الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


 الأربعاء، ٦ مايو/ أيار ٢٠١٥(الحياة)
نظر كثر إلى تظاهرة 11 كانون الثاني (يناير) المنصرم في باريس على أنها رد جماعي ولد من الخوف. ولكنني أرى أنها علامة على انفعال شطر كبير من فرنسا. وللمرة الأولى في حياتي، لم أشعر بفخر الانتماء إلى فرنسا، على رغم قوة شعوري الوطني. وهذا الشعور كان وراء إنجازي كتابي «مصير المهاجرين» الصادر في 1994. فحينها رغبت في الرد على الانغلو – ساكسون الذين يعيبون على الفرنسيين، على الدوام، ظاهرة لوبان. وفي عملي هذا، سلطت الضوء على عدد الزيجات المختلطة في فرنسا. ولطالما دافعت عن بلدي. ولكنني في 11 كانون الثاني شعرت أنني لا أرغب في الانتماء إلى فرنسا على هذه الشاكلة. فهذه التظاهرة جمعت 4 ملايين شخص رفعوا لواء الحق المطلق في السخرية من ديانة الآخر واعتبار هذا الحق في مصاف الواجب. والآخر هو أضعف شريحة في المجتمع. لذا، يشعر كثر أن رأيهم في محله ولا يجانب الحق. ولكن هذا الحسبان في غير محله. ويجب النظر إلى ما وراء الكذبة (الجماعية) وما وراء المشاعر الحسنة والقصص الجميلة التي يرويها الناس عن أنفسهم. فنظرة سريعة إلى مستوى التجييش أو التعبئة تميط اللثام عن زيف المزاعم. ولا شك في أن عدداً كبيراً من الناس شارك في التظاهرة ولم يكن يدري ما هو فاعل.
وعلى خطى أعمال دوركهايم التي تناولت الانتحار وأعمال ماكس فيبر، رميتُ إلى تسليط الضوء على قيم الناس العميقة وإفهامهم دواعي أفعالهم التي غالباً ما تخالف صورتهم المتخيلة عنها. وحين نلاحظ خريطة التظاهرة، أكثر ما يستوقف هو ما يسميه معهد «إينسي» غلبة كفة «الكوادر والمهن الثقافية العليا». وهذه الغلبة تسمح بفهم وزن التظاهرات في باريس وتولوز وغرونوبل... والمؤشر الثاني الذي استوقفني هو مغالاة الشرائح المتحدرة من الكاثوليكية في الإقبال على التظاهر. وهذا يثبت نظريتي القائلة أن فرنسا اثنتان: من جهة فرنسا العلمانية والجمهورية في الحوض الباريسي والواجهة المتوسطة الخ، ومن جهة أخرى فرنسا الأطراف: الغرب وجزء من منطقة الرون- الآلب ومنطقة اللورين وفرانس كونتيه. وهذه المناطق هي التي قاومت الثورة (الفرنسية) وحيث رجحت كفة الأثر الكاثوليكي إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. وحين فحص البنى العائلية السفلى في هذه المناطق التي أطلقتُ عليها في كتابي السابق «الغموض الفرنسي» الذي كتبته أنا وهيرفيه لو برا، ، تسمية «المسوخ الكاثوليكية»، يلاحظ غياب المساواة في الإرث بين الأشقاء والشقيقات. والمناطق التي ذاع صيت ميلها الضامر إلى الجمهورية هي التي شهدت أكبر التظاهرات دعماً للعلمانية. وهذا أمر غريب. فالمعاقل السابقة للكاثوليكية هي أكثر من ناضل من أجل الحق في التجديف. فهذا النظام ليس جمهورية تحتسب مصالح كل سكانها بل «نيو-جمهورية» لا تطمح سوى إلى أن تضوي في صفوفها الجزء الأكثر تعليماً والطبقات الوسطى والمسنين. وهؤلاء يشكلون كتلة مهيمنة تصيب النظام الفرنسي بالشلل. وفيها تجتمع عناصر دينامية نبذ ولفظ لا نظير لها: لفظ ناخبي «الجبهة الوطنية» – وهم اليوم العمال- ونبذ أولاد المهاجرين الذين لم يشاركوا في التظاهر. وهذه الجمهورية الجديدة – وهي ثمرة مزيج سوسيولوجي – سياسي غريب- ترفع لواء رايات عظيمة مثل الحرية والمساواة والإخوة في وقت فرنسا تنخرها اليوم اللامساواة والميول المغالية في المحافظة والانغلاق. وفرنسا التي توجه دفة البلاد هي تلك التي كانت معادية لدريفوس (معادية للسامية) وكانت كاثوليكية (قيم محافظة) وفيشية.
وترتب على بروز قوة «الحزب الاشتراكي» الفرنسي سيطرة مناطق متحدرة من الكاثوليكية على مقاليد فرنسا. وحسبان كثر أن اليسار اجتاح المناطق الكاثوليكية، في غير محله. فاليسار الفرنسي تشوه إثر هيمنة «الحزب الاشتراكي» عليه. فهذا الحزب لا يرفع لواء قيم المساواة، على خلاف اليسار الجمهوري الشيوعي أو الراديكالي الاشتراكي. و»الحزب الاشتراكي» هو وراء أبرز السياسات الاقتصادية التي أدت إلى تفشي البطالة. وفرنسا اليوم هي من أكثر المجتمعات الأوروبية تطوراً ولكنها ربما المجتمع الوحيد بينها الذي يصدع ببلوغ نسبة البطالة 10 في المئة و»ذبح» العالم العمالي وإقصاء الشباب، بدءاً بالمتحدرين من أصول مغربية.


* مؤرخ ودارس السكانيات، عن «لوبس» الفرنسية، 30/4/2015، إعداد منال نحاس
للكاتب Tags not available

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top