماعية للمشاهد المكتوبة، يليها نقاش بهدف التقويم والتطوير.
- في المرحلة الثانية وهي المرحلة الاساسية في الاعداد، يكون الهدف الرئيسي ايجاد التركيب المسرحي الصحيح للمشاهد وتحديد اسلوب الاداء المناسب. وهنا يشترك الجميع فعليا في بلورة طبيعة العلاقات التي تربط بين شخصيات المشهد من جهة، واختيار الجسور الفنية بين المشهد والجمهور من جهة ثانية. ويتم ذلك عبر الارتجال وتأدية النص دون توزيع الادوار. تكمن أهمية هذه المرحلة في انها تحدد الطابع النهائي للنص وتحتم شكل الاخراج وتوزيع الأدوار وأداء كل ممثل، وكيفية ملء الحيــّـز المسرحي.
- في المرحلة الثالثة: يكون الهدف الرئيسي هو توليف وتركيب جميع عناصر العمل المسرحي في قالب نهائي، وهنا لا بد من توزيع المهام وتنظيم تنفيذها، فيهتم الممثل بأدائه والمخرج بوظيفته والتقني بعمله. 

في التعامل الاقتصادي 
يتطلب هذا النوع من العمل طريقة في التعامل الاقتصادي تعتمد على استخدام أدوات بسيطة وغير مكلفة نسبياً، وعلى الابتكار (في الديكور، الأزياء، الاضاءة التجهيزات...) الذي يصبح آنذاك عنصراً ضرورياً في تكوين اسلوب مسرحي شعبي.
فالاعتماد على النفس ايضاً على هذا الصعيد، يؤمن التماسك المطلوب لجميع جوانب العمل، بحيث يكفل الأمور الأساسية التالية: 
- كسب الاستقلالية عن سيادة الاساليب الفنية الدخيلة.
- امكانية استمرار وانتشار العمل بين اوسع الفئات الشعبية.
- امكانية اعادة انتاج اعمال مشابهة وتطوير ادواتها من قبل مجموعات أخرى، اذ أن ولادة مسرح شعبي رهن بمدى تواجد وتكاثر الأعمال المسرحية التي تعتمد على هذا الاتجاه. 


العلاقة المباشرة مع الجمهور:

وتعني العمل على ايجاد نمط جديد في علاقة الجمهور المعني (أي الفئات الشعبية) بالانتاج المسرحي. وهذا النمط الجديد هو بالتحديد تحويل رؤية المشاهدين من رؤية سكونية الى رؤية فاعلة تتيح لهم إمكانية المشاركة المجدية في الممارسة المسرحية. وتشكل هذه الرؤية الفاعلة موقعاً تمارس فيه حاجات ورغبات الجمهور بحيث يفرز تدريجياً لغته المسرحية الخاصة، عبر تحديد عناصر تكوين هذه اللغة وكيفية استخدامها. 
هذه العلاقة المباشرة مع الجمهور لا يمكن لها أن تكون وليدة ساعة تقديم العمل المسرحي، بل هي توجــّه يحكم العمل في جميع مراحله (اختيار الموضوع الكتابة، الاعداد، العروض) وعلى جميع مستوياته (الفكرية والفنية والاقتصادية...).

للعمل على ايجاد هذا النمط الجديد، اتبعنا اسلوباً (ليس هو الوحيد بالضرورة) يعتمد كأصول له هاتين النقطتين:  

كسر الايهام المسرحي 
والوسيلة الرئيسية لذلك هي استخدام وتطوير اسلوب الحكواتي: 
فالحكواتي بعلاقته المباشرة مع الجمهور، يروي ويجسد المشاهد بواسطة أدوات بسيطة ومكشوفة. ينطلق مسرح الحكواتي من هذا الاسلوب فيحكي حكاياته الشعبية مباشرة ويستخدم أدوات مسرحية مبسطة ومكشوفة لتجسيد مشاهدها. فيحقق بذلك إزالة « العازل » التقليدي بين خشبة المسرح وكل ما هو خارجه ان من ناحية مكان العرض (الكواليس، الديكور، خدعة الاضاءة...) وان من ناحية الواقع الاجتماعي (الزمن الوهمي، تقمص الشخصيات...) ويحقق كذلك الغاء المسافة بين الممثل والقاعة.
يؤدي هذا الأسلوب أيضاً الى ربط المشاهدين وتركيز اهتمامهم على الحكاية بتركيبها ومنطقها وما تعبر عنه، ويسقط من حسابهم الانفعال المعتاد بالشخصيات ومغامراتها.
غير أن هذا الاسلوب يكتسب قيمته الفعلية بقدر ما تستطيع القصة بنوعيتها وحبكتها ان تعيد جمهورها إلى علاقته بواقعه. 

مشاركة الجمهور في تظيم العورض 
يعتمد مسرح الحكواتي لذلك، التوجه القصدي الى الجمهور أي إلى الفئات الشعبية في أماكن تواجدها. مما يؤمن، قدر الامكان، الشرط الموضوعي لأن يكون الجمهور بموقعه، وفي حالة انسجام مع اطار العرض، ومؤهلاً بالتالي للمشاركة الفعالة. وفي هذا المجال، فإن الوسيلة المتوفرة عملياً، هي التعاون مع الهيئات واللجان والجمعيات المحلــّية المتواجدة في الاوساط الشعبية.



ان هذا الاتجاه العام الذي يضم مجمل العناصر التي تحدّثنا عنها هو الممارسة التي ستسمح بطرح مسألة هوية الفن ووظيفته في مجتمعنا على المستويين النظري والعملي وهو المجال الوحيد الذي يتيح امكانية تجسيد العلاقة بين الجمهور والفن.

مسرح الحكواتي
    أيار 1979

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا