الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

الحياة 
مرة أخرى، بعد عقد ونصف العقد على موته، تحفل مواقع التواصل الاجتماعي بقصص السوريين عن ذلك اليوم. أغلب من يسردون قصصهم مع الذكرى يتذكرون بدقة متناهية لحظة سماعهم نبأ الوفاة، وردود أفعالهم حينها، وصولاً على الأرجح إلى اللحظة التي أقرّ فيها مجلس الشعب آنذاك تعديل الدستور ليتولى الوريث السلطة.
ولا مغامرة بالقول إن هذه القدرة على تذكر تلك اللحظات تشي بعلاقة استثنائية نسجها الأسد الأب مع وجدان السوريين، بحيث أصبح حدث وفاته حدثاً «حميمياً» يخص كل فرد، بحيث لم ينل منه زمن طويل كالذي انقضى، بل لا نعدم وجود جيل كان ينتمي إلى الطفولة، حينها يسرد اليوم ذكرياته عن لحظة الوفاة أسوة بالأجيال التي وعت جيداً ما يعنيه حكم الأسد.
لندع موقتاً ما يُقال عن أن حافظ الأسد لم يمت بعد، بما أن وريثه لا يزال في سدة السلطة مستلهماً أفظع ما كان سيفعله الأب لو بقي حياً، والحق أن مؤيدي النظام وأنصار الثورة يتفقون على عدم موته، كلّ من الطرفين لأسبابه الخاصة. أحد جوانب المشكلة الحالية يتجلى في أن موته حمل قهراً إضافياً لغالبية السوريين، ما تجلى على أشده في تعليق الآمال على الوريث المفروض عليهم، وهي آمال تشاطر فيها قسم من موالاة اليوم وثواره، أيضاً كلّ منهما لأسبابه الخاصة.
الآمال غير الواقعية التي عُلقت على شخص الوريث كانت من أنصار النظام تغلباً على الإحساس بأنه لا يملك كفاءة الأب ولا كاريزماه، ورغبةً في أن تحل البيولوجيا والجينات الموروثة تلك المعضلة. أما من جهة المعارضين والمتأذّين من حكم الأسد الأب فكانت آمالهم تنحصر في قدرة الوريث على تخطي حاجز البيولوجيا نفسه، وفي قدرته تحديداً على إثبات وفاة أبيه. بهذا المعنى، كانت آمال السوريين منخفضة إلى حد تعليقها على العامل البيولوجي لا أكثر. فهي لدى قسم منهم توقفت على الموت الطبيعي للأب، في ظل انعدام أي أمل في مقارعته والتغلب عليه، بينما كانت لدى قسم آخر متوقفة على حياة مديدة جداً، وعلى تصديق أكذوبة القائد إلى الأبد التي جرى استبدالها فور وفاته بمقولة «القائد الخالد».
فضلاً عن طغيانه المعروف، كان حافظ الأسد يقدّم نفسه كديكتاتور توتاليتاري، وتلك ميزته الأهم التي جعلته يقتحم حياة السوريين على النحو الحميمي الذي لم ينفك حتى الآن. فالأنظمة التوتاليتارية لا تُعنى فقط بإقصاء عموم الناس عن السياسة، أسوة بما تفعله جميع نظم الطغيان، فهي تتدخل في حياة عموم الناس وتقولبها وفق نمط واحد بدءاً من الطفولة، دائماً تحت زعم الأيديولوجيا التي تحمل كافة الحلول والقيادة المعصومة القادرة، وحدها، على طرد الأرواح الشريرة القادمة من الخارج. في حالة حافظ الأسد، كانت أيديولوجيا البعث تتكفل بإعفائه من أية واجبات داخلية، طالما نصت على أن الحل يكمن في الوحدة العربية المنشودة. أول لقب أُسبغ عليه هو «قائد مسيرة الأمة إلى الوحدة»، والألقاب الأخرى التي توالت في ما بعد هي كناية عن مهارات فائضة، او لزوم ما لا يلزم، مثل باني سورية الحديثة.
يُروى أن حافظ الأسد لم يكن راضياً في آخر أيام وعيه عن الحزب، وهو على الأرجح بدأ يغلّب موضوع التوريث على الاعتبارات التي جعلت منه ذلك الديكتاتور. الأهم أن وريثه أتى إلى الحكم على نية التخلص من الأيديولوجيا التي حمت وحملت السند الأخلاقي لديكتاتورية الأب.
لقد ورّث الأب ابنه ديكتاتورية خالية من المعنى، باستثناء المعنى المجرد الفظ للتفرد بالسلطة، وهنا تقدّم الجانب الطائفي للنظام إلى الواجهة بعدما كان فاعلاً مستتراً. على هذا الصعيد، كانت لحظة وفاة الأب فارقة في انقسام السوريين، وفيها ظهرت أول ملامح الطائفية إذ تحت زعم «أنهم ســـيذبحوننا» بالغ بعض الطائفيين بمشاعر ومظاهر الحداد، من دون أن تكون هذه الشريحة بالذات في طليعة المستـفيدين من النظام، إن لم نقل أن جزءاً كبيراً منها ينتمي إلى الفقراء والمهمشين.
ربما يجوز القول إن الانقسام والصراع اللذين بدآ منذ آذار (مارس) 2011 يعودان أصلاً إلى لحظة وفاة الأسد الأب، أي أنهما بقيا مؤجلين طيلة عقد وكان منطقياً ظهورهما لو اندلع الصراع عقب الوفاة مباشرة. لكن سيكون مضللاً تماماً أن يزيح الملمح الطائفي للصراع ما عداه، وعلى نحو خاص أن يزيح المراحل التأسيسية لتوتاليتارية نظام الأب، وهذا ما يفعله أولئك الذين يردّون الصراع السوري بعد الاستقلال برمته إلى المسألة الطائفية. التركيز على الجانب الطائفي الحالي، وبأثر رجعي، وسيلة مثلى لأولئك الذين لم يتخلصوا من النظام، أو لا يريدون التخلص منه، أو على الأقل لا يكترثون إن حلَّ نظام شمولي جديد بأيديولوجية مختلفة محل القديم، أو حتى بالأيديولوجيا السابقة مع بعض التعديلات. إذ يفقد نقد النظام معناه عندما يُصوّر النظام بوصفه منافقاً على المستوى الأيديولوجي، وينحصر النقد هنا بعائلة أو أشخاص استغلوا مشاعر وقناعات السوريين للسطو عليهم.
الأمر لا يتوقف عند مسألة الحرية التي خبرنا كيفية تعاطي البعث معها. ينبغي أن يتوجه النقد إلى أهداف البعث الأخرى، وإلى أية أيديولوجيا شمولية بديلة، فلا فائدة من القول بأن صدام والأسد استغلا أيديولوجيا البعث لمآرب سلطوية. في الواقع لم تتعين أيديولوجيا البعث سوى على هذه الشاكلة، تماماً مثلما لم تتعين الأيديولوجيا الشيوعية سوى على شاكلة المعسكر السوفياتي، ولم تتعين الأيديولوجيا الدينية بأنقى صورها سوى في نظامي طالبان والولي الفقيه.
بالطبع شعار «يلعن روحك يا حافظ» هو استدراك لما عجز معارضوه عن فعله في حياته، شعار «القائد الخالد» هو نوع من العناد مع الطبيعة. ولو كان للموتى فرصة رؤية ما يحدث ربما كان حافظ الأسد سيُسعد بأنه لا يزال مثار اهتمام السوريين، وكديكتاتور لن يضيره ألا يتمكن وريثه من خدش «مكانته».
من جهة الأخير، لا يُستبعد أن يكون هذا من أكثر الاعتبارات الشخصية تأثيراً، فهو بذل أقصى طاقته ليبزَّ أباه لكنه فشل. حتى وحشيته المفرطة لم تصنع منه بطلاً لدى المؤيدين أو ديكتاتوراً لدى المعارضين.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top