الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


فايسبوك
يقول أفلاطون، حسب المسعودي في مروج الذهب: "الإنسان نبات سماوي، والدليل على هذا أنه شبيه شجرة منكوسة أصلها [رأسه وشعره] إلى السماء وفروعها [أرجله] في الأرض".
وهكذا يمكن فالإنسان في الأصل نبات سماوي لا أرضي، وهو يتصرف على هذا الأساس. لذا يظهر كشجرة معاكسة لأشجار الأرض، شجرة منكوسة مقلوبة.
وثمة في اليونانية ما يؤيد هذا. فهناك تورية معروفة- وهي ذات أصل ديني في ما نعتقد- بين الإنسان anthropos والنبات المقلوب anatrope، بما يجعل الإنسان: "شجرة مقلوبة، يقابل شعره جذورها" (نورثروب فراي، المدونة الكبرى).
ورؤية الإنسان كشجرة منكوسة، ليس معتقدا يونانيا في الحقيقة، بل معتقد عام للقدماء، في ما نرى. وتبعا لهذه المعتقد، فالإنسان سقط من السماء إلى الأرض في لحظة ما، وسكنها. لكن حنينه الدائم للسماء.
غير أن الأطفال يسقطون من أرحام أمهاتهم ككائنات أرضية لا سماوية. تسقط رؤوسهم إلى الأرض، ثم تسقط أرجلهم. وإذا حدث وبرزت رجلا الطفل قبل رأسه فهذا هو الوضع الخطأ، طبيا ودينيا. فالإنسان يجب أن يسقط من رحم أمه على رأسه. من أجل هذا يسأل المرء عن "مسقط رأسه" لا "مسقط رجليه". رحم الأم هنا تمثيل ما للأرض. فالإنسان حين تلده أمه يتصرف كشجرة أرضية: شجرة معتدلة، أي يقف على رأسه. 
غير أنه يتم تعديل هذا الوضع لاحقا. فبعد بعام أو عام ونصف من سقوطه من رحم أمه يقلب الإنسان نفسه، ويسير على قدميه، أي يتخلى عن صورته الأرضية، ويعود على صورته السماوية. حنينه إلى يحن إلى أصله السماوي يجعله شجرة منكوسة معاكسة لأشجار الأرض.
بالتالي، فالسقوط من رحم الأم هو محاولة غير واعية تماما للتوطن في الارض، للتوافق مع قانونها. لكن هذه المحاولة ظرفية وطارئة. إذ سرعان ما يمشي الإنسان على قدميه، عائدا على أصله السماوي. أي واضعا نفسه في موقع الغريب على الأرض. 
وإذا كان الأمر كذلك، فغربة الإنسان أعمق من أن تداوى. فهو ملزم إذا أراد أن يتجاوزها أن يسير على رأسه من جديد، أي أن يعود إلى صورته الأرضية يوم مولده. مشيه على الأرض هو غربته. حياته على الأرض غربة. ولا يحصل الخروج من هذه الغربة إلا بالموت. فالموت يأخذ الإنسان إلى السماء، إلى أهله، وإلى أرضه الأصلية.
ولعل هذا هو جذر الحلم بالذهاب إلى الكواكب الأخرى، وجذر تلويث الأرض وتخريبها من قبل الإنسان. 
الإنسان شجرة مهاجرة. غريب يعيش في المنفى، في أرض هجرته وغربته. ولحظة موته هي لحظة عودته من الغربة.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top