حسين الموزاني(*) حول الفنّ والأخلاق

4:23:00 ص
فايسبوك
أصبحت مقتنعاً ومنذ زمن بعيد نسبياً بأنّ الإنسان يقتدي عادةً بالمثل السيىء وليس بالمثل الجيّد. وذلك يتناسب مع الطبيعة البيولوجية والمنظومة الأخلاقية للإنسان. وتحتم عليه تركيبته الجسدية أن يختار ما هو سهل وفي متناول اليد ودون جهد، لأنّ صفة الكسل والتثاقل هما من أهم صفات الإنسان، ولذلك يميل إلى الكذب والتسويف والجبن والنميمة والخضوع وما إلى ذلك من الصفات الملازمة له. لأنّه لم "يخلق" صدفةً من أجل إنجاز الأعمال العظيمة التي تتطلب منه جرأةً وخروجاً عن منطق القطيع. وأعتقد أنّ الفنّان الحقيقيّ هو أشدّ الناس شجاعةً على الإطلاق. ويمكن أن نسأل هنا اختصاراً: متّى يمكن محاكمة الفنّان أخلاقياً؟

نحن نرى هنا عملين فنيين أحدهما "نصب الحرب" للفنّان التعبيري الألماني غيورغ كولبه ١٨٧٧-١٩٤٧ ونصب "الشهيد" للفنّان العراقي إسماعيل فتّاح الترك ١٩٣٤-٢٠٠٤. وجاء نصب كولبه بمثابة "تخليد" لذكرى الجنود الألمان الذين قلتوا في الحرب العالمية الأولى. وكتب عليه Ihr seid nicht umsonst gestorben ,وتعني أنكّم لم تُقتلوا مجاناً، أو أن دمكم لن يذهب هدراً بمعنى مجازي. وهي عبارة ثأرية انتقامية بلا شكّ. لكنّ غيورغ كولبه لم يكتبها، ولم يكن عضواً في الحزب النازي وكان معادياً للحرب في أعماقه. ولم ينل هذا النصب رضا النازيين عندما رفع الستار عنه عام ١٩٣٥، لأنّ كولبه أسبغ ملامحَ إنسانيةً مسالمةً على وجهيّ الجنديين، بل إنّ هناك إيحاءات جنسيّةً وحسيّةً في النصب. وكان النازيون الذين اعتبروا كولبه من جماعة الفنّ المنحط قد دمّروا الفنّ الألماني الحديث بالكامل. وتنكروا لفنّانين كبار من أمثال فيلي باومايستر وماكس بيكمان وأرنست بارلاخ وأوتو دكس وغيورج غروس وأرنست لودفيغ كيرشنر وأوسكار كوكوشكا وماكس بتششتاين وكيتي كولفيتس وباول كلي وفيلهم ليمبروك وأوسكار شليمر وكارل شميدت-روتلوف. وكذلك فعل حزب البعث مع الفنّانين غير البعثيين، واضطرهم إلى مغادرة بلدهم ولم يعد معظمهم إلى العراق حتّى يومنا هذا. ومنهم فنانون كبار.
 والآن نعود إلى نصب "الشهيد" لإسماعيل فتّاح الترك الذي يقال إنّه كان عضواً في حزب البعث. لكن ما أعرفه عنه هو أنّه وضع عدداً من النصب للشعراء غير المقربين من النزعة البعثية العنصرية وهم أبو نؤاس ومعروف عبد الغني الرصافي وعبد المحسن الكاظمي. فإذا ما أردنا إزالة نصب "الشهيد" بحجة أنّ الترك كان بعثياً، فعلينا أن نزيل نصب الرصافي والكاظمي وأبي نؤاس أيضاً. وأظن أنّ فكرة إزالة النصب لا علاقة لها بالبعث ونظام صدّام، بقدر ما هي تلبية لرغبة إيرانية تريد الحكومة "الشيعية" تنفيذها ليس إلا. لأنّنا نعلم أن معظم ساسة العراق و"مثقفيه" و"صحفييه" وقادة جيشه هم من البعثيين الذين مازالوا متمسكين بأفكار البعث وصدّام. فلماذا لم يخضعوا للإزالة؟ ولا أعتقد أنّنا بحاجة إلى ذكر الأسماء، وهناك من يعرفهم أفضل منّي ويمكن أن يعدهم واحداً واحداً. وبهذا المعنى


فإنّ تدنيس القوّات الأمريكية لهذا النصب لا يقلّ بشاعةً حتّى من المطلب الإيراني العنصري. فهو انتهاك صارخ لكرامة الجنود العراقيين الذين قتلوا في الحروب. ومن يفتقد إلى ذرّة من الأخلاق فلا يحقّ له أن يحاكم الآخرين أخلاقياً.
كاتب وروائي عراقي مقيم في ألمانيا

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا