فتحي أبو النصر(*) وداعاً دكتور زيفاغو الذي لا يموت!

2:36:00 م


خاص الرومي
حتماً يتذكر صديقي الملهوف بروائع السينما العالمية جلال الاحمدي، تلك الساعات الثلاث التي قضيناها قبل سنوات، ونحن نستمزج بدور عمر الشريف في الفيلم العريق والمعتق والمتجدد أيضاً (الدكتور زيفاغو).
الفيلم الذي يتناول حقبة الثورة الروسية العظيمة وتناقضاتها، وكان انتج قبل 50 عاماً، مأخوذاً من رواية بوريس باسترناك الاستثنائية الخالدة التي تحمل نفس الاسم. بحسب عديد مراجع تاريخية أدبية وسياسية:
[ كان باسترناك مُنح جائزة نوبل للآداب بسبب تلك الرواية المؤثرة التي ركزت على الإنساني في خضم التحولات العاصفة، وتحديداً مسألة تغير المواقف وتبدل الأفكار بين الثوار قبل السلطة وبعدها، ثم ماذا تفعل السلطة في البشر من تشويه وانحراف جراء اللامبالاة بالأخطاء والتهافت للاستبداد .
لكن باسترناك وهو من أشهر شعراء الروسية الكبار بشكل خاص، رفض الجائزة- وفي الحقيقة أجبر على ذلك- حيث ذهب ضحية للحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي واستغلال الامريكان لعمله وبالتالي همجية النظام السوفياتي نحوه، فلقد حارب النظام السوفياتي الرواية التي لا تعظمه ولا تدور في فلكه بقسوة شديدة، مع انها رواية ضد البطش والظلم والحروب ومع الحقوق والحريات وعدم أكل الثورة لأبنائها . 
واما في تاريخ الاكاديمية السويدية فإنه بعد يومين من سماع الكاتب بفوزه بالجائزة، بعث ببرقية إلى الأكاديمية يقول فيها: ممتن كثيراً، متأثر، فخور، مذهول، مُحرج . وبعد أربعة أيام، وتحت ضغط الكرملين المكثف، بعث ببرقية أخرى يقول فيها: علي أن أرفض هذه الجائزة التي قدمتموها لي والتي لا أستحقها. أرجو ألا تقابلوا رفضي الطوعي باستياء .!
الاكاديمية قالت: قررت لجنة جائزة نوبل للآداب استحقاق باسترناك لها تقديراً لإنجازاته البارزة في مجال الرواية والشعر ولإثرائه الأدب العالمي بكتاباته التي تحدث قسم منها عن معاناة الشعب الروسي في ضل نظامي القياصرة والبلاشفة . 
بعد تسعة وعشرون سنة من وفاته قررت لجنة نوبل تسليم جائزتها التي منحتها لباسترناك عام 1958 لنجله الذي التقاه سفير السويد بموسكو بُعيد حضوره المعرض العالمي لباسترناك والذي افتتح في متحف الفنون الجميلة عام 1989 مؤكداً رغبة بلاده بمنح والده الجائزة التي لم يتسن له استلامها بسبب التجاذبات السياسية التي كانت تعصف به ابان الحكم الستاليني، وانه يتعين عليه ان يأتي الى ستوكهولم لقبولها.
وقال السكرتير الدائم للأكاديمية امام جمع غفير من كبار ادباء الكون، بعد ان أعطى ميدالية نوبل الى نجل المحتفى به: ان هذه للحظة تاريخية ان نسلم الجائزة لابن باسترناك لكننا نشعر بالندم لأنه ليس بيننا . 
ثم تلا نجله كلمة مؤثرة جاء فيها: من دواعي امتناني وسروري ان الاكاديمية السويدية ولجنة نوبل قد قرروا قبول منح الجائزة لي نيابة عن والدي الراحل الذي عانى من الاضطهاد على يد رجل انفرادي تسبب في معاناته ومرارته، حتى اضطره على التخلي من استلامها، واليوم وبعد تلك التغييرات الجليلة التي تجري الآن في العالم وفي بلادي بالذات صار من الممكن ان نحظر هنا بالحرية المطلقة التي كان والدي يدافع عنها. وآن ان يتسلم الجائزة ظله الممدود على كل بقاع روسيا .
.
.
تحكي الرواية قصة حب معبرة عن ربع قرن من تاريخ روسيا ثم الاتحاد السوفياتي خلال السنوات الأكثر صخباً للثورة والثوار والمؤامرات بين مراكز الهيمنة داخلها، والأهم انعكاس ذلك على الذات والناس والتعايش بينهم، جراء الخوف والقمع والثقة والحق في التعبير وماتحدثه تحولات التاريخ في صياغة المجتمع ووجهات النظر داخل المجتمع والدولة . 
وإذ كانت الرواية قد هربت عبر الحدود إلى إيطاليا، ونشرت في عام 1957، فقد ترجمت إلى أكثر من 40 لغة عالمية، وآنذاك طالب أزلام النظام البلداء المنساقين والمنجرفين، بطرد باسترناك أوسجنه، حيث قاموا بإلقاء الحجارة على بيته في موسكو، كما اسقطت عنه عضوية الحزب الشيوعي وعضوية اتحاد الكتاب وطالب البعض بإسقاط الجنسية عنه.
حينها قرر النظام السوفياتي قسر واحد من أهم أدباء اللغة الروسية والعالم كباسترناك إلى العيش في عزلة تنطوي على ترهيب له داخل قريته بضواحي موسكو حتى وفاته غريباً عام 1960 .


ومثل كل المثقفين المتسقين مع ضميرهم كان باسترناك قد رفض عام 1937 التوقيع على رسالة تأييد للمحاكمات الستالينية معرضاً حياته وحريته للخطر فوضعته السلطة تحت المراقبة، ليقول واصفاً حاله وقتها: العقل مختنق والأفق والأفكار بلون التبغ. 
لكن حب السوفييات لأشعار باسترناك الحية في وجدانهم، وبما انه كان واحداً من الحالمين الكبار بالثورة ضد القيصرية-وهو على عكس كثير من أبناء طبقته و أصدقائه و أقاربه الذين تركوا روسيا بعد الثورة البلشفية، ظل في بلاده حيث أبهرته شعارات الثورة وهزه حلم التغيير عبرها- إضافة إلى عبقريته اللغوية والفنية -كما تردد على نطاق ادبي وسياسي واسع بعدها: من أبرز الأمور التي أنقذته من الاعتقال أو التصفية أثناء حملات التطهير العقائدية المجنونة – ، بحيث مررت قائمة أسماء من صدرت أوامر ضدهم أمام ستالين، فحذفه قائلاً: لا تلمسوا ساكن الغيوم هذا!
رغم ذلك فقد استدعته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وعرضت عليه مغادرة الوطن، إلا أنه رفض ، فأوقف نشر أعماله، وفرض الحظر عليه، وتُرك من دون راتب، كما تأثر لاغتيال تروتسكي تماماً، وفضلاً عن ان حياته وحريته استمرت معرضة للخطر، فقد استمر الاعلام الموجه يشوه فيه ويصوره كإنسان معزول عن العالم، و ذاتياً إلى أبعد الحدود، ثم أطلقوا عليه ألقاب: المهاجر الداخلي ، والمرتد، والغريب عن الشعب، والخائن والفظ والخروف الأجرب .. الخ . 
وعن تلك الفترة كتب باسترناك ما وجدته العائلة بين اوراقه :
مثل وحش قطعوا قلمي عن اصدقائي.. عن الحرية.. عن الشمس
ليس هناك سبيل للمضي قدمًا، لا مجال للرجوع


ما من جريمة وقفت عليها
وأدان؟ انا جعلت العالم كله يبكي 
وحتى مع ذلك، ومع انها خطوة واحدة لقبري
ورغم القسوة
رغم قوى الظلام
سوف يسحقهم روح الضوء .
والحال ان سلمية باسترناك التي قررها في تلك المرحلة الهوجاء مع عدم مشاركته في أي نشاط عام او خاص ضد السلطة طوال ثلاثين عاماً من عزلته ، هو ما أنقذه من موت محقق كان يتربص به مبكراً، الأمر الذي طال أعداداً كبيرة من الكتاب والشعراء والفنانين الذين واجهوا موت السلطة الستالينية، خاصة الشباب منهم الذين وضعوا على الحائط واطلق النار عليهم بصورة شنيعة، أو وجدوا أنفسهم يموتون في منافي معسكرات العمل القمعية.
.
.
لقد ذهبت مطرقة ستالين الحديدية، بينما بقي باسترناك قيمة عليا للكاتب والأديب الحر. 
فبعد وفاة باسترناك تم الغاء القرار بطرده من اتحاد الأدباء! 
ولم يجدوا في خزانته مايخصه بعد رحيله سوى بضع كتابات متفرقة اضافة الى حذاء والده وجاكيتين قام بخياطة أحدهما بنفسه!
وفي 1987 مع بداية البيريسترويكا تعالت الأصوات الجارفة لإعادة الاعتبار لبوريس باسترناك وعمله الانشقاقي النبيل الذي صار ممجداً في الذاكرة الروسية والعالمية، ليتم السماح بشكل رسمي بتداول الرواية التي كانت ممنوعة وتهرب الى روسيا بينما تلاقي شعبية كاسحة، وكانت قد اصبحت على رأس أهم الأعمال الكلاسيكية الفارقة في القرن العشرين، فضلاً عن انها تحولت إلى أيقونة ضد الخطاب الأحادي الصارم-الذي لايسمع إلا نفسه ويخون ما عداه- بسبب وقوفها موقفاً نقدياً واعياً ومبكراً من الحلم الاشتراكي الجليل الذي تحول- بفعل حماقات وفظاعات متعددة ورهيبة - إلى تبرير للانحرافات وللأخطاء وللجرائم، ما صنع خيبة كبيرة في نفوس من كانوا آمنوا بالثورة، وكانوا يحذرون من انتكاساتها، ولا يتم الاستماع لهم بمسؤولية] . 
.
.
.
اليوم الأحد تم تشييع جثمان الفنان المصري العالمي عمر الشريف ، المجسد الفذ لشخصية الديكتور زيفاجو. وبالتأكيد تخسر السينما العالمية- وليس العربية فقط -برحيله واحداً من أجمل وأرقى عباقرتها في الأداء الإبداعي البارع، لا أداء الكليشهيات المملة والسامجة!
غير ان ما هو مؤسف أن يرحل الفنان العالمي المتألق وصاحب الأدوار الصعبة التي امتعت عديد أجيال في مستشفى لكبار السن، وحيداً، وفي حالة زهايمر قاسية. 
.
.
وداعاً دكتور زيفاغو الذي لا يموت!

(*) شاعر يمني

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا