الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


نوافذ
في مطلع الحقبة المعولمة، جرى اعتقاد أن معظم بلدان العالم، ستصبح ديموقراطية. ولكن نخب العالم، تبدي سعادة ملحوظة بالفساد، وباتت مستعدة لمواكبة صعود هذا الفساد.

ليس المرء مضطراً لنيل أحزمة عدة في رياضة «تايكوندو» القتالية، ليدرك أن القتال الأكثر حماوة، يحصل اليوم بين رجال يرتدون سترات «البلايزر». وفي عودة إلى عقد الثمانينات من القرن الماضي، كان ثمة اتحادان اثنان فيدراليان متنافسان يتحكمان بالرياضة القتالية ذات المنشأ الكوري. وفي الأثناء، ثمة في رياضة الملاكمة، أربع منظمات، على الأقل، بمقدور كل منها أن ينصّب بطلاً للعالم.

وهكذا، فإن «الفيفا»، قبل أن تقع في المأزق، كانت تمثل تلك المنظمة الرائعة: هيئة عالمية للرياضة لا حظر عليها. الشكر الأول والأخير لسخاء إدارتها التنفيذية التي تعمد إلى إعادة تدوير أموال الرعاية لتنال منها نصيباً اتحادات قومية صغيرة لقاء محض ولائها لسلطة المركز. على هذا الأساس، أصبحت الفيفا كياناً احتكارياً معولماً كاملاً. كانت، قبل الفضيحة التي انفجرت، قبل أيام، فوق أي سلطة قضائية وطنية، كما يبدو. وعلى الرغم من وجود مقرّها العام في جنيف، فإن الفيفا، أسوة بالعولمة عينها، بدت، فعلاً، تحتل مكاناً في مقعد للدرجة الأولى، في طائرة تعلو 32 ألف قدم فوق الأرض.

وإذا سوّغت أي حكومة لنفسها بما يكفي لتزعم أن الفيفا كانت فاسدة، أو ذات نفوذ مبالغ به، فإن ممثليها في «المنظمة» قد يتلقون تهديداً بالطرد. ولكن بدا، في نهاية المطاف، أن الفيفا خاضعة للقوانين الوطنية، ومن المحتمل، بغض النظر عمّا قد تؤدي إليه المزاعم حول فساد يطاول أفراداً بعينهم، أن تؤدي هذه القوانين إلى انهيار المنظمة. وفي حال انفرط عقدها، فإنها ستقبل على ذلك انسجاماً مع خطوط التصدّع عينها التي تمزّق النظام السياسي العالمي.

تفاقمت هذه القضية إثر انقضاض الـ»أف.بي.آي» (مكتب التحقيقات الفيديرالية الأميركية) على الفيفا، الأمر الذي استدعى إدانة فورية من سوريا. وعندما بدأ التصويت على زعامة بلاتر للفيفا، جرى ذلك على نحو صاخب بين المكوّنات الجيوسياسية للشرق والغرب، في ظل اصطفاف عالمي أسوة بما كانت عليه الوقائع خلال الحرب الباردة بين مختلف الأفرقاء. ومع ذلك، فإن الفيفا تشكل القصة الأخيرة، فقط، من التنافر المتنامي بين مكوّنات العولمة كإيديولوجيا، والتفكك الجيوسياسي كحقيقة. بدليل أن مسابقة الاغنية الأوروبية، على سبيل المثال، تحولت، خلال الخمس عشرة سنة الماضية، مهزلة سياسية. صحيح أنها منافسة موسيقية، أولاً وأخيراً، غير أنها انطوت على حرب إيديولوجية بالوكالة، تتهافت فيها دول اوروبا الشرقية على التعبير عن الولاء لفلاديمير بوتين أو الاشمئزاز منه. وفي مجال الإنترنت، فإن هذه الأخيرة باتت تخضع لـ»بلقنة» متزايدة: الصين التي تشكل خُمس البشرية، محظور عليها استخدام المصطلحات البحثية التي تتطابق مع أحداث سياسية حساسة كهذه مثل الهيئة الحزبية الحاكمة. أما تركيا، فقد اقدمت، بانتظام، خلال فترة الاضطراب السياسي في السنتين المنصرمتين، على تعطيل أجزاء من النظام العالمي الذي يمتلكه ويهيمن عليه كل من الشركات المتعددة الجنسية البريطانية والأميركية. بدورها، البرازيل، مدفوعة بهاجس التملّص من رقابة المخابرات البريطانية والأميركية، تتولى في أنغولا والبرتغال، عملية مدّ الكابلات ذات الألياف البصرية.

اعتقد ممن كانوا يرقبون الصعود المدهش للعولمة في تسعينات القرن الماضي، بأن هذا النظام، لكونه اقتصادياً، فإنه إذا تهاوى، فإن الاقتصاد سينهار أولاً، ثم السياسة، ثم الإيديولوجيا المعولمة بعدهما. أثبتت هذه المعادلة خطأها، بالكامل. فأنماط التجارة تغيّرت، بالقطع، بعد أن بلغت الحقبة المعولمة ذروتها الصادمة، نتيجة الأزمة المالية الخانقة لمصرف «الأخوين ليمان». ومع ذلك، لم تُصب السوق العالمية بالتشرذم. بدلاً من ذلك، ينهار النظام العالمي على مستويات: الرياضة، الموسيقى، الأنباء، الرقابة والإشراف.

تمثل الفيفا، بكل أزماتها، نموذجاً معبّراً عن الحافز الذي يحدو إلى ضرورة مراقبة الأنظمة العالمية في محتواها الاقتصادي. ففي مطلع حقبة العولمة، جرى الاعتقاد بأن معظم الدول قد تصبح أقلّ فساداً وأكثر ديموقراطية، لأنه يتعذّر على السوق أن تعمل إلا تحت جناح سلطة القانون. غير أن الكارثة التي حلّت بالفيفا، من شأنها أن تشكل أزمة عامة اليوم يعانيها الرأسمال الدولي. طبقة النخبة تكتنفها السعادة جراء الفساد. وهي متأهبة لمعانقة المزيد من الفساد جنباً إلى جنب مع ازدياد الرقابة وتكاثر محطات الترويج التلفزيوني وعسكرة شرطة مكافحة الشغب.

اللوحات الإعلانية المخصصة للترويج لكرة القدم، وكانت في السابق معنية بالترويج للماركات الغربية، أصبحت اليوم معروضة للبيع أمام شركات مثل «غاز بروم» المتحالفة مع الحكام المستبدين الذين كانوا، فيما مضى، يخضعون لحظر من قِبَل الولايات المتحدة. لم تؤدّ العولمة إلى أن يتحوّل معظم بلدان العالم إلى شبيه للغرب، بل إلى إعلاء المثل الغربية، كالديموقراطية والشفافية وحكم القانون؛ وقد أضحت هذه الأخيرة مطوّقة أكثر من أي وقت مضى.

من المحتمل، اليوم، أن تعمد شركتان عملاقتان أو ثلاث من تلك التي تروّج ماركات عالمية على صلة وثيقة بكرة القدم المعولمة، أن تسعى إلى إعادة إصلاح الفيفا، ككيان مستقلّ. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الشكل الجديد المنبثق من الفيفا، سيكون أنصع وأكثر اقتياداً لقيم الاندماج الأميركية، والأرجح أكثر دراً للمال. ولكن، من جهة أخرى، لن يكون هذا الشكل، على الأرجح، معولماً، بكل معنى الكلمة. وفي هذا، ستغدو الفيفا رمزاً لمستقبل الرأسمالية. 

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top