الأربعاء، 22 يوليو 2015

محمد حجيري(*) مرايا مسلمة الحنفي

SHARE


خاص الرومي
تزخر مواقع الانترنت الثقافية والعلمانية، وبعض الكتب "الجدلية"، بالحديث عن شخصية مسلمة الحنفي أو "مسيلمة الكذاب" بحسب التسمية الايديولوجية الاسلامية، واللافت أن  معظم الكتابات عنه، تقوم على التناقض والمواقف المسبقة، من قلة على تضاد مع الإيديولوجيا الإسلامية أو "منشقة" تدافع عن مسلمة باعتباره كان من دعاة التسامح والتصالح على عكس "الاسلام السيفي" أو الجهادي، وأكثرية متدينة ومنتسبة دينياً عقائدياً، تكفّره وتطلق عليه الصفات الدينية "المرتد"، والمشينة (الكذاب بدل الحنفي)، والتصغيرية (مسيلمة بدل مسلمة) التشويهية لناحية تبشيع صورته بشتى الصفات.
بين الأقلية والأكثرية هناك بعض المراجع التي تتطرق بعلمية الى شخصية مسلمة والحنيفية وموئل ظهورها في منطقة اليمامة. ومسلمة الحنفي واتباعه، نموذج لأحوال التاريخ العربي او الاسلامي وسقطاته وفجواته وهوياته ومرآة لحاضرنا ودواعشه الكثيرة، فالنافل أنه تم تصفية كافة اقطاب الحنيفية الأوائل إما بالعزل الجبري كما في تجربة أبي قيس بن الاسلت، أو بالتشريد كما في تجربة أبي عامر الراهب، أو بالقتل كما في تجربة مسلمة الحنفي، ومعظم الكتابات المخصصة حول مسلمة فقدت أو أتلفت ولم يبق إلا عناوينها مثل كتاب الكلبي "مسيلمة الكذاب وسجاح" و"ما بين النبي والمتنبي" للجاحظ، وبالتالي معظم الكتابات الحديثة عنه "مشوّشة العناصر" بحسب تعبير الباحث طريف الخالدي، قائمة على بعض الأخبار والروايات والشعر، وجاذبية الحديث عن مسلمة الحنفي انه ادعى النبوة في زمن الاسلام وربما قبله، وهو من الشخصيات المثيرة للجدل في التاريخ العربي (الاسلامي) مثل كعب الاحبار وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي، و"الأنكى" أن مسلمة كان زعيم جماعة تعرضت للإبادة والفتك، وتحاط قصته بالكثير من الأساطير والروايات الشعبية، كما ان بعض الباحثين اختاروا الحديث عنه من منطلق "المدلول الاسطوري" الذي احاط بمنطقة ولادته، وعلى هذا هناك الكثير من الالتباس في قراءة شخصيته وحركته، أولا بسبب الفتك به وبأنصاره خلال "حروب الردة"، وثانيا بسبب قلّة المصادر حوله نتيجة الهزيمة، وثالثاً والأخطر، غياب حرية الرأي في الابحاث العلمية - التاريخية في العالم العربي، فالماضي ما زال مغلفا باقنومات ومفاهيم دينية مقدسة، لا أحد يجرؤ في الخوض بها وكسر اقفالها، واذ رصدنا الدراسات التي تناولت شخصية مسلمة، نجدها قليلة جدا منها دراسة جمال الحلاق المنشورة في كتاب بعنوان "مسلمة الحنفي بحث في تاريخ محرم" الى جانب بعض الدراسات القليلة المنشورة في الانترنت.

لم يتحدث أي من المؤرخين عن مولد مسيلمة الحنفي متى كان؟ أو أين؟ إلا أن الإشارات الأخبار أكدت أنه كان من المعمرين (سيرة ابن هشام)، بل حددت بعض الروايات أنه عمّر مئة وخمسين سنة (تاريخ اليعقوبي)، وقد ورد في خبر أنه ولد ونشأ في اليمامة في وادي حنيفة شمال الرياض. والقول بأن مسلمة كان من المعمرين لا يمكن قراءته إلا امتداداً لنهج المؤرخين يمنح هذه الصفة لأصحاب التأثير الاجتماعي في شبه الجزيرة العربية قبل الاسلام، وكان مسلمة رجلا معظما من قومه، فهو صريح النسب بينهم حتى قال فيه شاعرهم: "سيموت بالمجد يا ابن الاكرمين أبا". وكان قد سلك مسلمة الحنّفي، وتجول في أسواق العرب باحثا وداعيا الى الحنيفية، ويبدو أنه كان في البدء كاهن قومه، ثم تدرج في الحنيفية حتى ادعى النبوة في أماكن تواجد الاحناف بين اليمامة ومكة، وهذا السلوك انتشر بين في الجزيرة حين اصبح مفهوم النبوة يمثل درجة اليقين القصوى، وقد آمن بنبوة مسلمة الحنفي كل من بني حنيفة، وبني تميم، وكانت نصوصه تقرأ في اليمامة والاماكن المجاورة لها.
في المخيال الاسلامي
ليس الهدف من هذا المقال اثبات نبوة مسلمة او ادعائه النبوة، فهذه الأمر يحتاج دراسات مفصلة ومعمقة حول التاريخ الاسلامي والعربي، بدءا من زمن ما سموه الجاهلية، وحتى الآن، ما نود تسليط الضوء عليه هو جانب من الصراعات القبلية والمناطقية في التاريخ العربي الاسلامية، و"الميديا" الدعائية التي تعتمد في تشويه صورة الاشخاص، فمسلمة تحول في الروايات والأخبار(الاسلامية)، من حسن المنظر والجسم إلى حشرة، ليس لسبب إلا اختلاف الرأي، وفي الأغلب الأعم كان السبب (مناطقيا)، ذكر المؤرخ البلاذري أن مسلمة كان قصيرا، شديد الصفير، اخنس الأنف، وذكر الواقدي أنه كان أشقر واخنس وضعيف البدن، بينما نجد صفته عند الطبري وقد غلفها التصغير، رويجل أصفير، اخنيس، اضافة إلى كل هذا أسقطوا عليه صفة الشؤم، وجعلوه سببا لما حل ببني حنيفة من قتل وسبي، كان رجلا مشؤوما (كتاب الردة)، ويقول أبو منصور الثعالبي في كتابه "ثمار القلوب في المضاف والمنسوب": "فسماه المسلمون مسيلمة الكذاب، وأظهروا شتمه، وعيبه وتصغيره". وكان الاعلام الاسلامي يهوى إطلاق الألقاب على الناس، فكان يلقب من يرضى عليه من الموالين والمقربين ألقاباً حميدة مثل "الصدّيق" و"الفاروق" و"الزهراء"…الخ. بالمقابل كان يشهّر بمعارضيه ويشوه صورتهم عن طريق تسميتهم بأسماء وألقاب سيئة ومهينة مثل "أبو جهل" و"أبو لهب" و"مسيلمة الكذاب"… وبحسب الكاتب جمال الحلاق ما ورد بخصوص صفة مسلمة الحنفي لم يخرج من دائرة القصد في التشويه، و"هذا القصد يبدو لنا كما لو أنه ناتج تماما عن صراع فكري، لكنه في الأصل ناتج عن صراع مناطقي حصرا. لم يكن هناك ثمة اختلاف جذري يستوجب القتل والإبادة، وقد تجلى هذا الصراع المناطقي لاحقا مع الخوارج الذين ينحدرون في الأعم الاغلب من بني حنيفة وبني تميم رهطي مسلمة وسجاح. وهناك موقف مسبق وجاهز، تعامل به اكثر مؤرخي الاسلام مع سيرة مسلمة الحنفي، موقف قائم على تبني ليس تشويه صورته وفاعليته وتأثيره فحسب، بل تبني مسخ افكاره، وثمة محاولات قليل..
وجاء في كتاب "محاسن النساء" لأحمد بن هشام نقلاً عن "اقتباس الأنوار" قال: "كان مسليمة، وقد تسمى في الجاهلية بالرحمان، فلما بعث رسول الله، ارسل يدعوه إلى الإسلام فلم يرجع عن كذبه، وقال كلانا نبي فإن آمن بي آمن به"النساء" واذا قرأنا قول ابن دريد لما ذكر النبي، الرحمن، قالت قريش: أتدرون من الرحمن الذي يذكره محمد؟ هو كاهن اليمامة. والعملية تبيّن لنا حضور مسلمة الحنفي، وهذا ما توصل اليه أيضا المؤرخ جواد علي حين قال بعد غربلة ما ذكره اهل الاخبار عن مسلمة الحنفي من أنه "تكهن وتنبأ باليمامة، ووجد له اتباعا قبل نزول الوحي على النبي" (كتاب "المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام"..)، وهو ما يؤكده الباحث حسين مروة بقوله: "وكان له نفوذ شخصي في منطقة اليمامة، وكان- قبل ظهور الاسلام- يبدو أنه يمثل الحنفاء هناك، وأنه كانت لمحج به صلة قبل اظار الدعوة الاسلامية"(كتاب "النزعات المادية في الفلسفلة العربية الاسلامية"). ولم يجرؤ أحد على اعتبار مسلمة حنيفيا سوى جواد علي وحسين مروة، وأنه لم يكن طارئا، بل سبق محمد وعاصره، وكان يدعو دائما لـ"عبادة الرحمن"، ولم يورد المؤرخون صراحة التقاء نبي الاسلام مع مسلمة الحنفي في مكة قبل البعثة، ورغم أن ابن هشام أورد ان قريش عزت علم محمد إلى تعلمه على يد رجل من اليمامة يدعى الرحمن، وبعد أن اتهمت قريش محمدا في مكة بأنه يأخذ معرفتهه عن رحمن اليمامة، أنها لن تؤمن بالرحمن أبدا(ابن هشام)، تنقطع أخبار مسلمة الحنفي لتظهر ثانية مع قدوم وفد بني حنيفة الى المدنية في السنة السابعة للهجرة. إلا ان اخبارا وردت هنا وهناك على صفحات كتب التاريخ تفتح نافذة للقاءات تمت بين محمد ومسيلمة في المدينة في اوقات مختلفة، وأماكن مختلفة، وان اتباع مسلمة الحنفي واتباع محمد كانوا يمرون بكليهما يسمعون منهما آخر ما تم انتاجه من الوعي الحنفي، اضافة الى وجود علاقات صداقة تجميع بين الطرفين. وكما اختلف الرواة في مكان اللقاء بين مسليمة ومحمد، كذلك اختلفوا على كيفيته، من ذهب الى من؟ وفي أي شيء تحدثا؟ واذا كانت الدين الاسلامي قد انتشر تعمم بعد الفتوحات والغزوات، فالدين الذي كان يفترض اسمه الحنيفي، لم يبق منه إلا نثرات من هنا وهناك، فقد امتاز مسلمة الحنفي عن باقي الجيل الأول من الأحناف بأنه امتلك كتاباً خاصا به سماه المسلمون الاوائل "قرآن مسيلمة"، على هذه التسمية استمر المؤرخون، يعلق جواد علي قائلا: ولم نجد في ما بقي من كتب اهل الاخبار ما يشير بشيء الى قرآن مسلمة، او بقية اخرى منه (كتاب المفصل...).
كان اقطاب بني حنيفة يتكئون على قراءة البيئة المحيطة لهم، سواء من الجانب التاريخي، او الجغرافئ، او الاقتصادي، بل انهم قرأوا الوجود والحياة عبر مفردات حياتهم اليومية، فقادتهم القراءات الى التوحيد، أي ان توحيدهم جاء نتيجة بحث حسي عقلي بحسب جمال الحلاق. والنتف المتبقية من "قرآن مسلمة" تكشف لنا آلية اشتغاله وفق منهج "الاستدلال الحسيّ"، واعتماده مفردات الحياة اليومية الريفية نافذة لتوصيل تجربته إلى الآخر، فلأن اليمامة ريف معروف بزراعة القمح، تناول مسلمة الحنفي في أحد نصوصه موضوع بذر القمح ونموه حتى يكون لقما، وتحدث عن القمح كفاصلة بين البداوة والاستقرار "لقد فضلتم اهل الوبر، وما سبقكم اهل المدر"، هذا النص يكشف مركزية اليمامة في شبه الجزيرة العربية بكونها ذات ثقل اقتصادي.
استثمر مسلمة الحس الاجتماعي الريفي لليمامة، لينطلق في صياغة اساسيات بناه المعرفي (فنجد لديه مفردات كالزرع، والبذر، الحصاد، اضافة الى ذلك حاول ان يتخذ من الليل والنهار آيتين على وجود نظام يحكم العالم، والنتف التي بقيت من قرآن مسيلمة يمكن ان تتكلم وتفصح عن اعتقادات وطقوس وخرافات كان يؤمن بها هو واتباعه، وحسب قراءة جواد علي فإن مسلمة في عبادته ودعوته للرحمن كان متأثر بدعوة لمتعبدن له ممن كان قبله، وعبادة الرحمن ديانة متأثرة بفكرة التوحيد، وبوجود اله واحد هو الرحمن رب العالمين(المفصل)، ويقول جواد علي في الآيات التي تنسب إلى مسيلمة : أما أن تلك الآيات آيات قالها "مسيلمة" حقاً، فتلك قضية لا يمكن إثباتها، فلما قتل، وضع أصحابه عليه أموراً كثيرة، قد يكون في جملتها هذه الآيات، أما قرآنه الذي قيل إنه وضعه يضاهي به القرآن، فقد هلك بهلاكه، ولم أجد أحداً ذكر أنه وقف عليه، ونقل منه، ولعله كان كلاماً لم يسجل في حياة مسيلمة، وإنما كان محفوظاً في صدر صاحبه وفي صدور أتباعه، ودخل من دخل من أصحابه في الإسلام وطمس أثر ذلك القرآن. وحين كتب الباحث عبدالله العسكر عن مسيلمة الحنفي، اختار المدلول الاسطوري لدعوته، وبرغم انحيار  ضده مسلمة من منطلق اسلامي، يقدم جوانب ايجابية لفهم واقع مسلمة وبيئته، يتتبع ظاهرة رحمان اليمامة تاريخياً. كما ويتناول المؤثرات البيئية التي أعانت على بلورة ظاهرة الرحمان، وتبيان مدى علاقتها بمسلمة. وإلى أي مدى استطاع أن يوظف تلك الظاهرة في تحقيق طموحاته وأهدافه السياسية.  وسيخلص الباحث إلى أن ظاهرة الرحمان، بل ودعوة مسلمة الدينية برمتها في منطقة اليمامة، لا تعدو أن تكون توظيفاً أسطورياً لتحقيق أهداف سياسية وقبلية محددة. علاوة على أن "اسم الرحمان الذي ارتبط بمسيلمة، غير واضح الدلالة، حتى لمسيلمة نفسه، الذي اقتبس من الإسلام بعض التعابير المتعلقة باسم الرحمن، ثم قاد حركة "الارتداد" في اليمامة". وما توصل إليه البحث هو إضافة إلى ما هو سائد عند المؤرخين المعنيين بالمنطقة وبالحركة، الذين يعتقدون أن مسيلمة كان يدعو إلى عبادة الرحمن، التي هي في نظرهم عبادة توحيدية، وربما تشبه عبادة الرحمن لدى المسلمين.

وعبدالله عسكر يدرس دعوة مسلمة وتعليماته من خلال منظور أسطوري. وفي هذا السياق، فإن الباحث يحسب أن ما نُقل عن مسيلمة -بصرف النظر عن كونه صدر عن مسلمة نفسه، أو قيل على لسانه-  لا يعدو أن يكون اقتباساً من أساطير شائعة في منطقة اليمامة زمن مسلمة. مثل هذه الدراسة ستؤدي إلى إعادة النظر في تفسير دعوة مسلمة. وخلاصة الأمر أن المثيولوجيا العربية -خاصة تلك المنتشرة في اليمامة، والتي حاول مسلمة توظيف بعض رموزها ودلالاتها لأغراض سياسية وشخصية- لا تعدو أن تكون تعبيرًا رمزيًا عن الأبنية الاجتماعية والحضارية المعبرة عن الفكر الجماعي. والأساطير في هذا المنظور بمضامينها الروحية تعمل على دعم وترسيخ النظام الاجتماعي، في اليمامة حيث إن هنالك ترابطًا بين النظام الديني الذي اقترحه مسلمة وبين المثيولوجيا.
تخلو كتب التاريخ الاسلامي من اخبار انتشار دين مسلمة الحنفي، رغم أنه كان من حيث التأثير يمتد الى أراض كثيرة في شبه الجزيرة العربية، بل يكاد الجزء الشرقي الشمالي منها أن يندرج تحت تأثيره بعد أن دخلت سجاح وبني تميم في تحالف معه، يعتبر جمال الحلاق أن فعله كان تأثيرا لأننا لا نجد في المصادر التي بين أيدينا أنه غزا قوما، أو حاربهم. تأتي اليه سجاح لتحاربه فيسحبها الى التحالف مع ويعرض التحالف على نبي الاسلام لكن الاخير يرفض.

لقد ظل مسلمة على منهجه الخاص حتى بعد أن أصبح لديه من الأتباع ما يمكن أن يغزو به أماكن كثيرة ويبدو أن محمدا كان على اطمئنان من ناحيته، وهذل ما جعله يفكر في اغتيال عبهلة العنسي الأقل تأثيرا وقوة بالقياس الى مسلمة، بل يبدو أن منهج العنسي، المقارب لمنهج الاسلام في الانتشار عبر الاغتيالات والانقلابات هو الذي جعل التخلص منه أمرا سهلا، فالأتباع حتما سيكونون أقل أيمانا مما لو كانوا قد دخلوا منظومته المعرفية عير التأثير، ويظن أن قول أبي بكر في رسالته لخالد بن الوليد"وأعلن بأنك لم تلق قوما يشبهون بني حنيفة في البأس والشدة(كتاب الردة).

ولما كان مسلمة يتّخذ منهج التأثير لا الفرض فأنّه كان أليفا في تعامله مع الآخرين، وقد قرأت المؤسسة الإسلامية سلوه هذا نوعا من المصانعة فقالت على لسان الطبري: كان يصانع كل أحد ويتألفه (تاريخ الرسل والملوك)، وخبر رغبة الحنفي في إقامة تحالف مع نبي الاسلام يكشف الصراع الخفي على النبوات التي كانت سائدة في وقت واحد، نبوة في اليمامة لمسلمة الحنفي وهي أقدم "النبوات" بحسب استنتاجات جمال الحلاق، وقد تلخصت بالدعوة الى عبادة الرحمن، واليمامة في نظر الباحثين جزء من إقيلم العروض: ويشمل اضافة الى البحرين والاحساء وشبه جزيرة قطر.

ونبوة في الحجاز (مكة، يثرب، الطائف) بدأت بالدعوة الى عبادة الله ثم ادخلت الرحمن في منظومتها، ونبوة في اليمن (عبهلة بن كعب العنسي) تم القضاء عليها قبل وفاة محمد عن طريق الاغتيال السياسي ورد عن العنسي أنه كان كاهنا، يسبي قلوب من سمع منطقه، وكان اول من خرج من كهف خبان هي كانت داره وبها ولد ونشأ (عن كتاب "أديان العرب وخرافاتهم"). كتب السيرة النبوية هي المصدر الوحيد لمعرفة الأسود العنسي فلا نقوش قديمة ولا آثار تشير إليه وحركته كما كانت العادة تجاهل الإخباريون تفاصيل نسبه وكثيرا من حياته محاولة للتقليل من شأنه ورغم عدم وجود دلائل على إسلامه فلم يذكر في أي من كتب السيرة أن الأسود العنسي أسلم ثم أرتد بل تكتفي بقول "أرتد من أسلم من مذحج".

ولم يرد في كتب الاخبار ان مسلمة الحنفي حارب قوما، أو غزا غزوة، ومع ذلك اجبر في النهاية على خوض الحرب مع اسلام قريش، الممثل الآخر للحنيفية في شبه الجزيرة العربية، ولم يحدث الصدام بين قريش وبني حنيفة إلاّ بعد وفاة النبيّ، أمّا أثناء حياته فلم تكن العلاقة بين مسيلمة ومحمّد بهذه الحدّة، تتحدث كتب المؤسسة الاسلامية عن ارتداد اكثر العرب بعد موت محمد، وينفي فيليب حتي صفة الردة عن الحروب التي تلت وفاة محمد، ويتفق مع علي عبد الرازق من أن الجهاد لم يكن "في سبيل الدعوة الى الدين، والابلاغ رسالته الى العالمين، وما يكون لنا ان نفهم، إلا أنه كان في سبيل الملك، ولتكوين الحكومة الاسلامية"(الاسلام واصول الحكم).

وما اتفق على تسميتها بـ"حروب الردة" لم تكن في الحقيقة الا حروبا بين أطياف الحنيفين في شبه الجزيرة استخدمت الابادة كوسيلة للانتشار، وقد بدأها المسلمون تحت ذريعة لجوء بعض اتباعهن الى اتباع انبياء آخرين، وانتصار المسلمين في حربهم مع مسلمة الحنفي هو الذي رسخ المؤسسة الاسلامية الى يومنا هذا باعتبارها الممثل الوحيد للحنيفية، وليس من السهولة العثور على الصورة الحقيقة لمسلمة عند بني حنيفة بعد ان قتله المسلمون، فالمنتصر يكتب التاريخ عادة.

ثمة من يقول إن النبيّ لم يحارب مسيلمة وإنّما حاربته قريش في عهد أبي بكر تحت غطاء "الردّة"، وذلك بعد أن اقترنتْ النبوّة بالملك، فقريش تستمدّ شرعيّتها من النبيّ محمّد لتبسط سلطانها على جميع العرب، فرفض بنو حنيفة هذا الحكم القرشيّ، فإن كان هناك تفاضل في المآثر والمجد فبنو حنيفة يرون أنّهم أحقّ بذلك وإن كان هناك تفاضل غيبيّ بالنبوّة فبنو حنيفة يرون أيضا أنّ النبوّة فيهم، ويروي الزمخشري إنّ رهط مسيلمة كانوا يقولون: "نحن أنبياء الله" وتروي الأخبار أنّ مسيلمة قال: "يا بني حنيفة، أريد أن تخبروني بماذا صارت قريش أحقّ بالنبوّة والإمامة منكم؟ والله ما هم بأكثر منكم وأنجد، وإنّ بلادكم لأوسع من بلادهم، وأموالكم أكثر من أموالهم". وحين تم الهجوم على قوم مسلمة الحنفي من السلطة الاسلامية كان القرار بالفتك بهم بأي طريقة وعدم الرحمة حتى بجراحهم واسراهم، وتشير الروايات والاخبار والرسائل الى هول تلك المعركة. 
 وحينما قُتل مسيلمة صرخت جارية تندبه قائلة: "وا أمير المؤمنيناه" وقال أحدهم يرثيه:
"لهفي عليك أبا ثمامه***لهفي على ركني شمامه/

كم آية لك فيهمُ***كالشمس تطلع من غمامه"
 وبعد موت مسيلمة لم تفتر دعوته تماما وإنّما بقي البعض يردّدون آيات من قرآنه ويصلّون بها حتّى زمن خلافة عثمان بن عفّان، وقد روى أحمد والدارمي والبزار والنسائي وغيرهم رواية بألفاظ مختلفة وخلاصتها: كان لبني حنيفة مسجد في الكوفة وكانوا يقيمون الصلاة بقرآن مسيلمة، ويفشون أحاديثه، فسمعهم رجل فنقل خبرهم إلى عبد الله بن مسعود وكان والي الكوفة في زمن عثمان بن عفّان، فأرسل من قبض عليهم وجاء بهم، فاستتابهم، فتاب بعضهم وأبى بعضهم، فضرب أعناق الذين أبوا.

لا شك أن سيرة مسلمة الحنفي، تشكل النموذج الحسي للتاريخ العربي والاسلامي، الذي ما زال اسير الاقنومات والتابوهات المقدسة. لا أحد يجرؤ على تفكيك التاريخ، وحتى اذ تم تفكيكه لا أحد يقتنع به في مجتمع ينخر عظامه شبح الغيب والماوراء، حتى الذين يكتبون عن الاسلام فهم يريدون استبداله بغيب آخر، والاستبصار جيدا في أحوال ما جرى لانصار مسلمة الحنفي، يجعلنا ندرك مآل ما يحصل اليوم في اصقاع الشرق الأوسط بل في اصقاع الارض من بيشاور الى موريتانيا.

والبغدادي ليس ببعيد عنا، والترفع وادعاء كلمات كبيرة وغفرانية تسامحية لن يجدي.

مقالة نشر جزء منها في موقع "المدن" وهي فصل من كتاب ينشر لاحقاً..


SHARE

Author: verified_user

0 facebook: