الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


 تونس...
أزعم أنّ العادةَ، لا قطعَ الله لنا عادةً في الأرضِ، هي التي تحكمُ أغلبَ نشاطاتِنا الفكريّة والاجتماعيّة والثقافية والاقتصادية والعاطفيّةِ. والعادةُ، على ما نعرِفُ، هي كلّ سلوكٍ يطمئنُّ إليه الإنسانُ فيُكرِّرُه في الزّمنِ ويرحل به أحيانًا في المكان حتى يتعوّدَه الآخرون وتتناقله الأجيال في دوريّة ذهنيّة وزمانيّة منتَظِمةٍ، فترتقي العادةُ من حيِّزِ الفعلِ اليوميِّ العاديِّ إلى محلِّ القانون الذي ينتظمُ حَراك أمم الأرضِ البشريّة. وتتوفّرُ العادةُ، في العادة، على جهازٍ مناعيٍّ يحميها من الاندِثارِ ويمكِّنها من آلياتٍ هجوميّةٍ تحمي بها نفسَها من نزوع الكائن إلى تصنيع عادات له جديدةٍ. وإذْ تفعلُ ذلك، تكتُبُ تاريخَها وتؤلِّفُ فقهَها الخاصَّ وتزدادُ تغلغُلاً في أذهانِ الناسِ، فلا يقمعُ جموحَها إلاّ نبيٌّ أو فيلسوفٌ مارِقٌ عن المألوفِ لا يخشى الحَرْقَ أو رَجُلٌ - مثل محدِّثكم- يُجيدُ المشيَ اللغويَّ على أجسادِ البَيْضِ الشفيفة.
ولعلَّ من أوفرِ عاداتِنا العربيّة الراهنةِ عادة النميمة، فهي فعلٌ يأتيه فقهاؤها في النهار وفي الليلِ، فرادى وجماعاتٍ، حَزانى وسعداء. بل هي بالنسبة إلى إليهم مثل الماءِ يكونُ بها كلُّ شيءٍ فيهم حيًّا ويلسعُ لسعَ الحيّاتِ الصحراويّةِ. ذلك أنهم لا يستطيعُون ذِكْرَ أحدٍ إلاّ بما فيه من سيِّئاتٍ. ولا يمكنُ لهم أن يتخيّلوا شخصًا إلاّ في إهاباتٍ سيّئةٍ رغم ما يكون فيه من جمالِ اللسانِ والفِكْرِ والسلوكِ. فإذا ذُكِرَ أمامَهم كاتِبٌ مَّا، قاتلوه، ولعنوه، وقالوا إنّه رديءُ الأسلوبِ، سلفيُّ اللغةِ (لأنّه أقدرُ منهم على ضبطِ إعرابِها) ذو أفكارٍ بدائيّةٍ (وذلك لكونه يحبّ الناس بصدقٍ ويكره منهم مَن يكره بإخلاصٍ)، بل قد يُضيفُ هؤلاء القولَ بأنّه لا يعرِفُ قوانينَ اللعبةِ الكتابيّةِ وسياقاتها التجارية مثلما يفهمونَها هم، فهو في رأيهم لا يُجيدُ المدحَ وغبيٌّ يُجيدُ الهجاءَ الهجاءَ. وفي خلال نميمتهم ينسونَ أنّ مدحياتهم تضرِّ بالممدوح وتحطّ ممّا قد يكون له من شأن، فهم يمدحون فنّانةً إيروتيكيّةً بمقالةٍ، ويمدحون زعيما سياسيا فاشلا بأخرى فلا يتغيّر في كتاباتهم إلا اسم الممدوح وحجم العُهر، وهو ما نراه يمثّل الجانب الصادق الوحيد في صناعتهم المدحية. 

والذي في رأينا أنّ عادةَ هؤلاءِ النَمَّامينَ عادةٌ حميدةٌ يبحثونَ لها عن أتباعٍ يروِّجونَها في الزمانِ وفي المكانِ، ويستقطِبونَ لها الناسَ من كلٍّ فجٍّ عميقٍ. يفعلون ذلك ليكسبوا قوتَ أيّامِهم، ويبيعون بما كتبَ الله من دريهمات خيراتِ أوطانِهم من العفّةِ ومكارمِ الأخلاقِ والشهامةِ والرجولةِ والصِّدقِ. ولكنّهم يتناسونَ أنّ النميمةَ عادةُ الضعفاءِ المُشَوَّهين لغويًّا والذين هم من ذوي الحاجات النفسية الخاصّة، والباكون دومًا من نجاحِ الآخرين، والدّاعون ربّهم أن يأخذَ الناسَ الناجحين جميعًا لتفرغَ لهم الأرض. ولكنَّ ربَّ الأرض جميلٌ لا يقبلُ دُعاءَ النمّامينَ.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top