معركة القلمون: انتصارات حزب الله وهزيمة الدولة اللبناني

2:56:00 ص
معركة القلمون: انتصارات حزب الله وهزيمة الدولة اللبنانية
تمّوز/ يوليو 2015(مباردة الاصلاح العربي)

نائلة موسى

في شهر شباط / فبراير 2015، أعلن حسن نصر الله عن معركة القلمون، وهو إقليم جبلي سوري على الحدود اللبنانية. ولكن الحرب لم تبدأ إلا في الأسبوع الأول من أيار / مايو، وأعلن نصر الله انتصاره في السادس عشر من الشهر نفسه، مدعيا أن قواته تدخلت في القلمون لكي تحرر الأراضي اللبنانية من "المقاتلين التكفيريين". وعلى الرغم من ادعائه باسترجاع مساحة تقدر بـ 300 كم مربع من أولئك المقاتلين، إلا أنه أعلن أن الجرود المحيطة ببلدة عرسال اللبنانية لا تزال غير محررة. وأن المعركة بالتالي لا تزال مستمرة.

إن انتصار حزب الله رمز لهزيمة الدولة اللبنانية. وهو يوضّح بشكل جلي فشل عملية إعادة بناء الجيش بعد عام 1990 وغياب الإجماع حول دور الجيش في إطار الاستراتيجية الدفاعية الوطنية للبنان.

وما الوضع الراهن إلا نتاج لتلك المشاكل التي تلت الحرب الأهلية غير المحلولة والمؤجلة بشكل مفتوح. حيث أُعيد بناء الجيش عام 1990 تحت المظلة السورية، مع تقسيم للعمل في المشهد الأمني: فتكفّل حزب الله بالصراع الخارجي مع إسرائيل بينما تحول الجيش إلى "شرطة عليا" مهمتها حماية النظام الأمني السوري-اللبناني، وبخاصة من خلال جهاز المخابرات التابع له. بيد أن الوضع لم يتغير حتى بعد الانسحاب السوري عام 2005، فلم يستطع اللاعبون الكبار في لبنان تحقيق توازن جديد أو الوصول إلى توافق حول استراتيجية دفاعية وطنية. ولئن دلّ هذا عل شيء فعلى محدودية عملية إعادة البناء وعدم كفاية عملية توحيد الجيش ودمج وحداته المقسمة على أساس طائفي في جيش وطني واحد. ولا غرو أنه من دون استراتيجية دفاعية واضحة تحدد من هو العدو ومن المخول بمحاربته، فإن الجيش سيظل مشلولا في وضع "انتظر لنرى" ما يؤدي إلى ازدياد دور حزب الله.

وباختصار، فكلما تضاءل دور الجيش تعاظم دور حزب الله. وفي غياب استراتيجية محددة، سيتمكن حزب الله من الادعاء أن معركة القلمون هي لحماية الأراضي اللبنانية من جهاديين لا يقلون خطرا عن إسرائيل. لقد مدد حزب الله دوره من قتال إسرائيل إلى مقاتلة كل الأعداء، محتكرا بذلك الأمن اللبناني الخارجي.

ما هي مهمة الجيش إذن؟ إن معركة القلمون، والحرب في سوريا عموما، قد بينت غموض دور الجيش اللبناني وتطلبت توازنا دائما من قبل قيادة الجيش: بمعنى، أن الجيش يؤمن الحدود بحيث يتمكن حزب الله من التدخل في سوريا. ويُتَّهَم الجيش بأنه يقاتل في معركة حزب الله والنظام السوري ضدّ المقاتلين الجهاديين. لقد بين نصر الله بوضوح أنه لا يريد زج الجيش اللبناني في معركة القلمون وأن الحزب "ضنين بإراقة دم الجنود والضباط" هناك. غير أن حلفاء حزب الله يبالغون في انتقاد الجيش بسب "تقاعسه" في جرود عرسال، حيث لجأ الجهاديون بعد معركة القلمون. بيد أن الجيش لا يمكنه أن يتدخل بدون توافق سياسي، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل إحجام سعد الحريري أبرز زعماء السنة عن الموافقة على مثل هذه العملية في هذه المنطقة السنّية الحساسة.

لقد أظهرت قيادة الجيش، في ظل غياب قرار سياسي، حذرا كبيرا في هذه القضية. وكان على العماد جان قهوجي أن يأخذ بعين الاعتبار التوازن الطائفي شديد الحساسية في داخل مؤسسته التي يتواجد فيها تمثيل كبير للسنة. وقد شكلت أزمة عام 2008 الإنذار الأول، فعندما قام حزب الله وحلفاؤه بمهاجمة المناطق السنّية في بيروت، قدم الضباط السنّة استقالاتهم. ورغم أن الجيش رفض تلك الاستقالات وتمكن من احتواء الأزمة آنئذٍ، فمن الممكن ألا ينجو من حالة شبيهة في المستقبل. أضف إلى ذلك أن الجيش تلقى أسلحة فرنسية الصنع بقيمة 3 مليارات دولار كمنحة سعودية وكما تلقى مساعدة عسكرية أمريكية. وقد ترك هذا، كما هو متوقع، أثرا على وضع الجيش، وأضاف تعقيدا جديدا على مسألة التوازن الطائفي الذي ينبغي على قيادة الجيش أن تتوصل إليه. وأخيرا، يبدو أن العماد قهوجي في وضع حرج، لأنه مراقب عن كثب من قبل الجميع. ولا ننسَ أن لبنان بدون رئيس الآن لأكثر من سنة، ومن الطبيعي أن يعتقد قهوجي أن ثمة فرصة أمامه لملئ الشاغر. والمعروف أن منصب الرئيس وقائد الجيش كليهما من حصة الطائفة المارونية، وفي الأزمة السياسية الماضية كان الحل هو انتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية. والحال أن اثنين من رؤساء الجمهورية الثلاثة منذ انتهاء الحرب الأهلية كانا قائدين للجيش. فلا غرو إذن أن يسعى قهوجي الى عدم الانحياز لحلف دون آخر أو أن يدعم طرفا دون آخر.

وبينما يظل الجيش في حال من الشلل بسبب كل هذه الاعتبارات، يقوم حزب الله باستعراض نفسه خارج الحدود اللبنانية، وهو ما يضعف أكثر الدولة اللبنانية التي لا تحتكر الاستخدام الشرعي للعنف ولا تسيطر على قوة مسلحة يمكنها أن تتدخل في شؤون دول أخرى من دون موافقة الحكومة، على الرغم من وضعها "المحايد" حيال الصراع السوري.

وعلى الرغم من محدوديته، ينشر حزب الله النموذج اللبناني على صعيد المنطقة ككل من خلال تدخله في سوريا والعراق ومن خلال دعوة نصر الله للبننة القطاعات الأمنية الأخرى. بالنسبة لنصر الله، فإن نقل التجربة اللبنانية القائمة على المعادلة الذهبية "الشعب والجيش والمقاومة" إلى البلدان العربية الأخرى – أي تهجين القطاع الأمني – هو الحل الوحيد لمواجهة التحديات الأمنية وخاصة من قبل داعش. لقد أثبتت الأزمة السورية عدم مقدرة الميثاق الوطني اللبناني (عام 1943) الذي أسس لحياد لبنان (لا للشرق ولا للغرب)، ولكنه بالمقابل لم يؤديِ إلى اتفاق وطني بديل. ونرى ذلك بداهة في مواقف الحريري الرافضة لربط لبنان بالأحداث الإقليمية والمؤكدة أن حزب الله يتحمل وحده مسؤولية تورطه في سوريا التي لا ينبغي أن تنعكس لا على الجيش ولا على الدولة اللبنانية.

قد يكون صحيحا أنه ما كان بمقدور تبني استراتيجية دفاعية وطنية أن تحمي لبنان من نتائج الصراع السوري، ربما بسبب ارتباط القادة اللبنانيين القوي بالعوامل الخارجية. ومع ذلك، فإن الاتفاق حول هذا الموضوع بالغ الأهمية كان يمكن له أن يُظهر على الأقل أن الحلول "اللبنانية" ممكنة. إن الاستقطاب الحاد يجعل التوصل إلى مثل هذا الاتفاق مستحيلا اليوم. ومهما كانت نتائج الحرب في سوريا، سيكون من الصعب للغاية مناقشة هذه القضايا والتوصل إلى إجماع حولها. وسوف يستمر لبنان في انتقاله من أزمة إلى أخرى.

  
  
عن الكاتب
نائلة موسى باحثة في مبادرة الإصلاح العربي ومنسقة برنامج "الأمن في مرحلة ما بعد الصراع في المجتمعات متعددة المكونات". حازت على شهادة الدكتوراه من معهد باريس للعلوم السياسية

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا