الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


يتكلم الناس في مجتمعنا بلغة الاشارات والتلميحات، لا يعبرون عما يريدون قوله صراحة، وهذه الاشارات والتلميحات تشبه اشارات المرضى النفسيين، الذين يشرعون في تفسير اي حادث عادي في مجرى يومياتهم او كلام يقال لهم وفق طريقة مرضية، بعيدة كل البعد عن الواقع، ولا معنى لها الا في نظر المريض، وهي تشبه الهلوسات التي قد يفسرها على اكثر من وجه، الامر الذي يرهقه ويجعله في حيرة من امره ويجعل الخوف والهلع يدب في اوصاله، فيعتقد خطأ ان ثمة خطر يتهدده، تماما مثل حالتي.

ورغم اني اعرف، ان ثمة لغة اشارات وتلميحات، يعبر عنها الناس كي لا يقولوا ما يريدون قوله صراحة مخافة ان يقال عنهم انهم مصدر الكلام او انهم يقومون بفتنة فيطرحون المسألة على شكل اسئلة. كما حصل معي بالامس مع زوجة عمي، حيث بادرتني بالحديث قبل ان أجلس على الكرسي عندما زرتها مصادفة، ان فلانة في القرية اخبرتها، انها كانت قادمة بالسيارة مع احدى قريباتها، واخبرتها انهم يريدون اقامة نصب تذكاري لاحد مسؤولي التنظيم المهيمن في قريتنا، والذي قتل في احدى المعارك. وعند وصولها الى نقطة انهم يتداولون في امر قطعة ارض نملكها اول القرية وهي مناسبة برايهم لاقامة مثل هذا النصب، اسرعت في الحديث دون ان تترك لي المجال لافهم ما هدفها من ذكر هذا الامر في الاسهاب حيال نقطة اخرى. علما اني قد سمعت قبل ايام من احدى قريباتي قولا يشبه المعنى ذاته، انما في غير سياق. حيث ذكرت لي انه جاء اليها  والد المسؤول القتيل طالبا منها ان تتوسط لدى شقيقي، ليسمح لهم ببناء النصب ذاكرا لها ان المسؤولين في التنظيم قد سالوا اخي الا ان اخي رفض وفقا لزعمهم، نفيت لها ان يكون احد قد تحدث مع اخي وانه لا يمكننا ان نسمح بهذا الامر لعدة اسباب. ظننت حينها خطا ان الامر قد انتهى.

 بالعودة الى زوجة عمي، شعرت وهي تتحدث عن هذا الامر، انها انامتني مغناطسيا وانها تحدثني في امر ممل خاصة وانه انتهينا من امره وكنت سابقا وبسبب من غروري وعنجهيتي وفي حالات مماثلة سابقة، استغبي من يقوم باداء مثل هذه الادوار لظني انه بسيط ومن شعبنا المسكين وانه من واجبي كوني احبه، علي ملاطفته ومداراته واستيعابه، ولكن الحياة كشفت لي كم اني كنت على خطا وكم ان الناس خبثاء وباني انا المسكين، لانهم ببساطة كانوا يتلاعبون بي.  اكملت حديثها زوجة عمي وانا شارد الفكر، ابحث عن خيط لاربط به حديثها واستجمعه تحت عنوان محدد، ولكوني لست سريع البديهة واجهل احابيلهم وطلاسمهم، فضلت الاستماع اليها، على ان اكمل التفكير بعد مغادرتي منزلها لاني اجهل هذه اللغة المواربة.

 على كل وفور ان مرت على ذكر النصب ربطت حديثها فورا بحديث اخر وقالت ان جابي الكهرباء قد اتى فروت حادثة اخرى عن كيفية اكتشاف الجابي اننا اقرباء وذلك برأ
يي كي لا تتطالبني صراحة بالمال وليبدو الامر مجرد حديث عابر ونوادر لا قيمة لها تماما مثلما ذكرت حادثة النصب وحوادث اخرى لاحقة دون ان تبادرني باي سؤال او استفسار وعلي انا ان اوضح من تلقاء ذاتي فاخذت تنهيني عن دفع المال ثمن فاتورة الكهرباء متذرعة انه لا فرق بيننا وانه قد اكون لا املك غيرهم الى ما هنالك من اهانات تدري او لا تدري بها لا اعلم.الا اني شعرت بخبثها فقط لا غير وكرهتها وكرهت هذه الاساليب الملتوية.لان الامر يشعرني اني متهم وفي جلسة تحقيق سرية يكتنفها الغموض من قبل المحققين مجردا من كل حقوقي ومعنوياتي وعلي ان أصرح بما اعرف من تلقاء ذاتي دون اي اكراهات فقط بالتلميح انهم يعرفون كل شيء وما علي سوى الاقرار بما يقولون وانه لا شيء يخفى عليهم.

لم تشفق علي بل اكملت حديثها خصوصا بعدما استسلمت بالكامل محافظا على صمتي كاني اجلد. فقالت لي ان احد اقربائنا جاء اليها وقال لها سائلا من يجرف الارض في بيت اخو زوجك اي بيتنا. وقالت له لا تدري وبما انها لم ترني منذ شهرين قالت له اني كنت هنا ولكني غادرت القرية ولم اعد. فكيف يجرفون الارض ولا يوجد احد  من اصحاب العلاقة، فقلت لها اننا سنكمل البيت الذي بدأه والدنا قبل اربعين عاما باضافة غرفتين اليه.
في اليوم التالي التقيت بنائب رئيس البلدية، قال لي ان عمك شريككم في الارض سأله كيف تجرفون الارض وهذه املاك خاصة، فقال له لا ادري عما تقول فشدد عليه بالسؤال ،فقال له  يبدو ان الجيش يدشم هذا وقد طلب عمي من البلدية رخصة لبناء منزل خلال هذا الوقت.

ان اتصال عمي بناء لتحليلي بالبلدية قد جاء لظنه انهم يقيمون نصبا في ارضنا المشتركة معه وهو ترافق مع جرفنا للتربة امام البيت لاجل البناء والذي اخبره زوجة عمي وثانيا ان التنظيم المهيمن لا يريد بناء نصب لقتيله وانهم يتحججون بنا ارضاء لاهل القتيل.

ان مثل هذه الامور مرضية برأيي ومرضي شبيه بطريقة جريان الاحداث التي ذكرت، فهي قائمة على الابهام والاشارات ولا احد يصارح احد. وكلها قائمة على سؤ فهم ولاني اشعر اني غريب عن المجتمع ولا اعرف اليات سيره والمقاصد والغايات من اي كلام مهما كانت عادية الامر الذي يشعرني ان ثمة مؤامرة تحاك ضدي لأني اجهل تفكيك الاحداث والاشارات التي يرسلها الناس اليّ مواربة. فاشعر وانا عاجز عن تفسير الاحداث وفق اساليبهم وطرق تفكيرهم ولغتهم وكلامهم الحمّال لأوجه عديدة اني في خطر.

كما واني اشبه حديث زوجة عمي بالبرقيات والشفرات، الا انها في لغة المرض تشبه الهذيان.

الان، انا سعيد وبعد رحلة المرض التي استمرت 20 عاما عثرت على اجوبة لاسئلتي الكبرى حول مصدر هذا المرض، فانا وبسبب من عيشي طفولتي ومراهقتي في بيئة معزولة عن المجتمع وعاداته وتقاليده اكتسبت عادات غريبة عن المجتمع، وكأني كنت طوال هذه المدة في الغربة. انا ما كنت يوما الا انسانا صريحا اقول ما لي وما علي ومرضي وكما قال فرويد مرتبط بالاعتراض على مرض المجتمع وذلك عندما حاول تعريف المريض النفسي فانا اجد هذه المقولة صحيحة وهي وردت في كتاب روبرت ماركوز "الانسان ذو البعد الواحد".

(*) شاعر لبناني 

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top