الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


 

السبت 27/06/2015
راجت في السنوات القليلة الماضية، العودة إلى أفيشات السينما المصرية وحكاياتها ونجومها وناسها، وصدر في هذا الخصوص أكثر من كتاب وكتالوغ، وافتتح أكثر من معرض خلال المهرجانات الثقافية، كلها تروي حكاية الأفيش السينمائي المصري ودوره، إلى درجة أن الناقد السينمائي محمود قاسم قال: "الدنيا أفيش"... الراحل سمير قصير، وفي اطار مهرجانات بيت الدين 2003، كتب مقدمة كتالوغ "قصة حب السينما العربية في ملصقاتها"، وتبيّن أن صاحب الفكرة آثر الاستعاضة عن نشر كاتالوغ مجلد، ومبوّب في شكل متعارف عليه، بإعطاء الملصقات مساحة التعبير عن نفسها بنفسها. دار الشروق أصدرت "أفيشات السينما المصرية" مع مقدمة موجزة للناقد السينمائي محمود قاسم، يتناول فيها تاريخ هذا الفن وأشهر فنانيه. وقدر للناشر اللبناني عبودي أبو جودة أن يقبض على الزمن من خلال جمعه ملصقات السينما العربية والأجنبية أيام زمان في مكتبته، لم يكن الناشر هاوي جمع الملصقات يتوقع أنها ستغدو مع الأيام ثروة ثقافية يتبارى منظمو المهرجانات والمواسم على عرضها في المناسبات والتظاهرات الثقافية والسينمائية. وفي نفس سياق ما ذكرناه، تأتي اعمال المصري سامح فتحي، فهو أصدر في البداية "الأفيش الذهبي في السينما المصرية" و"أنبياء في السينما العالمية"، وقبل مدة قصيرة، أطلق عمله الأهم "فن الأفيش في السينما المصرية"، يقدم مجموعة جديدة نادرة من أفيشات الأفلام المصرية، وينم ذلك عن عشقة للسينما وتاريخها.

يقول سمير سيف في تقديمه للكتاب إن سامح فتحي في وصفه لرحلة أفيش الفيلم المصري منذ بدايته وحتى اليوم، يتنقل بين موضوعات مختلفة لا ضابط لها، ولا تخضع لتبويب ما، مثل: "الأفيش والرقابة"، و"الحقبة اليونانية أثرها في صناعة الأفيش المصري"، وهو ينطلق في وصف لعدد من الأفيشات يعبّر عن انطباع الكاتب وذوقه الشخصي، ولا يتردد في التحسر على الأفيشات التي تعتمد على التصميم ورسم اليد، والتي تنم عن مهارة الفنان ودقة احساسه وتوفر عنصر إنساني فيها تفتقده الأفيشات المصممة في الكمبيوتر... ويقر فتحي بأن الذي جعله يتجه الى هذا المجال، أي تجميع الأفيشات، أنه وجد بعض الأجانب خاصة اللبنانيين والأميركيين، يحتفظون بأفيشات السينما المصرية، يتباهون بها ويتفاخرون فيها ويعرفون قيمتها، "مما أشعرني بالغيرة على فن مصري خالص".

حفل كتاب فتحي (اصدار خاص) بمئات من نماذج أفيشات (أو ملصقات أو بوسترات) السينما المصرية، ما يمكّن من اعتباره سجلاً حافلاً ووثائقياً لها. ولا شك أن فن الأفيش (المصري)، شأنه شأن نظيره في السينما العالمية، مر بمراحل وتطورات، بل ومنعطفات مهمة منذ أن ظهر الى الأن، فقد ظهر من خلال تلك المراحل التأثر التام بالفن السينمائي الذي يدور فن الأفيش في فلكه. كما توصل فتحي الى العديد من النتائج منها تأثر الأفيش المصري بالأجنبي، وهو ما يعكس "سيطرة الغرب على كثير من مناحي الحياة المصرية"، حيث أن الفنان المصري يضيف لمسات لـ"تمصير الأفيش"، لتعطي له "المذاق المصري مع الروح الأجنبية"، فقد انتقلت ظاهرة الاقتباس من القصص والموسيقى إلى الأفيشات، وتكاد هذه الظاهرة تركز على الاقتباس من السينما الأميركية لما لها من تأثيرها العالمي، فأفيش فيلم "حواء والقرد"(1968)، اخراج نيازي مصطفى، على النمط نفسه لأفيش فيلم "مليون سنة قبل الميلاد"(1966) وفيلم "عريس مراتي" الذي أنتج في العام 1959، مثلاً أخذ من ملصق الفيلم الأجنبي "الطبقة الأرستقراطية" الذي أنتج في العام 1956، الذي قام ببطولته فرانك سيناترا مع غريس كيلي وبنغ كروسبي. وأفيش فيلم "ارحم حبي"(1959) أخد عن الفيلم الاجنبي "الاستحواذ الرابع"(1954) بطولة روك هيدسون وجين وايمان... ولم تكن الأفيشات تخضع للرقابة الرسمية بصورة كبيرة، نظرا لأنها لوحات تعبر عن وجهة نظر صانعيها، وهي رسومات أقل إثارة بالطبع من شريط العمل السينمائي، لذلك فقد شهدت الأفيشات المصرية فترة طويلة من الحرية في التعبير خاصة في الستينات والسبعينات، لكن كانت هناك رقابة أشد من الرقابة الرسمية، تلك هي رقابة المجتمع التي كانت من الممكن ألا تقبل أفيشا لجرأته أو خروجه عن أعراف المجتمع، مما يجعل ذلك المجتمع يحاول تغيير ما في الأفيش باليد والاستهجان والتمزيق مثلما حدث في أفيش فيلم "شهر عسل بدون ازعاج"(1968) للمخرج أحمد فؤاد، حيث رسم صانع الأفيش عبد العليم الفنانة ناهد شريف عارية من الخلف...

ويرى سامح فتحي أن الفضل في صناعة الأفيش وفنه يعود إلى الأجانب من الجنسية اليونانية، إضافة الى أن هؤلاء حملوا تلك الصناعة من بلادهم، وكانت لهم علاقة قوية بفني التصوير الفوتوغرافي والرسم. ومن هذا المنطلق بدأ هؤلاء الذين كانوا في البداية يتمركزون في الإسكندرية بمواكبة ذلك الفن الجديد، وهو فن السينما الذي جاء إلى مصر بعد انطلاقة مباشرة في باريس في كانون الأول (ديسمبر) 1895 فكان أول عرض سينمائي في مصر في مقهى "زواني" في الاسكندرية في يناير 1896، وتبعه أول عرض في القاهرة في 28 كانون الثاني (يناير) 1896. ويسجل للإسكندرية أيضاً صدور أول مطبوعة مهتمة بالفن السابع الوليد آنذاك عام 1924، حين نشر الناقد والمؤرخ السينمائي السيد حسن جمعه مجلة "معرض السينما". ثم شهدت المدينة أيضاً نشرة أخرى بعنوان "مينا فيلم" قبل أن تطلق في القاهرة مجلة "نشرة أولمبيا السينماتوغرافية" عام 1926.

ورغم المعلومات العديدة التي يتضمنها كتاب سامح فتحي فإن أبرز ما فيه والذي يشكل عموده الفقري هو حديثه عن فناني لأفيش عبر مرحله المختلفة، اذ لطالما كان السؤال عن هوية الذين يرسمون الملصقات، فهم أشبه بجنود يعملون في الظل، يرسمون النجوم ونادراً ما نرى صورهم أو نعرفهم. في الإطار، يوقعون على أعمالهم ولا يقيمون معارض لرسوماتهم التي تنتمي إلى فن الـ"بوب آرت" والـ"كيتش" إذ جاز التعبير.  

فمع افتتاح أستوديو مصر في العام 1935، كأحد مشاريع شركة مصر للتمثيل والسينما التي أسسها طلعت حرب عام 1925، انتقل الثقل السينمائي إلى القاهرة ولم يطل بعدها المقام بالملصق السينمائي قبل أن ينتقل فنانوه إلى القاهرة بفعل مغريات شركات الإنتاج الموجودة فيها، ليؤسسوا ورشاً عدة ورثها عنهم المصريون لاحقاً بعدما تشربوا سر الصنعة. وكان من أشهر الورش في هذا المجال، ورش إعلان ضخمة مثل ورشة إعلان الثغر (وصاحبها خميس الثغر السكندري أصلاً) وورشة محمد مفتاح، وورشة عبده محمد، وورشة على جابر، وورشة المصري لصاحبها وحيد شعير، و"مطابع السينما العربية" للفنان جسور، وهي مؤسسة أهلية عملت عشرات الأعوام على تنفيذ ملصقات لمئات الأفلام.

ويؤكد سامح فتحي أن بداية صناعة الملصق المصري بأيد مصرية كانت على يد جيل الرواد المصريين الذي عمل مع اليونانيين متمثلاً في الفنانين راغب وعبدالرحمن. راغب الذي عمل في مجال التمثيل وظهر كشخصية ثانوية مع أنور وجدي في فيلم "العزيمة"، رسم العديد من الملصقات من مثل ملصقات أفلام "يحيا الحب" و"شاطئ الغرام". وقد تخرج في مدرسته الكثير من رسامي الأفيشات لعل أشهرهم الفنان جسور، الذي تعود شهرته إلى قدرته البارعة في رسم الوجوه وصوغها. وتعادل موهبته في تصميم الملصقات موهبة جمال قطب في تصميم أغلفة الكتب. من يتتبع مراحل تطور جسور خلال ثلاثة عقود من الزمن، يجد أن طفرات ملحوظة حدثت في رحلة هذا الفنان... ففي فيلم "لقاء في الغرب"، لم تكن ملامح الابطال واضحة بالصورة نفسها التي رأيناها على ملصق أو افيش فيلم "اعتداء"، ما يعكس تطور الفنان، واسمه الحقيقي حسن مظهر، وصمم الملصقات لعدد من الأفلام منها "لقاء في الغروب"، و"أحمر شفايف"، و"بحبوح أفندي"، وهو مصمم أغلفة روايات نجيب محفوظ، "بين القصرين" و"قصر الشوق"، و"السكرية".

كما أن الفنان عبدالرحمن من رواد رسم الأفيش المصري مع راغب، وقد رسم العديد من ملصقات الأفلام مثل أفيشات أفلام: "الجريمة والعقاب" و"النمرود" و"قلبي يهواك" و"الهاربة". وقد كان الخواجة ديمتري اليوناني الأصل منفذاً لأفيشات عبدالرحمن بعد أن كان متخصصاً في تنفيذ أفيشات مواطنه فاسيليو الذي يعد من أفضل رسامي الأفيش اليونانيين، وظهر مع جسور الذي جعل من الفنان أحمد فؤاد منفذاً أساسياً له، في أواخر الأربعينات، ثم ظهر بعدهما عبدالعزيز ومرسيل اليوناني الأصل، وكان هؤلاء الأربعة هم أهم رسامي الأفيشات المصرية في فترة الخمسينات والستينات. ثم تلى هذا الجيل جيل الفنان أنور علي الذي ظهر أواخر الخمسينات ورسم أكبر كم من الأفيشات بداية من السبعينات إلى التسعينات. ثم ظهر الفنان مرتضى أوائل السبعينات، وكان تلميذاً لعبد العزيز الذي اتخذ من الفنان وهيب فهمي منفذاً أساسياً له. وبداية وهيب فهمي في فن الأفيش مع جسور الذي علم وهيب فهمي فن تنفيذ الأفيش على الزنك، وهيب فهمي نفذ في بداياته أفيشين لجسور هما "الغجرية" و"النغم الحزين"، ثم عمل في تنفيذ كل أعمال عبدالعزيز....

أهم ما يمكن استخلاصه عند تأمل الأفيشات، هو قدرتها على التعبير عن العصر الذى ظهرت فيه، فالكتاب يحتشد بأفيشات منذ عام 1933 حتى سنة 2012، وهي مدة زمنية طويلة توضح كيف تبدلت الأحوال في مصر، ففى الفترة من الأربعينيات حتى السبعينيات لم تكن هناك مشكلة في أن يحتوي الأفيش على صورة نجمة نصف عارية، أو مشهد يصور قبلة حارة بين البطل والبطلة، على ان تلك الملصقات القديمة التي غابت عن واجهات السينما اليوم باتت أشبه بأقنعة تدل على زمن غابر، تحمل في طياتها إشارات إلى التحولات التي طرأت على عالم الميديا والصورة والرسم، بل تدل على التحول في السينما نفسها، فهي باتت في مرحلة التصوير بطريقة تسمى "ثلاثية الأبعاد" والتي أتت بعد موجة السينما المنزلية التي كسرت هالة الصالة وعتمتها.

كان الملصق الملون بألوان حادة وبراقة وجذابة يروج للأفلام السينمائية العربية والأجنبية، نرى صورة البطل في مشهدية مؤثرة تتراوح بين الإغراء والقوة والرومنسية، كأن الملصق هو صلة الوصل الأولى بيننا وبين الفيلم داخل الصالة، أحياناً يكون لرسام الملصق قدرته على خداعنا من خلال طريقته في إبراز مشهد ساحر. يقول سامح فتحي "لقد ولى زمن صناعة الأفيش القيم الذي كان يعتمد على الرسم وأنواع الخطوط العربية التي يبدع فيها الخطاطون، فقد ولى هذا الزمن، وأخذ معه روائعه وأصول المهنة وجمالياتها، وقد رحل معه معظم مبدعي ذلك الأفيش التقليدي"..

أكثر ما يمكن قوله من خلال كتاب سامح فتحي، ان الملصقات باتت من علامات النوستالجيا، الملقصات التي كانت تبعث الحميمية للمشاهد، أصبحنا نراها في الكتب أو في بعض المجلات أو المعارض، فتحفز إلهامنا على القراءة والكتابة. 

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top