الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

سمير قصير

انها لحكاية عشق فريدة، ترويها ملصقات السينما المصرية والعربية التي ضمها معرض "قصة حب" في اطار مهرجانات بيت الدين لسنة 2003. ليس فقط لان المعرض استلهم في عنوانه اللغة العاطفية التي طغت في الاعما

ل المشكلة له، بل لنه ينقل بالفعل، وصورة بعد صورة، قصة عشق لم ينضب. انه العشق الذي شد الجمهور العربي، وفي كل البلاد، الى اختراع الاخوين لوميير بعدما أفضى الى تلك الصناعة الوطنية التي مثلتها السينما المصرية ولا تزال.
كان للحكاية تمهيدها حين اكتشفت القاهرة ثم بيروت آلة العرض الحديثة العهد في اوائل القرن العشرين، وراح الاخوان لوميير يصوران أزقة القدس العتيقة. لكنها بدأت فعلا في عشرينات ذلك القرن، وتسارعت وتيرتها عام 1935 عند تأسيس ستوديو مصر بدعم من المصرفي طلعت حرب. واستمرت المغامرة، تصعد وتهبط، فجعلت من القاهرة القطب الثالث للسينما العالمية بعد هوليوود وبومباي (المعروفة باسم بوليوود) وقبل شينيشتا الايطالية.
وكانت السينما المصرية قد حظيت، مع اختراع السينما الناطقة، بدعم ثمين من الاغنية الجديدة، فزادها سحرا. هكذا، أتى النجوم الاوائل للسينما المصرية من الاغنية: عبد الوهاب وليلى مراد (وكيف ننسي "بلاش تبوسني في عنَّي""؟) وحتى ام كلثوم، كان لقاء الفنين منذ اللحظة الاولى مقنعا، ولعل القاهرة كانت جاهزة لاستنباط الفيلم الموسيقي لو لم تسبقها هوليوود. وجاء فريد الاطرش ليؤكد قران السينما بالموسيقى، وسط ديكورات الكاباريهات الاكثر هوليوودية من هولييود، وبعده عبد الحليم حافظ، العندليب الاسمر الذي لا يضاهى. كذلك، اثبتت اللبنانية صباح منذ نهاية الاربعينات، ومن ثم مواطنتها سميرة توفيق ووردة الجزائرية وكثيرات غيرهن، وكل في لون، ديمومة هذا الزواج الذي الهم كمية من الافلام - وعددا مماثلا من الملصقات كأنها بطاقات دعوة الى الفرح. لكن الحفل في بلاد الكيف لا يكتمل من دون الراقصة، ولم تتأخر السينما المصرية في جعل الرقص الشرقي محطة الزامية في اي فيلم موسيقي، وقد رفعته تحية كاريوكا ثم سامية جمال الى مصاف الفن الكامل المكتمل.
هكذا راح الشغف يولد شغفا. وخلف طقوس الترفيه التي حدت بالجمهور المصري والعربي عموما الى عبادة نجوم الشاشة، بدءا بنجوم الطرب، كشفت السينما بأي حماسة انطلقت مجتمعات الشرق الاوسط لتعيش تحولات حياتها اليومية وتعبيراتها الرمزية. وبمساعدة من كتاب كبار لم يترددوا قط في تحويل رواياتهم افلاما او حتى في المساهمة في كتابة السيناريوهات، طبع المخرجون الحداثة في الاسود والابيض، ومن ثم في "الألوان الطبيعية" التي اتاحها اسلوب الـ "تكنيكولور" طبعا، هنا كما في ايطاليا، طغى عالم "الهواتف البيضاء" الذي سخر منه دينو ريزي، وطغى عليه الـ "غلامور" هذا الاغراء البهي البراق الذي صدرته هوليوود، لكن ابن البلد، ابن القاهرة القديمة، لم يتوار امام الخواجات، ولا فلاح الدلتا فعل ذلك ايضا.
لا شيء ينبئ بهذا التحول اكثر من تلك الملصقات التي راحت تتوالد حول شبابيك التذاكر. واي تحول كان هذا الذي ثبت في عمق المخيلة العربية ظاهرة رفع الحداب، وهو ما كانت هدى شعراوي قد بادرت اليه بعنفوان علني من على عتبة القطار وسط محدة القاهرة. وتضاعفت بذلك مرات ومرات فاعلية الرفض. فها هي الملصقات تميط اللثام عن نساء يستعدن حرية اجسادهن، بل ترفع هذه الحرية على طول المباني وتزرعها على النواصي العامة. بالقياس التاريخي، كانت سرعة التغيير مذهلة، اذ نقلت فجأة المرأة من الاسر الى مصاف "معبودة املايين" ادت صباح هذا الدور لفي الفيلم الذي حمل الاسم نفسه، لكن الملصقات لم تنتظره لتراهن على تلك العبادة، بفضل تصاميم نجحت في التقاط تحية كاريوكا بجرأتها. وهند رستم بشهيتها، وماجدة ذات اللمى، وشادية الدلوعة، والطلة الاميرية التي تراءت بها مريم فخر الدين، وأناقة برلنتي عبد الحميد التي لا عجب ان خلب جمالها مشيرا حتى الضياع، ومن ثم ضحكة نجلاء فتحي القاتلة والبراءة الملتبسة التي حملتها زوزو، تلك التي كان قيل لنا خلي بالك منها، والتي تجسدها الى الابد صورة سعاد حسني في ثياب النوم.
ورغم التموجات، بلغ التحول حدا كان يستحيل بعده ان تمحو آثاره العودة الى الطهرانية التي حدت، منذ بداية الثمانينات، ملكات العشق السابقات الى ارتداء الحجاب، ولا انتقادات تحججت بالنسوية لتأخذ على السينما تحويل الجسد النسائي سلعة جنسية,. اصلا، لم يكن هناك من خصوصية نسائية، فالرجل ايضا سلعة جنسية، يبدو ذلك جليا عند النظر الى الطريقة التي صور بها عمر الشريف او رشدي اباظة او حسين فهمي، من دون ان ننسى شاربي عماد حمدي. وبات الرجال والنساء، وهذا جديد آخر، على قدم المساواة، فالقبلة السينمائية تفرض عليهما الندية. ولم تتردد الملصقات في التركيز على القبلة من الثغر الى الثغر- وكلاهما ملتهم- التي يتبادلها فهد بلان مع مريم فخر الدين وعبد الحليم مع ناديا لطفي. لكن الجسد والوجه لا يعنيان على الدوام الشهوانية الفالتة من كل عقال. فها هي فاتن حمامة تحمل في الملصقات كما في الافلام، وبفضل فنانين يعلمون مثلها كيف يطوعون قدراتهم، كل المشاعر التي يمكن ان تطلب من ممثلة موهبتها عظيمة. بعدها، عرفت سعاد حسني ثم يسرا كيف تظهران موهبة مماثلة في تنوعها. اما بين الرجال، فكان فريد شوقي يفرض قوته العارية ليصبح وحش الشاشة بلا منازع فيما يستمد يوسف وهبة من هيبته الهادئة لقب الباشا الدائم.
واذ سجلت السينما تحرر الفرد ووسعت رقعته، راحت ايضا تحاكي الاجتماع الوطني. وقد ادركت مصر الناصرية ذلك جيدا، فرغم انها ادارت ظهرها الى الكوزموبوليتية التي طبعت الاسكندرية والقاهرة الخديوية، فانها امتنعت عن معادات السينما، بل سعت الى الغرف من سحرها لمساندة رمزيتها الثورية. فظهرت الاعمال الوطنية الضخمة، في السينما كما في الاغنية، ومنها وطني الاكبر الذي جيش عددا من النجوم حول عبد الوهاب، او الناصر صلاح الدين الذي نيط اخراجه بيوسف شاهين. ومن اجل استعادة ملحمة محرر القدس، اجتمعت لكتابة السيناريو اقلام كبار الادب كلهم، وفي مقدمهم نجيب محفوظ، مثلما تضافر النجوم على الشاشة. ولا سيما نادي لطفي ومحمود المليجي وفريد شوقي، فيما كتب لاحمد مظهر ان يجسد متعملقا الناصر. حتى رسام الملصق ادلى بدلوه، وكأنه شعر برياح التاريخ تهب، فصنع احدى روائع هذا الفن.
ولئن بدا الملصق فنا ثانويا كونه وظيفيا في الدرجة الاولى، الا انه ما لبث ان تحرر. واذ اندرج في سياق تطور عام لفن الغرافيك تجلى في الوقت نفسه في تنسيق المجلات واغلفة الكتب، فقد وجد في السينما مصدر الهامه الاقوى. وباتت السينما العامل الاول في تطور الغرافيك العربي الذي جمع التوليف مع الابداع. التوليف بين، وخصوصا اذا قارنا الملصقات المصرية بتلك التي كانت تنتج في هوليوود او في شينيشتا. لكن الاستعارة من الخارج لم تكن تقليدا قط. وبنتيجة شح الامكانات المادية والتراث الشعبي، راح الملصق المصري يعلن استقلاليته، برسومه المخطوطة بالقلم العريض والوانه الصارخة، التي ظهرت خصوصا في الترويج لافلام الكوميديا من بطولة اسماعيل يس وفؤاد المهندس ولاحقا عادل امام. بل ان الملصق المصري استبق الـ "بوب ارت"، ثم نجح في تقديم تنويعات ناجحة جدا عنه، لعل اكثرها قوة الشفتان اللتان تتوسطان ملصق "الف بوسه وبوسه" وكأنهما خرجتا من محترف اندي وارهول.
اذا كان الملصق المصري يبدو، في النظرة الاسترجاعية، حقلا للـ "كيتش"، الا ان نوعية التصاميم وثراء المفردات الفنية وتنوع الرموز، تؤكد كلها تماسك وسيلة التعبير هذه التي باتت ملازمة للسينما الجماهيرية. وقد ادرك ذلك جيدا الذين عملوا في نقل التجربة السينمائية المصرية، ولا سيما في لبنان، فلجأوا الى الجمالية نفسها وكأنهم ارادوا وسم انتاجهم بختم الاصالة. ظهر ذلك مثلا في الافلام الثلاثة التي لعبت فيها فيروز دور البطولة تحت ادارة مصريين هما هنري بركات ("سفر برلك"، و"بنت الحارس") ويوسف شاهين ("بياع الخواتم") وايضا في الاعمال التي انتجها اللبناني محمد سلمان على الطريقة المصرية وحتى في الافلام التي روجت للمقاومة الفلسطينية. في جميع هذه الاحوال، كان الملصق مصمما على النسق القاهري، وان يكن منتجا في روما - كحال احد ملصقات "سفر برلك". الا ان "السينما البديلة" اختارت من جهتها في السبعينات الابتعاد عن هذا النوع من التصوير مفصلة جمالية فتية نخبوية. بذلك تناست ان معلمين كبارا من امثال يوسف شاهين وصلاح ابو سيف وهنري بركات عرفوا كيف يتجنبون الترفع. وتجاهلت ان فناني الغرافيك، متى حلوا ضيوفا على البطولة، كتبوا احدى القصص الاشد اثارة في مغامرة الحداثة العربية، بل صفحة يجوز اعتبار طمسها احدى اكبر المظالم في تاريخ الفن العالمي في القرن العشرين.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top