حسين الموزاني(ثلاثة وجوه لبغداد)

12:29:00 م
فايسبوك
ثلاثة وجوه لبغداد، مع الاعتذار للروائي غالب هلسا:


زماناً، عندما كنّا نقيم في بغداد السبعينات، كانت الحانات والمقاهي ودور السينما والمسرح هي التي تحدد خطواتنا ونمط حياتنا ومسريتنا اليومية. ولذلك كنّا نادراً ما نلتقي في حيّ الأعظمية أو الكاظمية، لخلوهما من البارات والمسارح والسينمات. وكانت بغداد متعددة المراكز، فهناك "باب المعظّم" حيث يقع "بار الجباة"، أو بار البلدية، ثمّ "الميدان"، وهو حيّ البغاء، رغم أن بائعات الهوى العراقيات هنّ أشرف من الكثير من ساسة العراق منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا، ثمّ يأتي شارع الرشيد وهو الشارع الأشهر في العالم العربي، والذي يبلغ طوله أربعة كيلومترات بمقاهيه وباراته العديدة، ثمّ يأتي شارع الخيام المعروف بسينما الخيام وبار "الركن الهادئ" والمقهى الكبير الذي كان يجلس فيه الشاعر عبد الوهاب البياتي، بالإضافة إلى المطاعم الشعبية الصغيرة والنظيفة التي تسمع فيها الأغاني العربية نهاراً وليلاً، وخاصة أغاني فريد الأطرش، ثمّ تأتي ساحة التحرير ونصب جواد سليم و"حديقة الأمّة" المحاطة بعشرات البارات ودور السينما الصيفية والشتوية، ثمّ يأتي شارع "السعدون" الذي يبلغ طوله نحو ثلاثة كيلومترات ويضمّ أفضل دور السينما في المنطقة العربية برمتها، وكذلك المسارح العراقية المهمة، وإلى جانبه شارع "أبو نؤاس" الذي يمتد مسافة سبعة كيلومترات بمحاذاة ضفة نهر دجلة، ثمّ تأتي النوادي الراقية في محلة "العلوية" و"الكرّادة". وهذا مجرد جزء يسير من جغرافية بغداد الرصافة، ولم أتحدث عن الكرخ، ولا عن أحياء بغداد العديدة الأخرى. والآن؟ ما الذي أبقاه لنا نظام البعث وصدّام وما تبعه من ساسة الاحتلال، شيعةً وسنةً وأكراداً؟ لا شيء سوى القتل المجانيّ والحرب الطائفية والدمار الشامل، مثلما نرى هنا في شارع المتنبي الذي زرته للمرّة الأولى بعد ستة وعشرين عاماً أمضيتها خارج العراق، وقبل الترميم بالطبع. ومع ذلك فهو شارع يبلغ طوله تسعين متراً فقط، وينحصر


النشاط "الثقافي" فيه على يوم الجمعة وحده، بل بضع ساعات من يوم الجمعة لا غير، قبل أن يصبح شارعاً خاوياً وموحشاً وكئيباً في المساء. وكذلك "سوق الهرج" الذي لايبعد سوى سبعين متراً عن وزارة الدفاع، مركز الحكم في العراق، وكذلك نهر دجلة الكدر والحزين. فأين أصبحت بغداد يا أيّها الناس؟ وأين ذهبت معالمها؟

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا