الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


محمد سويد(ملحق النهار)


 "أيتها الشمس لا تغربي قبل أن تشهدي على أن حبي لها خالد كخلودك، بل إنك تغربين ولكنه لا يغرب أبداً"

(من فيلم "بين الأطلال")

قبل عام من قفل مقهى نجّار في الحمرا، لمحتُ سمير قصير بين زبائن المقهى منشغلاً بتحضير المادة البصرية لكاتالوغ أُعدّ لمعرض اسمه "قصّة حب" وأُدرج ضمن مهرجانات بيت الدين في صيف 2003. أمضى سمير قصير الوقت مدققاً في عناوين أفلام عربيّة قديمة وعناوين مَنْ يمكن العثور لديه على كلّ صورة أو وثيقة متوافرة عن السينما ونجومها في بلاد فارقت عزّها الأثيل.

[صورة مرفقة: Media_181145_TMB.JPG]
شغلني السفر آنذاك عن متابعة بحث سمير ورفاقه في مسعاهم، ولم يسنح لي وقت حتى لزيارة المعرض ومشاهدته في حلته النهائية، غير أني تلقيت من سمير لاحقاً هدية طُويت بمغلف أنيق وكبير حوى لوحات سينمائيّة صادرة عن دار "الليالي". أعلم أن سمير أسس هذه الدار معتزماً الاستمرار في تجربة النشر، ولا أذكر هل تمكنت "الليالي" من مواصلة عملها بعد صدور اللوحات المذكورة. المهم أني حين فضضت مغلف الهدية، قرأت المكتوب من عنوانه، "قصة حب السينما العربية في ملصقاتها"، وتبيّن أن صاحب الفكرة آثر الاستعاضة عن نشر كاتالوغ مجلد، ومبوّب في شكل متعارف عليه، بإعطاء الملصقات مساحة التعبير عن نفسها بنفسها، إذ صدرت فرادى مصحوبة بمقدمة طويلة لسمير قصير ومراجعة فنية نقدية لرنا سلام المعروفة بجهدها الدؤوب في نبش ذاكرة الملصق السينمائي العربي.

كان غلاف مجموعة الملصقات ملوّناً بالأحمر، خُطّت حروفه بالأسود وباللغتين العربية والفرنسية في حين كُتب عنوانه العريض، "قصّة حب"، بالخط الرقعي وتقطيعه المرقط وحركاته الحرة المطابقة للتشكيل الحروفي المستخدم في أفيشات السينما المصرية وإعلاناتها التجارية. ضمت المجموعة ثماني وعشرين لوحة. في طبيعة الحال، استأثرت السينما المصرية بحصة الأسد وغابت السينما السورية وأطل لبنان في نماذج تجارية أبصرت النور إبان مرحلة الإنتاج المشترك مع مصر والانفتاح على الرساميل السورية والتركية طوال ستينات القرن العشرين ومنتصف سبعيناته، ومنها فيلمان للمغنيّة طروب "وداعاً يا فقر" للمخرج المصري فاروق عجرمة و"موعد في بيروت" للسيناريست والمخرج التركي أورتيم كورتش. حملت مجموعة الملصقات تواقيع مصممين شهيرين أمثال عدلي ومراد وراغب وفهمي وعبد العزيز وسفاسيتيو وجسور. حالهم حال العديد من رسّامي الملصقات، آثر معظم هؤلاء إغفال الإسم الأول من هويته وتوقيع عمله باسم عائلته. كان وهيب فهمي مصمم ملصقَي "ألف بوسة وبوسة" و"الرصاصة لا تزال في جيبي" أحد الاستثناءات القليلة.

أحياناً، بدا عمل المصمم ملتبساً بين الرسم والطباعة وإعادة إنتاج الصور الفوتوغرافية المأخوذة أثناء تصوير الفيلم، بل أن الفترات السابقة على ازدهار فنون الغرافيكس من طريق الكومبيوتر وبرامجه المتعددة، أفسحت المجال لنشوء جيل من الرسامين جمعوا في مواهبهم صفات الرسام والطابع والمصور، ولم يخل بعض الملصقات تالياً من تلازم ذكر المصمم والمطبعة/أو المحترف أو حتى استوديو التصوير، مما جعل شهرة المطابع موازية للفنان في غير حال وفي شكل مثير لسوء الفهم. آية ذلك ملصق فيلم "دعاء الكروان" للمخرج بركات والممهور بتوقيعَي استوديو عدلي والفنان عبد العزيز، ويأخذ الأمر منحى معقداً حين يظهر ملصق "الرصاصة لا تزال في جيبي" لحسام الدين مصطفى مزداناً بختم مطابع النصر وتوقيع فنانين أحدهما وهيب فهمي والآخر تسببت رداءة الطباعة بعدم وضوح أحرف اسمه. رغم كل شيء، كان لمطابع عربية عدّة فضلها في حفظ أصول ملصقات والحؤول دون اندثارها بحكم فقدها العناية الأرشيفية اللازمة حتى من مصمميها. ربما الفضل نفسه يعود إلى مكاتب استيراد الأفلام وتوزيعها بيد أن حرص المطبعة ومكتب الاستيراد والتوزيع على حفظ الملصقات ظل بعيداً عن اهتمامات التوثيق ومحصوراًَ في الحاجة إلى استهلاك الفيلم وإعادة عرضه طالما بقي مدراراً للربح.



تمادي الجسد والمفاتن

مقارنةً بمصوّري البلاتو، لم يستأثر مصممو الملصقات السينمائية العربية بفضول البحاثة. يمكن اعتبار معرض "قصة حب" معطوفاً على مجموعة سمير قصير ورنا سلام مثلاً نادراً في البحث والقراءة. عموماً، يصعب إحصاء العاملين في صناعة الأفيش السينمائي العربي. عدا الوارد ذكرهم في مجموعة "قصّة حب"، أثبت المصري جسور استمراره في المهنة أكثر من سواه. ويا للأسف، لا تضم المجموعة الكثير من أعماله. قد لا يجوز وصفه بالرائد أو شيخ طريقة لكن رسوخه في مزاولة عمله أفضى إلى تكريس ملامح عامة للملصق المصري. يمكن تقويم لمساته الفنيّة من التأمل في نموذجين من عمله على فيلمَي "حياة غانية" لحسام الدين مصطفى و"عش الغرام" لحلمي رفلة، حيث يميل إلى السفور في مزج الأحمر والأزرق أو الأحمر والأصفر معاً، وتعبيره عن سخونة علاقة الرجل والمرأة بعيون شاخصة في اتجاهات متباعدة ونظرات متفارقة لا تعرف الاعتدال في إحساسها، يلقيها الرجل على المرأة من بعد ولا تتراءى المرأة مكترثة بها قدر التفاتها إلى نظرة شخص يمر بالقرب منها في الشارع، ترمقه بطرف عينها واستدارة ردفها وانتصابها بقدمين حافيتين فتحمله على الظن بأنه مرامها وهو من تصبو إليه وليس رشدي أباظة أو كمال الشناوي أو عمر الشريف أو شكري سرحان. في كل حال، اكتفى الرسام بإبراز وجه الرجل فيما احتلت المرأة الجزء الأكبر من لوحته وانتحلت صورة مخلوقة تمادت بجسدها حمداً على كرم الغواية والمفاتن. حتى حين يأتي الملصق مركّباً من وجوه نجومه فحسب، ينحو المصمم نحو تصغير وجه الرجل وتكبير وجه المرأة. هكذا، تدلت وجوه كمال الشناوي ومحمود المليجي ومحمد توفيق خلف ظهر برلنتي عبد الحميد في "حياة غانية"، وتأرجح رشدي أباظة وشكري سرحان وزكي رستم بوجوه شاحبة تتوق إلى وصال هدى سلطان في "امرأة في الطريق". في هذا النوع من الملصقات، يذهب الرسام مذهب الإيحاء. ثمة نوع آخر لا يتوانى مصممه عن النقل المباشر للمعنى الجاثم في عنوان الفيلم. أفضل تعبير عن ذلك استلقاء هدى سلطان أرضاً، كاشفةً عن نحرها ورافعة ساقيها من الخلف في ترجمة حرفية لاسم فيلم "إمرأة في الطريق" لعز الدين ذو الفقار. في كلا النوعين، تتشابه الأفكار، فلا يسهل تفريق تصميم سفاسيتيو لملصق "بين الأطلال" عن عمل المصمم عبد العزيز في "دعاء الكروان": في إشارة إلى اقتباس "بين الأطلال" عن قصة ليوسف السباعي و"دعاء الكروان" عن طه حسين، يزدان ملصق كل فيلم برسم لكتاب يميد ويرفرف بين عناق حميم ونجوم يغرقون في "جحيم من القبل"، على ما أنشد محمد عبد الوهاب في "جفنه علّم الغزل".



في بيروت وليس في كابول

على تكرار الرؤية، تبدو الملصقات كأنها مرسومة بريشة شخص واحد، والشخص عموماً رجل نادراً ما مارست المرأة فنه. فقبل انتقال تصميم الملصقات إلى فنون الغرافيكس وتطوره في برامج الكومبيوتر، احتكر الرجل هذه المهنة في العالم العربي، وبدا تأثير المصممين المصريين كاسحاً في صوغ شخصية الملصق السينمائي العربي وتلوينه وتأصيل إغراءاته البصرية وتحويل فتنة المرأة ومحاسنها "حكاية شعب"، على ما حفلت به أدبيات الزمن الناصري. أزعم أن هذا الملصق استمد جاذبيته من فطرته وحسه اليدوي بالأشياء. كان وصف من طراز "الطفل المعجزة" و"نجمة الإغراء" أو جملة من وزن "ترقص، تمثل وتغني" و"أسبوعاً ثالثاُ بنجاح كبير" و"ملك الترسو" أشبه بطعم كفيل اصطياد المتفرج وسوقه إلى السينما وملكوت متعتها. على مرّ الوقت، تحوّل هذا القاموس معجم حواس وأدباً في الرومانسية: من الملصقات العزيزة على قلب سمير قصير، ينفرد فيلم "بين الأطلال" بخاطرة "أيتها الشمس لا تغربي قبل أن تشهدي على أن حبي لها خالد كخلودك، بل إنك تغربين ولكنه لا يغرب أبداً". على غرار الفيلم، اقتبست هذه الخاطرة من قصة يوسف السباعي وتصدرت الملصق ونجميه عماد حمدي وفاتن حمامة ونعيم حبهما.

في كتابته عن ملصقات السينما العربية، لا يبتعد سمير قصير عن الهموم المشهودة له في تجديد الأمل في مغامرة الحداثة العربية والبحث عن الحرية وزيارة معبدها السينمائي حيث انتقلت المرأة العربية من الأسر إلى مصاف "معبودة الملايين"، ونجح مصممو الملصقات في "التقاط تحية كاريوكا بجرأتها وهند رستم بشهيتها وماجدة ذات اللمى وشادية الدلوعة وأناقة برلنتي عبد الحميد والطلة الأميرية لمريم فخر الدين وضحكة نجلاء فتحي"، والبراءة الملتبسة لزوزو مع سعاد حسني وبسمتها المتخفية في قميص نوم. في رأيه، استبق الملصق المصري "البوب آرت" وقدّم تنويعات ناجحة عنه لعل الشفتين اللتين تتوسطان "ألف بوسة وبوسة" أكثرها قوة، وكأنهما خرجتا من محترف آندي وارهول".

في ما مضى، امتلأت الشوارع بملصقات الأفلام وصور تحية وبرلنتي وسعاد ودلوعات القلب والعين. قبل أسابيع، دس مندوب إحدى الوكالات في يدي إعلاناً صغيراً لثلاثة أفلام مصرية تعرض حالياً في مناطق متفرقة من العاصمة والجبل. لم يدر في خلدي قبلاً أن الملصق السينمائي يمكن أن يوزع مثل منشور سري ويرمى في سرعة. [SIZE=6]في لمح البصر، شاهدت على أحد الجدران ملصقاً ضخماً موجهاً إلى كل النساء، وما لبث الملصق أن تكرر ظهوره في أكثر من شارع. كان خالياً من الصور، مخططاً باللون الأخضر ومذيّلاً بتوقيع تنظيم أصولي: "أختي المرأة هل ترضين أن تصيري إعلاناً وجسداً للفت النظر". قرأتُ ذلك في بيروت وليس في كابول. قديماً، كانت بيروت جنة السينما المصرية وكانت هذه السينما سماء تمطر قُـبَـلاً. ما أحوج هذه السماء اليوم إلى صلاة استسقاء.
م

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top