محمود الحجيري(*) زمن انتظارات الشباب... شيزوفرينيا لبنانية

1:45:00 ص

خاص الرومي

في نهايات القرن الماضي حدث تحرك شبابي كبير في لبنان كانت ادارته مجموعة من الناشطين وبعض رجال الكنيسة تحت اسم "انتظارات الشباب"، وكان هذا التحرك يعقد مؤتمرا سنويا في احدى المحافظات اللبنانية تحت عنوان محدد، وقد تسنّى لي المشاركة في عدة مؤتمرات لانتظارات الشباب، وكانت اول مشاركة في المؤتمر الذي عقد في الكلية الشرقية في زحلة وكان عنوانه الاساسي البيئة وعندما وصلت الى الكلية شعرت بالفرح، اخذت فنجان قهوة وجلست في مكان مرتفع اراقب مئات الشبان والشابات بكل غبطة وسرور وهم يتحركون كخلية نحل في جو يسوده الفرح والمحبة والتفاهم يتناغمون بالحديث والاغاني والهتافات... مشهد يلزم الامل بالتراقص في المخيلة بالوصول الى شعب لبناني متفاهم، وتوزع الحضور على مجموعات لتسهيل النقاش، وما لفتني في حينه تفاهم اغلبية الحضور على راي عنصري بامتياز وهو تحميل مسؤولية الخلل البيئي للعمال السوريين الذين كانوا يتجمعون في الساحات وعلى جوانب الطرقات وتحت الجسور ينتظرون فرصة عمل عابرة، والاهم ارتفع الصوت الى اعلى مدى ضد التسلط على لبنان من كل الفئات وهذه كانت حالة نادرة او شاذة في حينه، وفي الليل ذهبنا لحضور عرس تقليدي في راشيا وفي صباح اليوم الثاني استكملت النقاشات على ذات الوتيرة من التفاهم على اكثر المواضيع التي طرحت للنقاش وبعد استراحة لم يتبق الا فقرة واحدة من البرنامج وهي فسحة حرة او "هايد بارك " وقد اجتمع المؤتمرون في قاعة واحدة مع رئاسة للجلسة لتنظم التداول على الكلام وقد تناوب على الكلام عدد من الزملاء وكان ملخص الكلام البيئة والاحتلال السوري، طلبت الكلام فتحدثت عن البيئة الجوفية وما تعانيه اكثر المناطق لافتقارها الى شبكات للصرف الصحي، وقدمت اقتراحا ان يتضمن البيان الختامي تضامنا مع الاسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية والمطالبة باطلاق سراحهم وعلى راسهم المناضلة سهى بشارة، وتبعني شخص مباشرة وطالب بالتضامن واطلاق سراح سمير جعجع وقبل ان ينهي كلامه اتى الرد من الجهة المقابلة، سمير جعجع عميل اسرائيلي وقبل نهاية الجملة اتى صوت من وسط المدرج "سمير جعجع اشرف منكم انتم عملاء النظام السوري"، ارتفعت الاصوات من كل ارجاء القاعة تحركت القوى الامنية واخذت وضعية الاستعداد في اماكن رئيسة قبل ان يتدخل الاب مارون عطاالله ويلقي كلمة لوم وعتب وتأنيب، ويذكر الحضور بكلامهم عن السوريين وهو الآن قد يضطر للاستعانة بالسوريين للفصل بينهم اما انا فقد استفقت من حلم استمر اربعاً وعشرين ساعة متواصلة وتذكرت اني اعيش بين سكان لبنان.


وفي السنة الثانية عقد مؤتمر "انتظارات الشباب" في انطلياس وقد وجهت لي دعوة ولبيتها وكان هذا المؤتمر تحت عنوان " التنمية المتوازنة "، وتميز المؤتمر بضيوفه من كل المجالات السياسية والفكرية والفنية. وكان الجيش اللبناني طرفا اساسيا من حيث التنظيم وحفظ الامن والمشاركة، وعندما حلت فقرة الجيش صعد الى المنصة العميد ابو شديد وبرفقته اربعة ضباط اخذوا مواقعهم على جانبي العميد واخرج معلقته الادبية من المغلف وكانت تحفة ادبية بصياغتها وديباجتها المتقنة، ولكن مضمونها "وحدة المسار والمصير، تلازم المسارين، الجيشين في معركة المصير الواحد، دعم المقاومة في عملياتها البطولية حتى انجاز التحرير "... وكل الجمل والعبارات التي كانت من انتاج تلك المرحلة في ظل الوصاية السورية، وكانت كلمة طويلة وفي نهايتها فتح العميد باب الاسئلة والحوار مع الشباب وفي بداية حواره أتى احد اداريي المؤتمر واعتذر من العميد وانهى الحوار بسبب حلول وقت الغداء؟ اعتذر العميد من الحضور وابدى استعداده للرد على أي سؤال في مكتبه الموجود داخل حرم الكنيسة، وبعد الغداء اقترحت على صديقين أن يرافقاني الى مكتب العميد فلم يمانعا... وعندما دخلنا عليه استقبلنا بابتسامة وترحاب ودعانا للجلوس، وقبل ان نتكلم زود كلا منا بنسخة من مجلة الجيش، وهو من سأل ماذا تريدون وكيف لي ان اساعدكم؟
فقلت له: حضرة العميد كل دول العالم التي تخرج من الحروب الجيش يقوم بعملية البناء فاين الجيش اللبناني من البناء وخاصة اليوم نبحث عملية التنمية؟ فابتسم بسخرية وقال: شو متأثرين بافكار الجيران؟ واشار بيده باتجاه سوريا، فقلت له: منذ لحظات سمعنا خطبتك وانتم المتاثرين بالجيران، فضحك وقال: حكي للحكي فقط! لكن طويلة على رقابكم نحن لن نبني، انتم من دمرتم عليكم تحمل مسؤولية البناء. سألته: نحن من نكون؟ فاجاب: انتم الشعب الذين كنتم تتقاتلون، ونصيحة أخيرة لا تتاثروا بما تسمعون من الجيران ....
(*) كاتب

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا