الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

الحياة

اعترف قبل أيام، ممثل المرشد علي خامنئي في «الحرس الثوري»، حجة الإسلام والمسلمين علي سعيدي، في حوار مع وكالة الأنباء الإيرانية «فارس»، بأنّ التطرف الشيعي من أسباب ظهور التطرف السني، ويبدو أنّه مؤشِّر الى نوع من الواقعيّة عند «الحرس الثوري»، بعد الهزائم الأخيرة التي مُني بها في العراق وسورية.
ومن المؤكد أن هذا الاعتراف مطلوب من كلا الجهتين، الشيعية والسنية، ولا شكّ في أن الاستمرار بتعرية الطائفية وعزلها سيكون خياراً مربحاً للجميع، لكن ستبقى مثل هذه التصريحات بلا معنى إنْ لم تَصدُر عن منطق مُنسجمٍ ورؤية شاملة.
فمن المفارقات العجيبة لحديث علي سعيدي، أنّه في الوقت الذي حـــذّر المنــابر الإيرانية من التورط في خطاب التطرف والطائفية، وصف إسلام السعودية بـ «الإسلام التكفيري المتطرف»، وإسلام تركيا بـ «الإسلام العلماني»، بينما اعتبر الإسلام الإيراني «إسلاما أصيلاً».
يوجد في الدول العربية السنّية الكثير من أمثال حجة الإسلام والمسلمين علي سعيدي، لكنهم، وبعكس سعيدي، لا يملكون سلطة القرار السياسي والعسكري في الدولة، فإما أنّهم قلة غير مؤثرة في محيط صانع القرار في بعض الدول، أو أنهم أصوات شاردة تُروّج للتطرف والطائفية داخل التيار الديني السني غير الرسمي. وهذا في حين يُشكِّل التطرف والطائفية في إيران أحد أهم المرتكزات التي يقوم عليها نظام حكم ولاية الفقيه. فالتصوّر السائد عند الفئة المهيمنة على الحُكم، يرى أنّ الإسلام الإيراني هو الإسلام الحق وغيره إسلام منحرف أو باطل، وأنّ الجمهورية الإسلامية قاعدة قيام حكومة المهدي المنتظر العالمية، وغير ذلك من الشعارات التي تُبرِّر إلغاء الآخر السُّني، وتجعل من استهداف مقومات وجوده أمراً مشروعاً. ومن نماذج المواقف الرسميّة الإيرانيّة المتطرفة والطائفيّة، نورد ما يلي:
صرّح مستشار الرئيس روحاني الخاص في شؤون الأقليات، علي يونسي، أثناء زيارته للكنيس اليهودي في مدينة شيراز في أيار (مايو) 2014، قائلاً: «السلفية والوهابية في الإسلام تشبهان الصهيونية عند اليهود والمسيحيين المتطرّفين، إنهما تشكلان خطراً على الأمن والسلام العالمي، ويجب بذل الجهود لمواجهتهما».
وفي كلمته في مؤتمر الأقليات مطالع 2015، حاول يونسي شرح مشروع «إيران الكبرى»، الذي يسعى الى الهيمنة على مساحة تَخُص أكثر من عشر دول في آسيا الوسطى والخليج العربي، فأوضح أن كل سكان هذه الحدود المفتوحة هم إيرانيون، وكل اللغات والثقافات الموجودة هناك إيرانية، ثم أكد أن حدود «إيران الكبرى» مُتشبِّعة بـ «الثقافة الإيرانية والدين الإيراني والروح الإيرانية».
وفي آب (أغسطس) 2014، حذّر ناصر مكارم الشيرازي، وهو من كبار مراجع التشيّع الإيراني الرسمي، من التزايد السكاني السني في مدينة مشهد، واتَّهم السعودية وعلماء السنة في الخليج العربي، بالوقوف وراء التخطيط لقلب الهرم السكاني الإيراني، ثم دعا قوات البسيج والأجهزة الحكومية إلى التدخل الفوري لإيقاف الزحف البشري السني الذي يهدد الوجود الشيعي في المدينة، داعياً الحكومة إلى الامتناع عن توظيف الأســـاتذة من أهل السنة في الجامعات الإيرانية.
في السنة ذاتها، وصف عضو مجلس الخبراء وإمام جمعة مدينة مشهد، آية الله أحمد علم الهدى، تزايد نسبة السكان السنة في مدينة مشهد بالمؤامرة «السعودية الوهابية» التي تستهدف الوجود الشيعي في إيران، ودعا بدوره الأجهزة الأمنية إلى التدخل في شكل عاجل قبل أن تصبح مشهد ضحية للتحجّر والوهابية.
وفي شباط (فبراير) 2014، علّق قائد فيلق القدس قاسم سليماني، على مناسبة أربعينية الحسين في كربلاء، قائلا: «إن مشاركة أكثر من 20 مليون شيعي جاؤوا حُفاةً في مراسم أربعينية الحسين بالعراق وعلى مقربة من السعودية، هي بمثابة مناورة عسكرية عظيمة لا يمكن وصفها، إنها استعراض للقوة يفوق أي استعراض عسكري بالطائرات والدبابات والمدافع، وإن كانت هذه أيضاً ضرورية».
أما عضو مجلس الخبراء محمد تقي مصباح يزدي، عضو مجلس خبراء القيادة، فوصف في بداية 2014 الخليفة الثاني عثمان بن عفان، بالشخص القومي العنصري والمتعلَِّق بالدنيا، وشبّهه بعضو في عصابة.
تؤكد هذه النماذج، وغيرها كثير، أن إنتاج التطرف والطائفية في إيران لا يأتي من مصادر منفلتة أو غير مسؤولة، بل يصدر عن قيادات رسمية ومؤثرة في القرار السياسي والديني والعسكري الإيراني، وقد نبّه علماء ومثقفون من داخل المذهب الشيعي، إلى خطورة هذا المنزلق على المذهب نفسه.
وما دام مُمثل المرشد خامنئي في «الحرس الثوري»، وغيره من الأصوات الرسمية، عاجزين عن مواجهة حقيقة أعطاب نظام الجمهورية الإسلامية، فإن إيران ستظل بعيدة من المنهج المطلوب لحقن دماء شعوب المنطقة، والذي يبدأ بإعادة الاعتبار الى تراث التسامح والاعتدال في سيرة أهل البيت النبوي، وتجديد النظر في مرتكزات أيديولوجية الثورة الإسلامية نفسها، وما تستند إليه من ثقافة التحريض والثأر والانتقام التاريخي.
والأمر ذاته مطلوب من علماء السنة والقائمين على الشؤون الدينية في دائرة الإسلام السني، وإن لم نذهب في هذا الاتجاه باختيارنا، فسنجد أنفسنا في المستقبل مُجبرين على خوض حروب دامية مؤجّلة من السقيفة إلى كربلاء وما بعدها.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top