الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

د. رفيف رضا صيداوي*

أحيا الاعتداء الإرهابيّ على صحيفة “شارلي إيبدو” في فرنسا مطلع شهر كانون الثاني( يناير) الفائت، منظومة القضايا التي لم يتوقّف الجدل الفكري والثقافي حولها أساساً منذ حادثة الحادي عشر من سبتمبر2001، مثل الإرهاب، الإسلام، الإسلاموفوبيا، الحجاب، العنصريّة… تلك القضايا التي تفضي الواحدة منها إلى الأخرى. فماذا عن الإسلاموفوبيا الناشطة في الغرب، وتحديداً في فرنسا؟


في دراستهما ”إسلاموفوبيا: اختراع فرنسي“(Islamophobie”:Une invention… française“)، المنشورة في العدد الخاص من مجلة ”سوسيولوجيا“ ( SOCIOLOGIE, N°1, 2014,V5) بعنوان ”سوسيولوجيّة الإسلاموفوبيا“، رأى الباحثان عبداللالي حجّات ومروان محمد(Abdellali Hajjat et Marwan Mohammed) أن الغاية من استخدام مصطلح ”إسلاموفوبيا“ تمثّلت أساساً في جعل الإسلام شيئاً غير قابل للّمس تحت طائلة توجيه الاتهام بالعنصريّة إلى كلّ مَن يطاله. فقد صاغ الأصوليّون الإيرانيون هذا المصطلح في سبعينيّات القرن الفائت من أجل تجريد النساء الرافضات ”الشادور“ من أهليّتهنّ ، أو من أجل منع أيّ شكل من أشكال النقد الموجَّه إلى الدين الإسلامي. واعتبر الباحثان المصطلحَ اختراعاً أو ابتكاراً فرنسياً تعود استخداماته الأولى إلى مجموعة من الإداريّين- الإتنولوجيّين المتخصّصين في الدراسات الإسلامية في غرب إفريقيا أو في الفضاء السنغالي مطلع القرن العشرين، مثل آلان كيلّيان Alain Quellien، موريس دولافوس Maurice Delafosse، بول مارتي Paul Marty، والذين انتقدوا الاتجاه الاستشراقي. وبحسب الباحثَيْن عبداللالي حجّات ومروان محمد بدت معرفة الإسلام ضرورة احتاج إليها آنذلك إداريّو الاستعمار رغبةً منهم بتأبيد السيطرة الإمبرياليّة على الشعوب الإسلامية المُستعمَرَة. فعكست استخدامات هذا المصطلح آنذاك نمطَ حكم وعلاجاً تفاضليّاً للواقع يستند إلى معيار ديني انفصلت قيمته عن أيّ اعتبارات أخلاقية وتحدّدت بسياسة براغماتيّة للسيطرة.
ويقتطع الباحثان مقتطفات من مقولات هؤلاء الإتنولوجيّين، ومن بينها مقولات لآلن كيلّيان يستنكر فيها العداء للإسلام معتبراً أن الوقاية منه مبالغ فيها، ”لأن المسلم ليس العدوّ المولود للأوروبي، بل يمكنه أن يصبح عدوّاً نتيجة الظروف المحلّية، ولاسيّما حين يقاوم الاحتلال بقوّة السلاح“. لكنّ اللافت في كلام كيلّيان- وهو المناهض للاتجاهات الاستشراقيّة التي ”تجوهر“ المجتمعات أو الشعوب (أي تلصق بها صفات جوهريّة)- هو أنه في معرض دفاعه عن الإسلام اعتبر أن هذا الأخير لا يعارض فكرة فتح الدول الإسلامية من قبل القوى الأوروبيّة، وأن المهمّ بحسب بعض الفقهاء المسلمين أن يضمن هؤلاء الفاتحون للمسلمين حرّية ممارسة شعائرهم الدينية واحترام نسائهم وبناتهم.
اللافت إذاً أن هذه السياسة البراغماتيّة للسيطرة كانت ولمّا تزل تشكّل القاعدة الأساسيّة لكلّ أشكال التواصل بين الغرب الاستعماري والشرق المستعمَر، ولكلّ ما نتج عنها من ظواهر سلبيّة وعنفيّة. إلّا أن اللافت أيضاً أن تفكيك بعض المثقّفين، من أوروبا وأميركا، لمفهوم ”الإسلاموفوبيا“ يصبّ في خدمة إيديولوجيا نقيضة تعرّي ما تبثّه إيديولوجيا سياسة السيطرة تلك من أضاليل وأوهام لتمويه غاياتها. ولعلّ من أبرز ما كشف عنه كتاب ”الإسلاموفوبيا“ (”L’islamophobie“)، الصادر عن دار لاديكوفيرت الفرنسية La Découverte العام 2013، والعائد للباحثَيْن عبداللالي حجّات ومروان محمد أيضاً، هو مركزيّة مسألة الإسلاموفوبيا في الحقل السياسي الفرنسي، وتمفصلها مع كلّ التطوّرات الجديدة في فضاء التحرّكات الإسلاموفوبيّة (أي مجموعة الظواهر الجماعية والتصادميّة المعنيّة بقضيّة الإسلاموفوبيا). إذ استند الباحثان إلى فرضية أن بناء ”المشكلة الإسلاميّة“ شكلّ الشريان الحيويّ في توحيد النخب الفرنسيّة، لا بل الأوروبيّة، وذلك في الوقت الذي كان فيه الانقسام التقليدي – رأسمالي/ مناهض للرأسماليّة أو اقتصاد السوق/ اقتصاد اشتراكي- قد أصبح موضع تساؤل في ظلّ التحوّل الاستراتيجي في سياسات اليسار الحاكم. وبالتالي ليس من قبيل الصدفة أن تحشد ”المشكلة الإسلاميّة“ فاعلين سياسيّين من اليمين أو من أقصى اليمين. حتّى أن التمثّلات السلبيّة للإسلام باتت منذ ثمانينيّات القرن المنصرم ملحوظة داخل الحقل السياسي الفرنسي بأسره. ففي حملة الانتخابات الفرنسية للعام 2012، اختار المرشّح نيكولا ساركوزي آنذاك توجيه الضربات لغريمه فرنسوا هولاند بالتأكيد على أن المثقف طارق رمضان و700 إمام سوف يمنحونه أصواتهم كمرشّح عن الحزب الاشتراكي.
بين التنظير والواقع
في المقابل، تشهد الساحة الفرنسيّة ”حرب أرقام“ ينقلها الإعلام إلى جماهيره حول حجم الاعتداءات التي تطال المسلمين والعرب باسم الإسلاموفوبيا. فالمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية (CFCM) يحتسب مثلاً عدد الشكاوى استناداً إلى التقارير التي يحيلها الدرك إلى النيابة العامة، فيما يستند التجمّع من أجل مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا(CCIF) إلى تصريحات المواطنين والمصادر الإعلامية، بحيث يؤدّي الاختلاف في المنهجية إلى اختلاف في الأرقام. ففي تقاريرهما السنوية العائدة إلى العام 2014 أشار الأول إلى 226 حالة اعتداء على
عرب ومسلمين، فيما أشار الثاني إلى 691 حالة.
وفي تحقيق نشرته صحيفة ”لو فيغارو“ الفرنسيّة(”Le Figaro“) في 27 شباط (فبراير) الفائت بعنوان ”الفرنسيّون حسّاسون لتصاعد الإسلاموفوبيا والعداء للساميّة“ (”Les Français sensibles à la montée de l’islamophobie et de l’antisémitisme“)، أشارت الصحيفة إلى أرقام مؤسّسة ”أودوكسا“(Odoxa) حول تزايد الإسلاموفوبيا في فرنسا بعامة، وإلى اقتناع كلٍّ من أنصار اليمين(75 %) واليسار (84 %) بهذه الحقيقة.
هكذا توجَّهت أنظار العالم بأسره إلى لعبة الأعداد: عدد الاعتداءات الإرهابيّة التي تقوم بها جهات أصوليّة إسلامية عربيّة إرهابيّة مقابل عدد الاعتداءات التي تقوم بها جهات غربيّة على المسلمين والعرب في أوروبا. وفي خضمّ لعبة الأعداد أو الأرقام هذه غالباً ما يتمّ تغييب الأسباب والدوافع الإمبريالية، وكذلك تغييب علاقة كلّ ما يجري بالأهداف الكامنة من خلفه. فما يجري لخّصته الصحافية الفرنسية إيزابيل كيرسيمون((Isabelle Kersimon بقولها ”إن فرنسا التي تشهد اعتداءات على النساء المسلمات المحجّبات والحوامل، وقتلاً للمسلمين بسبب إيمانهم الديني، إن فرنسا هذه التي باتت تشبه تماماً ألمانيا النازية وتسمح بتصاعد الغضب من المذابح القادمة، ليست فرنسا الحقيقيّة، بل إنها تلك التي يصفها الجهاديّون الذين يهدّدون بضربها مجدّداً بغية معاقبتها. إنها فرنسا التي يختار الشباب الفرنسي المسلم أن يقاتلها“( صحيفة ”الفيغارو“، 17/2/2015). أما خلف ما يجري، فتكمن ”براغماتيّة السيطرة الجديدة“ على العالم، وبأدوات جديدة غير تلك الأدوات الإمبرياليّة السابقة، ناهيك بـ”متلازمة الدولة اليهودية والدولة الإسلامية“ (التعبير لفاضل الربيعي من مقاله ”نهاية العراق ومتلازمة الدولة اليهودية والدولة الإسلامية 4“، المنشور في 8/12/2014 على موقع جريدة ”الجسر“ الإلكترونية). إذ يتمثّل أحد الأهداف الكامنة في خلفيّة هذا المشهد العام في أن تصبح وحشيّة دولة الخلافة الإسلامية- بحسب الربيعي في مقاله المذكور- ”وجهاً آخر مكمّلاً لوحشية الدولة اليهودية. إنهما دولتان دينيّتان صافيتان، يمكن لهما أن تتمدّدا فوق الأرض، ولكلٍّ منهما ما يكفي من الدعاوى الدينية: الدولة اليهودية سترى في الضفّة الغربية عودة ( لمملكة يهوذا بالكامل). والخلافة الإسلامية سترى في فتوحاتها إحياء لفتوحات الإسلام القديم لبناء العالم العربي وتأسيسه كولايات إسلامية، وبذلك يمكن للدولتين الدينيّتين أن تنسجا أفضل العلاقات التكاملية والاقتصادية والسياسية والروحية“.
لذا أختتم بمقتطفات من مقالٍ قديم نشرته صحيفة ” لوموند” الفرنسيّة(7/ 5/2011) على أثر مقتل أسامة بن لادن تحت عنوان بن لادن:”إنّني أتّهم!“ (”!Ben Laden : “J’accuse) للروائي والكاتب برسي كامب(Percy Kemp). وفيه يستعير برسي الأسلوب الروائي لفضح خفايا مقتل بن لادن، عبر مونولوغ متخيَّل قائم بلسان بن لادن نفسه. وفي ما يلي بعض هذه المقتطفات المنقولة بتصرّف:”عوضاً عن أن أحاصر نفسي بالصمت، سأتولّى الدفاع عن نفسي بنفسي. وفي مطلق الأحوال، لن أتولّى هذا الدفاع عبر معارضة أفكاركم، بل بالاستناد إلى منطقكم الخاصّ نفسه. وأذكّركم بأّنه بقدر ما ارتأيتم في كلّ مرّة الردّ على عنفي بعنف أكبر منه، فإن بذور الحقد التي توزّعت على سطح الكوكب نتيجة كلّ انفجار من تلك الانفجارات التي تسبّبتُ أنا بها، تنتمي إليكم بقدر ما تنتمي إليّ.
تتهمونني بأنّني تجسيدٌ للشرّ، فيما يغيب عنكم أنّكم أنتم مَن خلقتموني، لا بل بالأحرى خلقتموني مرّتين: مرّة عندما استخدمتموني ضدّ الشيوعيّين في أفغانستان قبل أن تقوموا بالتضحية بي على المذبح نفسه حيث احتفلتم بنصركم عليهم في الحرب الباردة؛ ومرّة أخرى حين أصبحتم بحاجة إلى عدّو بعد سقوط الشيوعيّة، لأن الإله لا يمكن أن يوجد من دون وجود شيطان. ومنذ ذلك الحين، وأنتم تفرطون بشكل منهجي في تحقيق غاياتكم الخاصّة على حساب الإنسانيّة كلّها. تَملون شروطكم على العالم بأسره وتذلّون كلّ مَن لم يحالفه ”الحظ“ في أن يكون منكم، مسلّحين بدفاعكم عن الحقّ وبقناعتكم بأنكم تقومون بعمل الله على الأرض.
وهكذا، وبعد أن ضحيّتم بي للمرّة الأولى حين كنتُ صديقكم، أراكم تضحّون بي الآن للمرّة الثانية بوصفي عدوّاً. أنا لا أشكو أو أتذمّر: ألَم تقوموا بخلقي مرّتين، تارةً بوصفي صديقاً، وتارةً أخرى بوصفي عدوّاً؟ وبالإضافة إلى طعم البهجة التي يرويها الانتقام، يبقى من الضروري معرفة بماذا تخدمكم التضحية الحالية بي؟ ”

*مؤسّسة الفكر العربي

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top