الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


محمد حجيري | السبت 13/06/2015  

المدن

في النظر إلى أحوال الغرافيتي في لبنان، نلاحظ أنه اتخذ في السنوات الأخيرة، مساراً يمكن وضعه في إطار أنه "ليس غرافيتي" بالمعنى التقليدي. فأبرز الرسامين اليوم، إشكمان، يزن حلواني، علي الرافعي(نعود إليه لاحقاً في مقال خاص) وحتى حامد سنو، لا يتبعون القاعدة المعروفة عن هذا الفن الشارعي، وهي الرسم تحت جنح الظلام، في مناطق صناعية أو شبه جانبية، بعيدا من أعين القوى الأمنية والرقابة، بل يمارس هؤلاء (الغرافيتيون الجدد) فنّهم وهوايتهم في وضح النهار وبوجوه مكشوفة وأسماء معروفة، كأنهم في ورشة عمل مرخصة، ويمكن تصنيف أعمالهم في إطار "الجداريات" ممزوجة بطيف الغرافيتي والبوب آرت والهيب هوب.

هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، يمكن تسجيل مجموعة ملاحظات على بعض الغرافتيين اللبنانيين، فالاعمال المعروفة التي يرسمها يزن حلواني وعمر ومحمد قباني (أو فريق اشكمان)، وجوه لبعض المشاهير في لبنان والعالم العربي، كأنهم في ذلك يختصرون طريق شهرتهم. بمعنى آخر حين يرسم الفنان لوحة عابرة من بنات خياله، لا تهتم بها وسائل الاعلام على النحو اللازم، وتبدو غير معنية بها الا باستثناءات قليلة لبعض الكتابات الشبابية والمدونات، أما حين يكون الرسم مخصصا لنجم او نجمة معروفة، يتحول الرسم "نجما" وتطلق عليه الصفات الحميدة وتكتب عنه المقالات ويفسر بعشرات التفاسير وتنشر صوره في كل مكان، من الفايسبوك الى وسائل الاعلام وأغلفة الكتب. وفي هذا الإطار، رسم يزن حلوني فيروز (على درج الجميزة) وأسمهان ومحمود درويش (اللوحة تعرضت للمحو بالطلاء قرب الكونكورد) وجبران خليل جبران على العملة اللبنانية في منطقة الاشرفية وصولا الى الشيخ زايد والمتشرد الراحل "علي" (وهو من أيقونات الحمرا والاعلام). والآن الشحرورة صباح على مبنى عساف في شارع الحمرا، المكان له رمزيته فالغرافيتي على جدار ضخم كان تحته مباشرة مقهى "الهورس شو"(الكوستا حاليا) الذي اشتهر بجلسات جماعية لمحركي الحياة الثقافية في بيروت. روجيه عساف وريمون جبارة ويعقوب الشدراوي وبول غيراغوسيان وآخرون...

ورسم فريق اشكمان فيروز مع عبارة "من قلبي سلام لبيروت" (اغنية من كلمات جوزف حرب) وصباح مرفقة بعبارة "بدّي عيش للميّة بس ليسمّوني الصبّوحة" في منطقة مار متر(الاشرفية) ووديع الصافي "ذهب صاف" في التباريس، وغراندايزر (لن يموت شعب أمة) في فردان. وركز الفريق في جانب من اعماله على بيروت ورمزيتها مثل "الشارع لنا" و"بيروت ما بتموت"... يتصرف حلواني واشكمان كأنهما في تنافس غير معلن إلى درجة ان بعض الاشخاص باتوا يظنون انهما شخص واحد. ففي بعض الاعمال يتشابهان، خاصة من خلال محاولة توظيف الخط العربي في الغرافيتي، وان كانا يختلفان لناحية اختيار الألوان. يميل يزن إلى رسم الوجوه المنمقة في إطار يشبه السجاد ويتسم بروحيته الخاصة بألوان بين الأسود والرمادي وألوان أخرى. بينما يميل إشكمان الى التنويع سواء في الألوان الداكنة وحتى الأصفر ويبدو تأثير فن الراب واضحا على العبارات التي يختارها هذا الفريق سواء في الجداريات أو القمصان التي يصممها. وفي اهتمام يزن حلواني واشكمان بالفنانة صباح، بدا أن الأول يميل الى النوستالجيا وتمجيد الذاكرة ومحاكاة المكان، سواء من حيث اختيار الألوان حتى انتقاء المكان في قلب شارع الحمرا العريق وعلى مبنى كان يحتوى المقهى التاريخي الذي لم يبق إلا اسمه... أما صباح في نسخة "اشكمان"، تشبه شخصية صباح نفسها وتحاكيها، سواء في لونها الأشقر أو الأشعة المنبعثة منها، وهي التي لقبت بصباح بسبب وجهها المشرق حين سافرت الى مصر في الاربعينات. بين صبوحة اشكمان وصبوحة يزن حلواني، هناك "هالة" حول الرأس هي إشارة الى مطربة - انسانة، تختصر سيرتها تاريخ لبنان.

النقطة البارزة والملاحظة حول أعمال عمر ومحمد قباني ويزن وحلواني، انها اقرب إلى "ثقافة الحياة" من دون تسييس هذه الكلمة، فهم وان كانوا يزينون الجدران بأعمال لافتة وجميلة تنقذ المدينة والمشهد العام من اوساخ الكتابات القذرة والطائفية والعشوائية، لكن في اعمالهم ميل الى المهارة الفنية والمواقف السلمية الخالية من أفكار الاحتجاج والاعتراض، التي اشتهر بها الغرافيتيون من تونس الى مصر وفلسطين وسوريا. ربما تكون جمالية الأعمال هي الاعتراض بحد ذاته على الواقع المشوه والقبيح.

عدا عن أن الغرافيتي (اللبناني)، بات اقرب إلى المهنة أو جزء من مهنة، يرسم اشكمان الغرافيتي ويصمم "التي شيرتات" مع رسوم خاصة، وخبرة هذا الفريق في التصميم الغرافيكي، وفي صياغة الشعارات والأغاني، مكّنته من دمج الكتابات العربية والصور الحداثية والرسم، مع "المزاج" العامي والشوارعي اللبناني، ليضعاها جميعها مطبوعة على "تي شيرت" موقعة باسم ماركة "اشكمان". ويزن المحترف في فن الشارع، يشارك في معارض وصالات ويرسم من منطلق ان يقدم فنا للصالونات والمنازل والغاليريات، فهو فنان يبحث عن ثمرة مهنته، يرسم المتشرد (علي الذي مات من البرد اثناء العاصفة أولغا) لان صورته أيقونة شعبية واعلامية، ويرسم الملك، ولكن لا يقدم مبررا موضوعيا لماذا هذا الاختيار، وهذا التناقض...

لا عجب ان يتحول الغرافيتي من العالم السفلي (الاندر غراوند) الى الأضواء والصالات، فهذا من البديهيات في هذا الزمن، اذ ان الكثير من الفنون، خصوصا الموسيقى والغناء، انتقلت من العالم السفلي الى العالمية، من الريف الى المسارح، من ثقافة الشعوب النائية الى أطياف العولمة، والفنون هذه تشمل الجاز والتانغو والبلوز وحتى الرقص الشرقي. وما يفعله يزن حلواني واشكمان وغيرهما، يستحق التقدير، وربما افضل بكثير من نشاطات ثقافية مضخمة وحصادها فارغ...

- See more at: http://www.almodon.com/culture/7ac8daf3-1ef6-4d2a-bfe4-7e4dc3d4f278#sthash.8sM510xN.dpuf

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top