الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة




  
أكثر من الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، امتدت الحرب العالمية الثانية (1937- 1947 حسب كتاب «الحرب العالم») على مجمل الكوكب. ويشهد على ذلك كثافة المعارك التي حصلت في المحيط الهادئ وأفريقيا الشمالية، مورطةً مناطق، بقيت بمنأى عن الحرب العالمية الأولى. فبدءاً من العام 1938، كانت بعثة علمية ألمانية، وبدعم من قائد القوات الجوية، هرمان غورنغ، تتجه نحو القطب الجنوبي (أنْتارَكْتيكا) لتبحث في إمكانية إقامة قاعدة عسكرية المانية هناك. ثم بعد ذلك، أعلنت برلين عن قرارها بضم منطقة «رين مود» الواقعة في هذا القطب، والبالغة مساحتها مليونين وخمسمئة الف كلم مربع.

هذا الفاصل من بدايات الحرب العالمية الثانية، والذي غذى أسطورة وجود قاعدة ألمانية سرية داخل الكتل الجليدية في القطب الجنوبي، والتي قد يكون النازيون الهاربون قد لجأوا اليها، هي موضوع مقدمة كتاب ضخم من جزءين، أشرف عليه المؤرخان الفرنسيان المرموقان أليا أغلان وروبرت فرانك، يتناول فصولاً وأوجهاً من الحرب العالمية الثانية؛ وعنوان الكتاب «الحرب العالم»، بالإشارة الى مفهوم «الاقتصاد العالم»، العزيزة على قلب المؤرخ الفرنسي الراحل فرنان بروديل. تلك الحرب التي ليس معروفاً حتى الآن العدد الدقيق لضحاياها، إذ يرواح بين خمسين وستين مليوناً، غالبيتهم العظمى من المدنيين. والمؤرخَون لا يقتصر هدفهما على إخراج مشهدية شاملة لهذه الحرب، إنما ايضاً التبيان بأن عولمة هذه الحرب غيرت من معايير تصنيف الفئات بأنواعها، وغيرت تصورات الزمان والمكان.

والمؤرخان يلخصان نظرتهما العامة لهذه الحرب بالقول: «ان هذه الحرب كانت عالماً قائماً بحدّ ذاته. بديهيات أيام السلم تغيرت معها. ومعها أيضا تغيرت معاني الكلمات، بعدما دخلها وباء البروباغندا والمبالغات وشتى أصناف الألاعيب اللغوية. تقسيم العمل بين الجنسين إختل، وحصل تقدم هائل في التكنولوجيا المدنية والمنتجات الكيميائية، وانهارت أشكال من السيطرة الكولونيالية». الكتاب ساهم فيه خمسون متخصصا: مؤرخون، فلاسفة، علماء سياسة. مجريات الحرب نفسها، بكل رهاناتها الاستراتيجية والجيو-سياسية، تشكل الجزء الأول من الكتاب، وعنوانه «خوض الحرب». أما الجزء الثاني، «اختراع الحرب»، فيسلط الضوء على الأشكال الجديدة التي برزت أثناءها، على طابعها الأيديولوجي الحاد، وجرائمها الجماعية، وعلى رأسها إبادة يهود أوروبا. أما عنوان الجزء الثالث «العيش في الحرب»، فيدرس يومياتها، سواء على الجبهات، أو في البلدان المحتلة، مع حضور موضوعات جديدة، مثل الدور الذي لعبته الأغاني في هذه الحرب.

الجزء الأخير، «وراثة الحرب»، يحلل نتائج هذه الحرب، ناهيك عن التغيرات التي فرضتها على النظام العالمي، واختراع مفهوم «الدولة الراعية»، وهجرات السكان الكثيفة القسرية، من بينها طرد خمسة عشر مليوناً من أصول ألمانية من أراضي أوروبا الشرقية، وكلها نتائج غيرت وجه أوروبا. 

يعدّد كتاب «الحرب العالم» من زوايا النظر والأساليب والشواهد، وينجح، أولاً في تحويل هذه الحرب إلى شيء ملموس معيوش، وثانياً الى تحليل منعطفاتها الكبرى. في خاتمة الكتاب، يكتب البروفيسور انزو ترافرسو: «ان هذه الحرب كانت ذروة ونهاية أزمة بدأت قبل اندلاعها بربع قرن، خلال صدمة الحرب العالمية الاولى 1914- 1918، وهذه الملاحظة أصبحت بداهة الآن»؛ اذ يقارن البروفيسور الايطالي بين الحربين ويخلص إلى أنه في الثانية «تجاوزت المجابهة الأيديولوجية والسياسية كل الحدود القائمة بين الأمم المختلفة». وهو يدحض الفكرة القائلة بوجود علاقة «طبيعية» بين النازية والستالينية، ويؤكد ان المعاهدة الألمانية السوفياتية التي أُبرمت في بداية الحرب «كانت فاصلاً استثنائيا ومؤقتاً، ارتدى طابعاً عبثياً وغير حقيقي».

مساهمون آخرون في الكتاب يناقضون مقاربة البروفيسور الايطالي، ويضعون نقاطاً مشتركة بين النظامين، النازي والستاليني، مذكرين كيف انخرط ستالين في اللعبة الألمانية، وكيف سلّم إلى النظام النازي العديد من المعارضين الألمان الذين لجأوا إلى الإتحاد السوفياتي، كيف ان النظام الستاليني نفسه باع النفط والقمح، ليغذي هجماته على الدول الواقعة غرب أوروبا، كيف كان يرفض التصديق بأن هتلر قد يهاجم بلاده أيضاً. ماشا سيروفيك إحدى المساهمات في هذا الفصل كتبت: «النازيون والبلاشفة بنوا كل مشروعهم الإجتماعي على أساس ان الحرب قادمة بلا ريب. وهذه الحرب التي تمنياها، وانتظراها، كان يفترض بها، بنظرهم، ان تؤدي إلى ذاك الخراب العميم الذي سيختم التحول الثوري للمجتمعات». وهي تتابع ان التشابه التام بين النظامين النازي والستاليني هو الذي جعل المواجهة بينهما حتمية، يدفعهما إلى ذلك تلك الإرادة المشتركة بسحق الآخر نهائياً، وهذا ما اتسمت به الجبهة الشرقية من الحرب، بدءاً من العام 1941.

الحرب العالمية الثانية بدأت قبل اجتياح بولونيا عام 1939. وقبل الحملات العسكرية الإيطالية على اثيوبيا، التي رافقها الكثير من الفظاعات؛ بدأت قبل الحرب الأهلية الإسبانية أيضاً، التي تُعتبر إختباراً عاماً للحرب العالمية؛ إذ إن الفاشيين الإيطاليين والنازيين الألمان لعبوا دوراً حاسماً في انتصار الملكية الإسبانية بزعامة فرانكو. ضجيج الحرب نفسها يرصده الكتاب في الشرق الاقصى، مع الغزو الياباني للصين. 

وبعد مرور عام على إعلان الألمان للحرب واجتياحهم لبولونيا، كان الهجوم الساحق للجيش الالماني على فرنسا، أول منعطف كبير لهذه الحرب. في أحد الفصول اللامعة، يحلل روبرت فرانك أسباب إنهيار فرنسا أمام الجيش الألماني، وقد أذهل العالم بسرعته؛ خصوصا ًان فرنسا كانت قد خرجت منتصرة عام 1918، في نهاية الحرب العالمية الأولى. ويلجأ روبرت فرانك إلى حدس مؤرخ فرنسي آخر هو مارك بلوك، الذي قال ان زعماء فرنسا وقتها لم يحسنوا التفكير بهذه الحرب، وبأن انتصار الألمان كان انتصاراً ثقافياً، وهذا كان هو الاخطر. والواقع وقتها، كما يصفه روبرت فرانك، يختلف تماما عن المسلمة القائلة بضعف الصناعة الفرنسية. العكس تماما، إذ ان الصناعة الحربية الفرنسية كانت وقتها استعادت كامل حيوتها وتعمل على مدار الوقت؛ وكان بحوزة الجيش الفرنسي دبابات تتفوق على تلك التي يملكها الألمان، كمياً ونوعياً. ولكن فرنسا لم تكن تعرف كيف تستعمل كل هذا السلاح (...). الزعيم البريطاني ونستون تشرشل اقترح على فرنسا نوعاً من الوحدة بين بلاده وبين فرنسا، ولكنه لم يفلح. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد بريطانيا تعول على التفاهم الودي مع فرنسا، وهو محور سياستها الخارجية منذ العام 1904؛ انما بدأت تعول على «علاقاتها مع واشنطن». ومن هذه الزاوية، شهد العام 1940 منعطفاً ديبلوماسياً للسياسة الخارجية البريطانية ، بقي معتمداً لوقت طويل (...). 

[مارك سيمو. صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية (11 حزيران 2015)

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top