الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

انها لمهمة مستحيلة تلك التي تقتضي جمع الممثلتين الإيرانيتين، النافرتين من بعضهما، وذلك بسبب وطنهما الأم، إيران. فالموضوع حساس، ولكل منهما وجهة نظر متناقضة مع تلك التي تدافع عنها الأخرى. الأولى هي غولشيفته فرحاني، احدى وثلاثين سنة، وسارة بيات، خمس وثلاثين سنة، كلتهما ولدتا في طهران، ولكن لن تلتقيا. الأولى لم تعد تطيق التكلّم عن الجمهورية الإسلامية، فيما الثانية بالعكس تماماً، تستعد للعودة إليها، بعد بضعة أيام، عند انتهاء المهرجان. واحدة من النقاط المشتركة بين الإثنتين انهما عملتا تحت إدارة المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي يلاقي نجاحاً خارج بلاده كما في داخلها، مع السلطات الإيرانية الرسمية (...).

الممثلتان لهما بصمتهما في الحدث السينمائي السنوي. الأولى، الفرنكو إيرانية، غولشيفته فرحاني، فيّاضة، متدفّقة، ترسل خصلاتها السمراء الطويلة، تعيش في منفاها الفرنسي منذ ست سنوات. في شريطها «الصديقان»، للمخرج لوي غاريل، الذي يعرض في المسابقة الخاصة لـ»أسبوع النقاد»، تلعب غولشيفته فرحاني دور منى، السجينة التي حصلت على نصف حريتها، والتي تنغمس في مثلث غرامي مع رجلين، تدير رقصته بمفردها.

أما الثانية سارة بيات، الأقل ذيوعاً على المستوى العالمي، فقد اشتهرت من خلال شريط «إنفصال»، حيث تمثل دور امرأة عاملة تنظيفات. في هذا الفيلم أصرت سارة بيات على وضع القطن في أنفها وعلى خدودها، فبدت مثل الهامستر. ولكن هذا الانطباع خاطئ... فعلى شرفة الفندق الكبير اكتشفنا وجهها الذي يشبه وجه مريم العذراء (...). ممتشقة القامة، تلبس الثياب السوداء، وهي تعتبر نفسها هنا انها عابرة سبيل... وبصفتها مسلمة، تغطي سارة بيات شعرها بمنديل سميك غامق، في ظل درجة حرارة بلغت السابعة والعشرين. تبقى عيناها اللوزيتان بلون الشوكولاتة. وهي، في المهرجان، تمثل في فيلم «ناهد» للمخرجة الإيرانية الشابة إيدا باناهندة، الذي اختير لمسابقة «نظرة ما»، الخاصة. وقصة ناهد انها مطلقة، تبحث عن استقلاليتها؛ هي بالكاد تغطي تكاليف عيشها عبر أعمال السكريتاريا، تقاتل من أجل الإحتفاظ بابنها، وتحاول في الآن عينه أن تعيش قصة حب جديدة. فيلم ايراني حتى العظم...

أما غولشيفته فرحاني، فلا راية لها. هويتها عالمية، لا تقع على أرض محددة. تقول ذلك وهي واقفة أمام الشاطئ موسِّعة عينيها: «متى سيتوقفون عن طرح الأسئلة عليّ عن إيران؟ خرجت منها منذ ست سنوات، ويبدو لي الأمر وكأنه ستون عاماً. العلاقة مع إيران انقطعت، أنا ممثلة من دون ماضي. أنا مثل منى، الشخصية التي أمثل دورها، لا أهتم من أين أتيتُ!».

عندما كلفها لوي غاريل بهذا الدور، كإمرأة حرة، كان يأمل فعلا بأن تطوي غولشيفته فرحاني الصفحة الإيرانية. يقول لنا بهذا الشأن: «كنت أريد لها أن تمثل في فيلم لا تحمل فيه على أكتافها ظروف المرأة الشرقية. فهي تمثل في فيلم فرنسي» (...).

غولشيفته فرحاني رسمت طريقها الخاص بسرعة. كون والدها ممثل ومخرج مسرحي سمح لها بالظهور في أول فيلم لها وهي في الرابعة عشر من عمرها. وبسرعة، أعطيت لها أدوار مختلفة، ونالت جوائز عديدة. الجمهور الأجنبي اكتشفها في شريط «المتجر» (2004) للمخرج الإيراني حميد نعمة الله. في العام 2008، كانت تمثل إلى جانب ليوناردو دي كابريو في شريط ريدلي سكوت «كذبة دولة»؛ هكذا أصبحت غولشيفته فرحاني أول نجمة ايرانية تجتاز حواجز هوليوود.

هنا، بدأت مشاكلها: فالسطات الإيرانية غضبت عندما رأتها في ثياب عارية الكتفين والصدر على الطريقة الغربية في احد المهرجانات الأميركية. ولدى عودتها إلى ايران، صادرت جواز سفرها. أما الباقي فمعروف: ترحل غولشيفته فرحاني من بلادها، وتستقر في فرنسا حيث تبني لنفسها سمعة كمتمردة، بتحدّيها للملالي. آخر تحدياتها: الظهور عارية في العدد 17 من مجلة «إيغويست» (أناني) للمصور المعروف باولو روفرسي.

وهي لعبت في فيلم «قراصنة الكاريبي» الذي سيخرج إلى الشاشات عام 2017، للمخرجين جواكيم رونينغ واسبن سنبرغ، وكذلك في فيلم «مأساة صوفي» للمخرج كريستوف اونوريه. وهي تردد: «أنا هنا سعيدة مثل سمكة في البحر».

أما سارة بيات، فهي تريد أن تبقى «ضمن الإطار». وهي تقول: «أنا أعشق إيران. والحرية مفهوم نسبي جدا. لو لم نكن على درجة من الحرية، لما نال فيلم «الإنفصال» جائزة في مهرجان برلين». وهي ترفض أن تمثل إلا في الأفلام التي نالت موافقة السلطات، مثل فيلم «ناهد». وهي تتابع: «الذين يصورون أفلاما سرية يسيئون إلى صورة البلاد. لن أمثل في فيلم سري، بل ان فكرة كهذه تجعلني أتقيأ» (...).

أن تكون سارة بيات نجمة إيرانية مثل ممثلة أخرى اسمها ليلى حتمي، فتلك هي أمنيتها. هي أيضا بدأت مبكراً مشوارها الفني. وهي تروي: «عندما كنت طفلة، كنت أقلد مذيعي نشرات الأخبار على التلفزيون، وكذلك الممثلين. وكان أبي يقوم بتصويري وأنا أؤدي هذه الأدوار». ولكن أهلها وقفوا بوجهها عندما أرادت امتهان المهنة. وهي لم ترضخ لهم. تتابع: «عندما بدأت بحصد الجوائز، أصبحوا سعداء بمهنتي هذه». وفي مهرجان كان هذه الأيام تمكّنت سارة بيات أن تلمس مدى شعبيتها، إذ تقول: «التقطتُ صوراً مع المصطافين هنا، بالقرب من قصر المهرجانات. ثم وقعت انظار المعجبين على الصفحة الأولى من مجلة تعلن انني سأشارك بالتصوير في فيلم عن الرسول محمد، الذي يروي طفولته». الفيلم من الإنتاجات الضخمة، تموّله السلطات الإيرانية، وتلعب فيه سارة بيات دور مرضعة الرسول ومربيته. مثل مواطنتها غولشيفته فرحاني، تعتبر سارة نفسها محظوظة: «أنا أعيش داخل غيمة» تقول. فبعد أيام ستكون قد ركبت الطائرة وعادت إلى إيران. 

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top