الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة



ستيفن جيرون


ذكرى فراش
المكان والشعر:
أثر مصر وفرنسا على حساسية إدمون جابيس الشعرية
ترجمة: بشير السباعي


ابحثوا عن اسمي في الأنطولوجيات

قد تجدوه، وقد لا تجدوه
ابحثوا عن اسمي في المعاجم
قد تجدوه، وقد لا تجدوه
ابحثوا عن اسمي في الموسوعات
قد تجدوه، وقد لا تجدوه
ما الفرق؟ وهل كان لي اسم في يوم من الأيام؟
ثم، عندما أموت، لا تبحثوا
عن اسمي في الجبانات
ولا في أيّ مكان آخر
وتوقفوا، أخيرًا، عن تعذيب
من لا يملك تلبية النداء.
إدمون جابيس ، النداء
إن قصيدة النداء – المكتوبة أصلاً بالفرنسية، شأنها في ذلك شأن كل قصائد إدمون جابيس – إنما تندرج ضمن قصائده الأخيرة. وهذه القصيدة، المحيرة والملغزة كأي قصيدة من قصائده الأخيرة، يبدو أنها قد كُتبت لتكون بمثابة نداء موجه إلى أولئك الذين قد يقرءونه بعد موته، وقد لا يمكنهم مع ذلك معرفة أي شيء عنه أو عن شعره. إن قصيدة النداء هي تعبير عن شعور إدمون جابيس نفسه بأنه، ككاتب، كان في آن واحد جزءًا من المشهد وخارجًا عنه، معروفًا وغير معروف من جمهوره، وفي نهاية المطاف، مرغوبًا فيه وغير مرغوب فيه كإنسان. وبشكلٍ مؤسف بل و مأساوي، فإنها تعبر عن استسلام شاعر لم يشعر البتة تمامًا بأنه مقبول على نحو كامل من البلد الذي وُلد فيه، مصر، ولا من البلد الذي هاجر إليه في عام 1957، فرنسا.
على إن إدمون جابيس قد أسعده الحظ بأن يحظى بقبول النقاد والجمهور في البلد الذي اتخذه وطنًا له. فقد حاز جائزة النقاد في عام 1970 وجائزة الفنون والآداب والعلوم للمؤسسة اليهودية الفرنسية في عام 1982 وجائزة الشعر القومية الكبرى في عام 1987. وكان شعره موضوع تأمل نقدي من جانب عدد من المفكرين الأوسع نفوذًا في مجال الآداب والفلسفة المعاصرة، بمن فيهم جاك دريدا وموريس بلانشو وجان ستاروبينسكي. وفيما عدا استثناءات قليلة، فقد جرى الترحيب به ومازال يجري الترحيب به بوصفه أحد أعمدة الأدب المعاصر. وفي أوروبا وأمريكا الشمالية، يبرز بين عظماء الأدب اليهودي في القرن العشرين، الذين، شأنهم في ذلك شأن جابيس، مروا بتجربة انخلاع الجذور وهي التجربة التي حاولوا التغلب عليها بشق طريقهم في بيئة أجنبية عبر الكلمة المكتوبة، على أن التوجه، في حالة جابيس، فيما يتعلق بالكلمة المكتوبة، هو إلى حد ما لا طائل من ورائه. فقد شدد دائمًا على أولوية الكلمة المنطوقة، على أولوية سماع الصوت الإنساني في حالته المباشرة الدافئة. والحال أن موته، في باريس في يناير/ كانون الثاني 1991، قد حرمنا من ذلك الصوت.
وفي حين أن شهرته راسخة في فرنسا، فإن جمهور شعر إدمون جابيس في مصر جمهور محدود. على أن مصر هي التي أنجبته وقد عاش فيها السنوات الخمس والأربعين الأولى من حياته. وصحيح أن إهماله إنما يرجع إلى حد بعيد إلى الزوال الذي أخذ يحل في الخمسينيات بالجماعة الفرانكوفونية التي كانت مزدهرة في مصر في وقت من الأوقات. إلاَّ أنه حتى خلال أعوامه القاهرية، لم يحرز إدمون جابيس غير اعتراف طفيف من جانب أقرانه في مصر. 
وبالنظر إلى المكانة غير العادية التي يحتلها جابيس في صفوف الأدب المعاصر – فهو في آن واحد أحد أعمدته ولا يزال خارجه مع ذلك – فإنه يبدو من المفيد التعرف عليه في بيئته الأصلية، مصر العشرينيات وحتى أواسط الخمسينيات، لكي يتسنى لنا فهمه على نحو أفضل. فما الذي حدث خلال الفترة القاهرية – سنوات التجريب والنجاح المحدودة الضائعة – وحَوَّلَهُ إلى مثل هذه الشخصية المفارقة في الأعوام الأخيرة؟ من هو، باختصار، إدمون جابيس؟ إذ يبدو ، كما كتب جابيس في قصيدة المشهد، أن "الكلمات تزيل الشاعر".
ولد إدمون جابيس في أبريل/ نيسان 1912 في زمن غروب الدولة العثمانية، بحي جاردن سيتي لأسرة يهودية ناطقة بالفرنسية حصلت، بعد انتفاضة عرابي باشا، على الجنسية الإيطالية. وقد تلقى تعليمه في البداية في مدرسة سان جان – باتيست دي فرير ديز ايكول كريتين ثم في مدرسة الليسيه الفرنسية بالقاهرة (التي كانت تدار آنذاك من جانب البعثة الفرنسية غير الإكليريكية) حتى عام 1929. وقد فكر في وقت من الأوقات في دراسة الأدب في السوربون، حيث التحق بها في عام 1930، إلاَّ أنه سرعان ما قرر الانكباب على كتابة الشعر بدلاً من ذلك. على أن تصور الشاب لنفسه كشاعر لم يكن ليعفيه من ضرورة كسب عيشه، والذي فعله، دون اهتمام كبير، أولاً بصفة وسيط في تجارة القطن ثم فيما بعد بصفة تاجر عملة. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 1929، التقى بآرليت كوهين، حفيدة موسى قطاوي باشا، حاخام يهود القاهرة الأكبر السابق، على باخرة ركاب عائدة إلى الإسكندرية بعد قضاء عطلة صيف في فرنسا. كانت آرليت آنذاك في الخامسة عشر من العمر، وكان هو في السابعة عشر. وتذهب أساطير العائلة إلى أن آرليت قد أحبت إدمون من أول نظرة، عندما رأته على ظهر الباخرة. وقد نزلت بسرعة إلى الكابينة بحثًا عن خادمة الأسرة حيث وجدتها وقالت لها : " أسرعي، ابحثي عن أمي وقولي لها أن تجد لي حذاءً عالي الكعب، فورًا." وفي مايو/ أيار 1935، بعد أكثر من خمس سنوات من العلاقة الغرامية، تزوجا أخيرًا في كنيس شارع عدلي، الذي كان معروفًا آنذاك بكنيس الإسماعيلية. أما حفل زواجهما، الذي تولى محل جروبي خدمته على نحو باذخ، فقد تم في حديقة فيللا قطاوي الجميلة في الشارع الذي يحمل الآن اسم المهندس محمد مظهر بالزمالك، وهي الفيللا التي أصبحت الآن دارًا لمكتبة القاهرة الكبرى.
وبين سنوات العلاقة الغرامية والزواج نشر إدمون جابيس كتبه الشعرية الأولى. ومما له دلالته أن الكتاب الأول، أوهام عاطفية، المنشور في عام 1930 في باريس، لا يتضمن كلمة واحدة يمكن للمرء أن يجد لها صلة واضحة بمصر. فهو، بدلاً من ذلك، يتناول موضوعات تناولها شعراء رومانسيون مثل فيني أو موسيه قبل قرن من ذلك الزمن: الحلم بحياة هادئة والذي يغدر به حب يذهب سدى أو تحقق ذلك الحلم في حب مثالي. وليس من المبالغة القول إن شعر أوهام عاطفية هو، من ناحية الأسلوب، شعر فرنسي بأكثر مما يمكن لفرنسي كتابته. على أن الصفحة المقابلة لصفحة عنوان الكتاب تحمل صورة فوتوغرافية للشاعر الشاب جاء تحتها: إدمون جابيس، ولد بالقاهرة في 16 أبريل/ نيسان 1912. فقارئ الكتاب الأول لا يسعه أن يتصور أن كاتبه فرنسي.
وبمعنى ما من المعاني، فإن كتاب أوهام عاطفية قد أثبت أن بوسع مصري أن يكتب شعرًا فرنسيًّا – فرنسيًّا. لقد أوضح جابيس على نحو سافر أنه مصري، على أنه في الوقت نفسه يطوي أصوله القاهرية تحت أعراف الشعر الفرنسي – الفرنسي المتعارف عليه. والواقع أن توجه جابيس اللغوي والثقافي نحو فرنسا سوف يصبح علامة على شعره. والمهم بدرجة مساوية أن جابيس، حتى بعد رحيله عن مصر في عام 1957 في أعقاب العدوان الثلاثي، لم يفقد قط التواصل مع أصوله القاهرية. وفي كتاب جابيس الشعري الثاني، أنتظرك! ، المنشور في عام 1931، والذي صدر عن الناشر الباريسي نفسه الذي أصدر كتابه الأول، نجد بالفعل أخيلة متوقعة أكثر. ففي القسم الذي يحمل عنوان "الصحراء" نقرأ :
أتمدَّدُ على الرمل
كما في حمامٍ دافئ
وأترك نفسي..
يا لإيقاع المكانِ على جسدي العاري
عصورٌ قديمةٌ تمر
وتمر حضارات
الصحراء شاسعة والرمل حصين
والمجهول أقلُّ إشراقًا
على أن ذكر الصحراء لا يجعل جابيس مصريًّا بدرجة أكبر أو أقل من ذكر الشاعر الرومانسي الفرنسي لامارتين لها، حيث كتب في عشرينيات القرن التاسع عشر: "رمال الصحراء، التي تتحول إلى زوابع / تبحث تحت رحمة الرياح عن أخاديدها / تمحو مآثر الشعوب البائدة".
وفي مقدمات شعرية، وهو أحد كتابين من عام 1934 (صدر كلاهما في مصر) ، ذهب جابيس إلى أن "الفنانين يولدون في كل مكان، حتى في الصحراء". وواصل، بأقصى سرعة، هاتفًا أن : "هذا يعني أن هناك فنانين في مصر أيضًا.. وأود، قبل اتخاذ طرق أخرى، أن أتوقف للحظة، على عتبة بابهم. إن أولئك البعيدين لا يمكنهم أن يفهموا سبب محدودية الحديث، في مصر، عن كتاب هذا البلد الشبان الذين يعبرون عن أنفسهم بالفرنسية". ومن المفيد أن نتذكر أن جابيس، في هذه الفقرة، كان يتحدث ليس فقط إلى جمهور ناطق بالفرنسية بل إلى جمهور فرنسي أيضًا. إن شاعر أوهام عاطفية الخجول قد وضع نفسه بجرأة في دور المتحدث بلسان الشعراء المصريين الناطقين بالفرنسية.
وكان جابيس يرى أن فرنسا تمثل الشعر، خاصة الشعر الحديث. وهكذا، ففي السنة السابقة لزواجه، استأجر شقة من غرفتين في بيت في درب اللبانة (الواقع بين مسجدي السلطان حسن والرفاعي والقلعة) كان يُعرف آنذاك ببيت الفنانين. وفي ذلك الزمن، كان بيت الفنانين مأوى لفريق من الزمرة البوهيمية القاهرية، لشعراء ولرسامين كانوا يحنون إلى مونبارناس باريس بأكثر من الحنين إلى بورصة القطن القاهرية. وبعد ذلك بخمسين عامًا، أوضح جابيس أنه قد ذهب إلى هناك لكي يجد مهربًا من ضوضاء وصخب الحياة التجارية في وسط القاهرة. والحق إنه كان بوسعه أن يكتب هناك في هدوء، إلاَّ أنه كان بوسعه أيضًا أن يتجنب وأن يعزز رفضه لنمط من الوجود كان يحول بينه وبين أن يكون ذاته. وبالنسبة له، كانت مدينة الأموات، القريبة، "مشهدًا قفرًا بلا حدود، مشهد أطلال وخاصة مشهد ليل، لا سيما عند اكتمال القمر؛ لقد كان المرء محاصَرًا .. ولم يحدث قط أن بدا العدم لي بمثل هذه الدرجة من القرب، فهو عدمٌ مركب على عدم".
وفي ذلك الزمن، كتب متأثرًا إلى صديقه ماكس جاكوب، عن مونبارناس القاهرة. إلاَّ أن جاكوب لم يتأثر بما كتب. ولم يكن مهتمًّا كبير اهتمام بسماع شيء عن نقل هذا الركن من باريس إلى القاهرة. بل كان يأمل في أن يتمكن جابيس من أن يُقَدِّرَ مصر ليس لما كانته في الماضي وإنما لما تمتلكه بهذه الدرجة من الثراء. إذ يذهب رد جاكوب المكتوب في أبريل/ نيسان 1935، إلى أن: "صحراء مصر الحقيقية بجِمالِها وما إلى ذلك هي مونبارناس. لا وجود هناك لأي مصر، لا وجود هناك لأي باريس. إن الموجود هو "أنت" فقط، أنت الذي هو أكبر قليلاً من مجرد أمل، بل والأكبر كثيرًا". والحال أن نصيحة جاكوب للشاعر الطموح سوف تكون من بين أول الدروس التي تعلمها من الأستاذ، أي، ألاَّ يرنو إلى فرنسا الأجنبية البراقة ولا حتى إلى عمارة مصر الفرعونية التاريخية، بل إلى أعماق ذاته – نبع الصدق الذي لا ينفد – كمصدر لإلهامه الشعري.
وعلى الرغم من شكوى جابيس من الأهمال الذي طال زملاءه الشعراء المولودين في الصحراء، فإن النقاد كانوا قد أخذوا بحلول عام 1934 في الحديث عن الكتاب المصريين الذين يكتبون بالفرنسية. ففي ذلك العام نشرت مارجريت ليختينبرجر في باريس رسالتها لنيل درجة الدكتوراه، التي تحمل عنوان الكتاب الفرنسيون في مصر المعاصرة. والحال أن ليختينبرجر، التي كانت تلميذة لأستاذ الأدب المقارن العظيم جان – ماري كاريه – وهو نفسه معروف جيدًا بسبب كتابه الرائع، الرحالة والكتاب الفرنسيون في مصر – قد أدخلت فصلاً عن "الكتاب الذين يكتبون بالفرنسية في مصر" أحالت فيه مجموعة من الشعراء المصريين الشبان، من بينهم جورج حنين وجان موسكاتيللي وراؤول بارم وإدمون جابيس، إلى هامش اختتم بحثها. وقد قالت ليختينبرجر إن شعراء مصر الشبان هم، بوجه عام، متأثرون بأفكار أجنبية (فرنسية). ويختلف عنهم أحمد راسم، الذي يستلهم "موضوعات مصرية". أما فيما يتعلق بجابيس، فقد وُصف بأنه أشار إلى أن مرجعه هو السوريالي الفرنسي جان كوكتو. وقد أضافت أنه "ليس من المستحيل أن هؤلاء الشعراء الشبان سوف يصبحون واعين بأنفسهم [وأنهم سوف] يتميزون كحركة شعرية مصرية الإلهام بشكل أساسي".
وبعد أربع سنوات من نشر أطروحة ليختنبرجر، نجد أن جان ديستيو، الذي كان رئيسًا لجمعية الصداقة بين بلدان البحر المتوسط، قد ألقى محاضرة في باريس تحت عنوان شعراء أفريقيا، خصص جزءًا منها للشعراء المصريين الذين يكتبون بالفرنسية. وهذا الجزء، الذي يحمل عنوان: "الشعراء المصريون الذين يكتبون بالفرنسية"، يجمع نماذج من الشعر الفرانكو – مصري من عشرة كتاب، من بينهم جابيس وموسكاتيللي وجوزيه سيكالي وجاستون زنانيري، وكلهم شبوا في صفوف مجموعة متنوعة من الجماعات العرقية في مختلف أجزاء مصر. وعلى الرغم من الاختلافات في خلفيات هؤلاء الكتاب، فقد رصد ديستيو واقع أن درايتهم المشتركة بالفرنسية، والمجتمعة بأخيلة شعرية مصرية، هي التي تجمع بينهم. وقد استشهد أولاً بفقرة من شعر جابيس (الفقرة التي أوردناها أعلاه من كتاب "أنتظرك!") ثم قدم مقتطفات من شعر جان موسكاتيللي ومحمد بك ذو الفقار(الذي أسس مجلة لاريفي دو كير في عام 1938)، وإيمي خير وآخرين. والخلاصة أن كلاًّ من ليختينبرجر في عام 1934 وديستيو في عام 1938 قد تسنى لهما أن يصفا، من فرنسا البعيدة، الوحدة الظاهرة للكتاب الفرانكو – مصريين.
وبحلول الزمن الذي كان ديستيو قد ألقى فيه محاضرته حول الكتاب الفرانكو – أفريقيين، كان جابيس قد ابتعد عن التأمل الرومانسي للذات. لقد أصبح أكثر ارتباطًا بكتاب سورياليين في باريس مثل بول إيلوار، الذي استمد التأثير منه بلا حساب. ثم إن السوريالية الفرنسية كانت قد بدأت في شق طرق لها إلى القاهرة. ففي فبراير/ شباط 1937، في اجتماع لجماعة المحاولين (وهي جماعة جميلة من المثقفين الشبان تأسست في عام 1927 وكانت تجتمع كثيرًا في كونسرفتوار بيرجروم في هيليوبوليس)، ألقى جورج حنين، صديق جابيس وشريكه الأدبي فيما بعد، خطابًا افتتاحيًّا دشن السوريالية القاهرية. وقد تولت الإذاعة المصرية الرسمية إذاعة الخطاب الشهير، حصاد الحركة السوريالية، وسرعان ما أعيدت إذاعته في الإسكندرية.
وقد استوعب جابيس الروح السوريالية السائدة آنذاك. ففي ديسمبر/ كانون الأول 1936، قبل وقت قصير من إلقاء حنين خطابه، نشر قصيدة سوريالية، العتمة المستحبة، من خلال دار نشر جي ليفيز مانو الباريسية. وقد اعترف في صفحاتها قائلاً: "إنني مدين للحلم بحيازة قوة واقع ثان...". وبالنظر إلى ميله الطبيعي إلى إمكانيات الحلم الخلاقة، فقد بدا من المؤكد أنه سوف ينضم إلى الحركة السوريالية. إلاَّ أنه لم يفعل ذلك، رسميًّا على الأقل. وعلى الرغم من النشاطات النشرية الأخرى التي حملت علامة السوريالية، خاصة القصائد التي تبدي تلاعبًا مقصودًا بالأخيلة الليلية مجتمعًا بما هو فانتازي، فقد آثر جابيس أن يظل خارج الحركة السوريالية وربما كان مرجع ذلك هو حس الارتياب في الحركات الفنية: فالمشاركة المباشرة من شأنها أن تعني الإساءة إلى استقلاله الإبداعي وهو أمر يتجاوز السوريالية، فيما يبين بعد ذلك. والمرء يرتبط بالحركات – الإبداعية أو السياسية – من جراء الضرورة العملية فقط: أي لكي يتجنب العزلة الفنية أو – كما حدث في أكتوبر/ تشرين الأول 1941 عندما وقع رسالة مفتوحة إلى مواطني اليونان، الذين اجتاحتهم إيطاليا موسوليني، بوصفه عضوًا في جماعة الإيطاليين الأحرار المناهضة للفاشية – لكي يبدي تضامنه مع المقهورين أدبيًّا أو عسكريًّا.
والمثال الآخر الذي أعرب فيه إدمون جابيس علانية عن احتجاجه على تقدم الجهود الفاشية والنازية الرامية إلى كبح حرية التعبير هو مشاركته في نوفمبر/ تشرين الثاني 1944، في القاهرة، في تأسيس جمعية الصداقة الفرنسية بالاشتراك مع الكادر الشيوعي هنري كورييل وعديدين آخرين. وكانت النشاطية السياسية المخففة والمستساغة لجمعية الصداقة الفرنسية تناسب مزاج جابيس الإنساني والكوني. فهذه الجمعية لم تبد رؤية سياسية سافرة بل ارتبطت بأهداف فرنسا الحرة، حكومة شارل ديجول في المنفى التي أخذت تنشط منذ يونيو/ حزيران 1940. وسرعان ما جرى افتتاح الشعبة السكندرية لجمعية الصداقة الفرنسية بعد ذلك بوقت قصير، برئاسة رينيه إيتيامبل، الذي كان أستاذًا للأدب الفرنسي بجامعة فاروق الأول والدكتور حسين فوزي، عميد كلية العلوم بجامعة فاروق الأول.
وقبل أن تغلق جمعية الصداقة الفرنسية أبوابها في عام 1956، كان دور جابيس يتألف من دعوة شخصيات أدبية لإلقاء المحاضرات. وقد ألقى هو نفسه عدة محاضرات تحت إشراف جمعية الصداقة الفرنسية أيضًا. وفي فبراير/ شباط 1945، امتدح صديقه الشاعر ماكس جاكوب. وكان جاكوب فرنسيًّا من أصل يهودي تحول إلى اعتناق الكاثوليكية في شبابه. وقد رسخ شهرته كواحد من شعراء فرنسا البارزين مع صدور كتابه جام النرد، في عام 1916. وبحلول عام 1936 كان قد اعتكف في دير سان بينوا في وادي اللوار ليخوض تجربة راهب ورع. وقد خيب نشوب الحرب آماله. ففي مارس/ آذار 1944، قام البوليس الفرنسي (أو الجستابو؛ والأمر غير واضح) باعتقاله لدى خروجه من قداس وسرعان ما مات بعد ذلك، مريضًا ومنسيًّا، في معتقل درانسي، خارج باريس. وقد نشر إيتيامبل مختارات من الرسائل التي كتبها جاكوب إلى جابيس خلال الثلاثينيات في مجلته فالير، وبعد ذلك بعدة أشهر، صدرت الرسائل كلها، مع مقدمة بقلم جابيس، في كتيب تحت عنوان: رسائل إلى إدمون جابيس.
وكانت محاضرة ثانية ألقاها جابيس ثناءً ومرثية أيضًا لصديق، هو هذه المرة بول إيلوار، الذي مات في نوفمبر/ تشرين الثاني 1952. وقد ألقيت المحاضرة بعد شهر من موته، وصدر نصها على شكل كراس تحت عنوان بول إيلوار في عام 1953، تضمن أيضًا قصيدتين في رثاء الشاعر، بدأت إحداهما: "السبل تألف الحداد / المصباح الذي يدرك الليل".
والأرجح أن أفراد الجمهور المائة أو نحو ذلك الذين حضروا المحاضرة قد استشعروا قدرًا من التوتر غير المريح في القاعة في تلك الأمسية. فقد كان حاضرًا جورج حنين، صديق جابيس ومنافسه لوقت طويل، الذي قدم مرثيته هو لإيلوار. ولم تكن هذه المرثية سخية كمرثية جابيس. فالواقع أن حنين قد قال بشكلٍ سافر إن "بول إيلوار قد أخفق في أن يكون شاعرًا عظيمًا [.......]. على أنه، في عالم لا يعرف الرحمة، يظل حامل الرقة – هو الذي أراد اختزال المسافات بين البشر". والأرجح أن ثناء حنين المخفف على إيلوار قد نكأ جراح إدمون جابيس؛ فمنذ أن تعارف حنين وجابيس (في عام 1934)، تبنى الشاعران آراء متباينة حول ما يجب أن يكون عليه الأدب: هل يجب أن يكون سياسيًّا بشكلٍ سافر، شحم الحركات الاجتماعية، أم يجب لمحتوى الأدب أن يوحي برؤية سياسية على نحو أكثر رهافة، متخليًا عن أسلوب البيانات والإثارة؟. وقد تحدد الخط الفاصل بينهما على نحوٍ واضح منذ عام 1937 عندما ألقى حنين محاضرته الافتتاحية عن السوريالية المصرية والتي استبعد فيها ماكس جاكوب، صديق جابيس، واصفًا إياه بـ "المهرج"، وأثنى فيها على ثورة أندريه بريتون في الشعر. ويبدو أنه بحلول عام 1952، كان الشاعران على خلاف تام فيما بينهما. وكما كانت الحالة مع ماكس جاكوب، فإن قيمة صديق جابيس، بول إيلوار هذه المرة، قد جرى التقليل من شأنها بينما جرى إحلال بريتون على رأس القطب الطوطمي. وصحيح أنهما تعاونا في مشاريع مختلفة بعد الحرب، خاصة في إنشاء مجلة لابار دو سابل الأدبية، التي ظهر منها عددان (في فبراير/ شباط 1947 وأبريل/ نيسان 1950) كما نشر حنين وجابيس سلسلة من الكراسات الشعرية لكتاب منفردين ذوي سمعة راسخة. ومع أن مرثية جابيس وقصيدتيه المكتوبة تحية لذكرى بول إيلوار قد نشرت من جانب لابار دو سابل، فإنها سوف تكون آخر نصوص تظهر له في هذه المجموعة. ومنذ ذلك الحين، سوف يتعين على جابيس أن يجد شركاء وأصدقاء أكثر تعاطفًا.
كما تحدث جابيس في فبراير/ شباط 1955، بالاشتراك مع صديقه جابرييل بوتور، عن الشاعر آرتور رامبو الذي تأثر جابيس منذ أوائل شبابه بتمرده وبتجريبه على صعيد الألفاظ، كما تأثر بنزقه الشاب. وفي حين أن محاضرة بونور معروفة، إذ نشرت في عام 1955، فإن نص محاضرة جابيس عن رامبو ليس متوافرًا بشكل كامل. على أن مراسلاً لصحيفة البروجريه إيجيبسيين حضر تلك الأمسية قد ذكر أن لغة المحاضر كانت في بعض الأحيان "جد عميقة بحيث يصعب على أمثالنا ممن لا يمتلكون حاسة سادسة استيعابها".
وعندما جرى طرد بونور في عام 1952 من منصبه التعليمي في بيروت لاحتجاجه على الغزو الفرنسي لتونس، ساعد جابيس على حصول بونور على منصب أستاذ للأدب الفرنسي بجامعة عين شمس. ومنذ تلك اللحظة وحتى موت بونور في عام 1969، جمعت بين الرجلين صداقة من أكثر الصداقات حميمية، وكانا يتبادلان المشورة حول مسائل الشعر والنقد (أسهم بونور بكتابة مقدمة لمجموعة أشعار جابيس القاهرية، الصادرة تحت عنوان أشيد داري، قصائد، كما أسهم بكتابة عدة أبحاث مكرسة للأشعار الباريسية، ساعدت على توضيح صعوباتها وتجديداتها بالنسبة لجمهور فرنسي كان من الممكن لولا ذلك أن يلبث حائرًا).
ويكشف كثير من شعر جابيس المكتوب خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها عن انشغال مكثف بالتغيرات السياسية العنيفة التي تنزلها الحكومات بالناس العاديين الذين يجدون أنفسهم تحت رحمتها. وقد أصبحت أخيلة السوريالية ذات الطابع الفانتازي، والتي امتلك ناصيتها قبل أعوام الحرب، إنسانية بشكل عميق. وعلى سبيل المثال، فإن أغنيات لأجل وجبة الغول، والمكتوبة بين عامي 1943 و1945، لا تفصح عن رؤية سياسية سافرة. بل إن أغنيات "قصيرة"، مثل أغنية لأجفانك المغلقة، تتحدث عن أهوال الحرب ليس بلغةِ بالغٍ ذات طابع مشحون بالرؤى الثقافية بل من خلال عيني طفل مذعور: "الغول، عندما تتفتح شهيته، يقيم فراغًا حول نفسه/ إنه يقيم الليل/ فلم يعد للعالم المكسور أي شكل بعد/ أسرعوا، أغمضوا عيونكم، فالغول لا يمكنه التهام النيام".
وبشكل متبادل مع هذا النوع من القصائد، كتب جابيس قصائد تشهد على إحساسه المتزايد بأن الاستقرار الاجتماعي، الذي زعزعته النظم الملكية والسياسية المتعاقبة في مصر وفي الخارج، قد ينهار يومًا ما. وقد أخذ يشعر، على نحو متزايد، بأنه غريب في وطنه. كتب في أواخر الأربعينيات" :إن الشاعر الموجود دائمًا في بلد أجنبي، إنما يستخدم الشعر ترجمانًا له".
وفي منتصف العمر، غادر جابيس مصر، مع زوجته وابنتيه، إلى فرنسا. وقد انتقل إلى شقة صغيرة في باريس حيث صادف، بعد وقت قصير من وصوله، شعارات غيرت للأبد فكرته عن نفسه كشاعر مصري يكتب بالفرنسية.
وكانت الشعارات قصيرة ومباشرة: "الموت لليهود!". ثم: "أيها اليهود، عودوا إلى بلادكم!". لقد كان ذلك تبديًا لمعاداة السامية لم يصادفه قط في وطنه حيث لم يبد أن هناك أهمية للفوارق الدينية والعرقية، في المجتمع الكوزموبوليتي الذي عاش وعمل فيه. والحال أن البلد الذي سعى إلى العثور على ملاذ فيه – ذلك البلد الذي وجهته إليه لغته وثقافته والذي طالما جرت الإشادة به بوصفه "مهد الحرية" – قد بدا على نحو مفاجئ وصارخ أنه يرفضه لكونه يهوديًّا. ولما كان جابيس لا يستسلم للسخط، فقد أهمل الحادث الذي صدمه. إلاَّ أنه منذ تلك اللحظة فصاعدًا، أصبح موضوع شعره هو المشكلة الوجودية الخاصة بالحياة كيهودي في بيئة معادية سافرة العداء.
وقد شرع جابيس في كتابة العمل الذي حقق له شهرته، وهو كتاب الأسئلة الذي يعد شبه مذكرات وشبه رواية شعرية، والذي نشر في سبعة مجلدات بين عامي 1963 و 1973. وفي هذا العمل الطويل، أشار مرارًا إلى اضطهاد اليهود وانخلاع جذورهم عبر التاريخ، حتى مع أنه لم يكن قط يهوديًّا ممارسًا أو مؤمنًا. كما عاود الالتفات إلى حياته وتجربته في وطنه، مصر.
وقد كتب في منتصف الستينيات: "إنني أحتفظ من البلد الذي تركته بذكرى فراش كنت أنام عليه وأحلم وأمارس الحب". وعلى الرغم من عشقه المتواصل لمصر، فإنه لم يعد إليها قط، فقد كان يود لذكريات شبابه وصدر رجولته السعيدة ألاَّ تتغير من جراء زيارة سائح. وعلى الرغم من أنه قد قال مرارًا إنه لم يشعر قط بالراحة التامة في فرنسا، فإن ذلك البلد سوف يصبح بلده منذ ذلك الحين فصاعدًا.
فهل من الوارد أن يجري النظر يومًا إلى إدمون جابيس بوصفه كاتبًا مصريًّا؟ ربما كانت الإجابة بالإيجاب، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن كتابًا فرانكوفونيين آخرين – خاصة جورج حنين وأحمد راسم وألبير قصيري – كانوا موضوعًا لنظرة نقدية عامة من جانب بشير السباعي في عدد فبراير / شباط 1995 من مجلة "القاهرة". وهناك قدر كبير من الحماسة الودية تجاه جماعة الكتاب الفرانكوفونيين المصريين من جانب أساتذة وطلاب وعارفين كثيرين آخرين بالثقافة الحديثة. وهؤلاء الناس يهتمون بالكتاب الفرانكوفونيين ليس لمجرد الحنين الجميل إلى عالم مضى، بل لأنهم يدركون أن تقدير إنجازات هؤلاء الكتاب إنما يثري فهمهم لمصر المعاصرة. وبعد نحو أربعين عامًا من رحيل إدمون جابيس عن مصر، فربما تكون لحظة الاهتمام به قد حانت.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top