الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

قصة... خاص الرومي


1

الضلع العرضي لتلك الساحة المستطيلة أصبح قصيرا، فتحولت إلى شارع صغير يفصل بين بلوكّين يمينا ومثلهما على اليسار.
بلوكّات هذه الرقعة ليست من التلاتات، التي تنبه أصحابها إلى أهمية وجود غرفة ثالثة، عندما بُنيت لذوي المنازل المنهارة أيام السادات.
سوف يتحايلون، بعد سنوات طويلة، ويخرجون بشريحة بنائية عند الواجهة بارتفاع البيت وعرضه لتبرز غرفة إضافية من كل شقة.

الجالسون على العتبات في هذه الليلة، تنبهوا إلى صخب آتٍ من إحدى شرفات الدور الخامس.
كان أحدهم أتم التاسعة والعشرين. وهو الآن يحتفل، للمرة الأولى، بعيد ميلاده، بعدما راح يلفّ على أفراد العائلة للتأكيد عليهم بالمجيء، واضطر إلى اصطحاب بعضهم في سيارة أجرة يعمل عليها.
سوف ينتظر ليطمئن إلى أن الكل موجود. الجدّ والأحفاد، الإخوة وزوجاتهم، قبل أن يختفي ساعة أو أكثر قليلا، ليظهر بعدها عند باب الغرفة الإضافية. حليق الوجه، بنظافة ساهمت في إظهار المساحات الفارغة بفروة رأسه، وملابس يبدو أنها جديدة.
لن يلحظ إحدى زوجات أخوته، عندما تبتسم بإعجاب إلى اعتنائه بنفسه الذي عاد إلى سابق عهده بعدما كان أهملها لفترة، غير أنها همهمت لسلفتها بأن شكله بعد حلق الشارب، أصبح عرص.

2

الصخب يزداد تدريجيا.
يتجلى عندما تصر زوجته على جذبه إلى السجادة التي تقوم بدور حلبة رقص في منتصف الغرفة. لكن هذا الصخب، لم يكن بسبب صوت حسن الأسمر الخارج عاليا من جهاز التسجيل، وإنما بسبب صيحات الجالسين تشجيعا للداخل إلى الحلبة.
لحظات، وتبدو عليه ربكة لا تليق بمثله. وهو من تعتبره العائلة شاردها الذي جال داخل أركان الليل في سهرات لا يعرفون عنها شيئا، وأفراح الشوارع بعبقها الأزرق وفوهات الجِوز، والتطوح عند رمي النقطة على راقصات الدرجة الثالثة.
بدا، وهو يتحرك بخطوات أثقلها الترهل والخجل، كموظف قطاع عام يجرب رقصته الشعبية الأولى، ويخشى السقوط مع مجاراة الحركة السريعة للزوجة السمراء التي تلفّ حوله في خفة وميوعة.
لم ينجح الهواء المنعش للغرفة البحرية، في منع حبات عرق غزير من التسلل إلى جبهته، وانسيابها من وراء أذنيه.
أنقذته شهقة إحداهن، عندما رأت صغيرا يزحف عبر باب الشرفة التي لم يكتمل بناء سورها.
يشير هو إلى الموجودين ليستمروا في الصخب حتى لا ينتبه الصغير، فيقوم بحركة سريعة تلقي به من الخامس.
اقترب والتقط الولد، ثم استدار به سريعا بطريقة حاول أن يجعلها مسرحية، لعلها تعيد له تركيبة المغامر الذي تصوروه، بعدما فضحته رقصة بلهاء.


3


انحنى يلتقط عُقب سيجارة ملقى عند عتبة المدخل.
تأمله بدراما، ثم نظر إلى الصبي الجالس على درجة السلم الأولى، نظرة ذات مغزى، قبل أن يتجاوزه تاركا إياه في حيرة من هذا الخال الذي يعاتبه بالعين. كأنه اكتشف تدخينه للتو، رغم أنهما تبادلا السجائر عدة مرات من قبل.

في الطابق الثالث، ألصق ظهره بالحائط المقابل للدرابزين، حتى يوسع طريقا للرجلين الذين حملا محفّة لا زالت مبتلة.
أكمل طريقه صاعدا. يحاول تفادي خط الماء النازل على درجات السلم، والذي تزداد كثافته كلما اقترب من الطابق الخامس.

قبل يوم واحد، شاهده الجيران يصعد درجات السلم نفسه، وهو يحمل والده بين ذراعيه، بعدما اشتد عليه المرض، واجتاح التليف أغلب رئتيه.
عندما تكلموا عن الهزال الشديد الذي بدا على الجدّ، أمّن على كلامهم بأنه صار في وزن طفل، فلم يشعر هو بتعب من حمله إلى الطابق الخامس، رغم وجود سيجارة مشتعلة بين شفتيه.


4


"زحليقة" مركز الشباب القريب لم تعد تصلح للعب.
مصنوعة من الخشب، ومازالت مثبتة في الأرض الرملية.
"للرمل الذي يغطي ساحات لعب الأطفال، في المدارس والنوادي، رائحة مختلفة، عن رمال الشواطئ، وعن الرمل المستخدم في أعمال البناء".
هكذا فكر.
كيف كان سطحها، الخشبي، ناعما لدرجة تسمح بالتزحلق دون جروح أو نتش للملابس؟ لا يعرف.
يتسابق مع أقرانه في صعودها عكسيا والوصول إلى قمتها دون وقوع.
لكنه كان، في أوقات كثيرة، يفضل الجلوس على بعد، ومراقبة البنات اللاتي تطايرت تنانيرهن أثناء التزحلق، فتظهر ملابسهن الداخلية.

الآن يقف عند سلم "زحليقة" من البلاستيك، ليحاول صعود الدرجة الأولى.
لن تتحمله. ارتفاعها لا يستدعي صعود السلم.
مثلها مثل الكرسي، قال لنفسه.
يجرب الجلوس على قمتها، مستندا بإحدى قدميه على الأرض. فشل بسبب صغر حجمها. ينتفض عندما يشعر بحركة في الغرفة الأخرى.
لو سألته زوجته عما يفعل، سيقول إنه كان يختبر متانتها.
كانت كبيرة الحجم بالنسبة لابنته، تبذل جهدا لصعود درجتيها وبدء التزحلق.
أحيانا، تحاول الصعود بشكل عكسي. تقف على بعد خطوات من نهايتها، ثم تجري لتقفز إلى منتصف مجرى "الزحليقة"، تتشبث بحافتيها، تنام على بطنها وتترك نفسها للنزول وهي تضحك بصوت عال. ويهيئ له إن رحلة نزولها تأخذ وقتا أطول مما تحتاجه المسافة بين قمة الزحليقة  وبين أسفلها.

بالليل، تذكر أن يزحزحها قليلا عن مكانها، حتى لا تصطدم البنت بالمنضدة الصغيرة في وسط الغرفة، أثناء نزولها مندفعة داخل المجرى البلاستيكي.


5

عند سفح الهرم الكبير وقفت العربة القديمة. يخرج من مقدمتها سلك يصل إلى جهاز تليفزيون أبيض واسود صغير.
لم أفهم كيف يعمل التليفزيون ببطارية العربة.
هناك أربعة كشافات تسلطت على المثلث الحجري العملاق، وتشكلت أشعتها على مكعبات الحجارة الكبيرة، فزادت هيبته. عيال يلعبون الكرة، وآخرين يحاولون تسلق الدرجة الأولى لجسم الهرم، بينما مجموعة من الشباب تجلس على الدرجة الثالثة أو الرابعة، غير أن بعضهم بجوار فتيات في ثنائيات بعيدة. وعائلات افترشت السفح الممتد.
لاحظ هو أن محاولاتي لإطلاق الطائرة الورقية الصغيرة ليست ناجحة. أخذ مني بَكرة الخيط، وجلس على قرفصائه. بدأ في سرسبة الخيط تارة، وجذبه تارة. تتأرجح الطائرة، مع السرسبة، إلى اليمين واليسار، ويبدو ذيلها مثل ثعبان يتراقص، وهي تبتعد. ثم تعلو وينفرد ذيلها كرمح مشدود عندما يجذبها، وتصدر الشراشيب البلاستيكية حفيفا محببا.
..
كان يعرف أنها لعبتك المفضلة بين ألعاب الحي، الدبور، البلي، الرهان على الأساتك وأغطية المياه الغازية، القصب الذي كنت تتراهن على كسره إلى عُقل بحافة يدك، وغيرها من الألعاب التي كانت لها مواسم.
هناك طائرة أو اثنتين في سماء المنطقة، الموسم بدأ إذن. بسرعة إلى عم منصور، تنتقي من دكانه الصغير "غابة" تصلح للتقسيم ثلاث عصي متساوية بالطول، وتصنع طائرتك بمهارة، قاضيا الليل في عمل ذيلها الذي يأخذ وقتا طويلا، بسبب قص أكياس البلاستيك إلى شراشيب رفيعة، ولضم الخيط حولها واحدة تلو الأخرى.
..
ترك ليّ بكرة الخيط، بعدما اشتد. وذهب يتمشى بالقرب.
لمحت أبي يرمقه، وانشغلت بالطائرة التي حلقت. غير أن أذني التقطتا صوت محمد فؤاد خارجا من جهاز تسجيل، بأغنيته الجديدة:
يا صغير ع الهوا..
بالتحديد، المقطع الذي يكرر فيه فؤاد كلمة "يا صغير"، متقطعة، قبل أن يكمل أغنيته.

في البيت، قال أبي إنه اندهش بشدة عندما رآه يقترب من العائلة التي كان معها عددا من الفتيات يرقصن على أغنية محمد فؤاد. اقترب وكأنه غير متعمد، ياقة قميصه المشجر محدوفة إلى الوراء، وبدأ في التصفيق مع نفسه والدندنة بالأغنية، لعله يلفت نظر إحداهن.
تحدث أبي، أيضا، عن شعوره برغبة، في أن يذهب إليه من الخلف، ويفاجئه بصفعة قوية على قفاه الطويل العاري.

6

عاش من شافك. قال أحدهم.
بسرعة عرف الملامح التي غيرها الصلع.
واستعادت أنفه رائحة كان يشمها من هذا الرجل قديما. رائحة ارتبطت في ذهنه بالنوم مع النساء وعدم الاستحمام بعدها. هاجس كان ترسخ لديه تجاه هذا الشخص الذي عرف أغلب قحاب المنطقة، أو أنه يدعي هذا.
كان يربط بين لون السائل المنوي وبين البياض الشاحب لهذا الوجه، الذي يظهر على جانبيه خَضار باهت لعروق غير نافرة.
لطالما اندهش من حديثه عن هذه المرأة أو تلك، خصوصا عندما يسترسل في وصف أجسادهن، والأوضاع التي مارسها مع كل واحدة.
يتساءل، بينه وبين نفسه، عن هذا الشخص الذي يستطيع الإيقاع بكل هذه السيدات اللواتي يبدو عليهن الاحترام.
اتجوزت ولا لسه؟ سأل الرجل.
ارتبك لمّا لم يتذكر اسم محادثه، لكنه تجاوز المسألة وأراحه أن الرجل، هو الآخر، ناداه بغير اسمه.
آه. قالها مداريا دهشته من السؤال، فزوجته تقف بجانبه.
وانت، اتجوزت؟
اتجوزت تاني بعد ما طلقت الأولى.
ولسه قاعد هناك؟
لا. المنطقة بقت صعبة جدا.
أنا عندي شقه هنا، قريبة من البحر، ما تيجي تتغدى معايا.
مرة تانية، لأني مرتبط بناس.
خلاص، نسهر مع بعض.
وذهب.
راح هو يحمد الله أنهما لم يتبادلا التليفونات أو أي شيء.
وجلس يتأمل قرص الشمس.
كانت المرة الأولى التي يلحظ فيها مشهد الغروب. أدهشته السرعة التي راح يختفي بها وراء البحر، وأبهره اللون الذي خلفه وراءه في الأفق.
تذكر أنه لم يهتم بهذا الأمر من قبل.
ابتسم، وحاول سماع ما تقوله السيدتان اللتان وقفتا بالقرب منه.
لكن صوت الأمواج كان أكثر علوا.

7

توقعت سماع خبره بعد المقابلة الماضية.
كانت ملامح وجهه الأسمر أكثر امتلاءً بالتفاصيل.
العينان دخلتا أكثر لتصنعا فجوتين، وانحفر خطين عميقين على جانبي الأنف.
أعطيته سيجارة رفضها بابتسامة، وحكى بتفاؤل كبير أنه توقف عن التدخين منذ ستة أشهر.
قال إنه كان شعر بتعب بعد حضور فرح ابنة أحد الأصدقاء. ظل يروح ويجئ داخل الشقة:
مكنتش عارف آخد نفسي.
في اليوم التالي، وبعد عمل الإشاعة، سأله الطبيب:
بتدخن بقالك قد ايه يا حاج؟
 متعدش، أجاب.
يعني شبعت م السجاير، كفاية عليك كده بقى، أمره الطبيب.
كان يحكي بطريقة من أُنقذت حياته على آخر لحظة.
ذهب مبتسما.
واستغربت، في نفسي، من أن الطبيب كان يناديه بـ يا حاج، وهو لم يتجاوز الأربعين بعد.
أو هكذا كنت أتصور.

(*) قاص مصري

(

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top