الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة



انتقل بنا أبي للعيش في شقة جديدة. كانت في أول بناء يرتفع طبقات ظهر عند أطراف الحي القديم الذي كنا نسكنه. ولأن أمي امرأة اجتماعية، تحب التواصل مع الآخرين، استطاعت أن تنشئ علاقات مع نساء المبنى جميعهن بسرعة كبيرة. كانت عقبتها الوحيدة المرأة التي كانت تعيش بمفردها في الشقة المقابلة لشقتنا. لم يطل الوقت حتى أخرجت أمي المرأة من عزلتها الاختيارية لتجمعها ببقية النساء في لقاءات لشرب فنجان قهوة أو من أجل مباركة أو عزاء. لم تكن الحرب الأهلية قد بدأت بعد، وكان إيقاع الحياة رتيبا. عرفناها باسم مدام سلمى الطويلة، لأنها كانت طويلة. 

أذكر أول أيام انتقالنا إلى شقتنا الجديدة في الطبقة الثالثة من ذلك المبنى المكون من 7 طبقات بتفاصيلها كاملة، لم تفارقنا الدهشة من الارتفاع عن الأرض ورؤية الأشياء والناس والسيارات وعربات الباعة من فوق، كل شي صار له أبعاد جديدة وما عادت صلعة أبي صغيرة، أدركنا أنها تلمع تحت الشمس وهذا ما كلفني عقابا حين ضحكت وأخبرته عن شمس تسطع في رأسه. لم يجرؤ أحد غيري وقتها أن يخبره لأنني كنت الأصغر بين إخوتي. تسللت أعيننا إلى شرفات الجيران و هم يجلسون هناك بملابس بيتية خفيفة تكشف تفاصيل من أجسادهم لا يمكننا تخيلها...فكرت وقتها بأن الارتفاع عن الأرض يكسب الناس ميزة الرفعة والرفاهية بعيدا عن البيوت التي كنا نسكنها بمصاطب الاسمنت والأزقة التي تصل إليها وقنوات المياه المكشوفة التي كانت تغيب أحذيتنا فيها. كل شيء انقلب هنا، شارع عريض ودكان أسفل البناية يسهل شراء اللبنة والكعك أو البيض في الصباح أو في وقت الحاجة، الأدراج ببلاطها اللامع وجدرانها الملونة كانت تختلف عن السلالم الخشبية التي نصعد بها فوق السطوح. النوافذ نفتحها دون عقبات، الأبواب لها مسكات ...أمور لم نعرفها في بيتنا العتيق.

حين دعوت صديقاتي لزيارتي في أول مرة تقصدت أن أجلسهن على الشرفة حتى يرين البساتين وأسطح بيوتهن الواطئة فوقها حبال غسيل وأدوات قديمة ملقية هناك. كان للسكن في شقة أرضها من البلاط الملون، فيها حمامان مقاعدها افرنجية ما يجعل التجول بين الغرف مرورا بالمطبخ الذي يحتوي على خزائن تلف جدرانه ومجلى من الرخام أمرا ساحرا لي. اشترى أبي لنا أسرة منفردة وخزانة، كان بيتنا جميلا، رأيت هذا في عيون صديقاتي، الجدران البيضاء والملساء، منعنا أبي من الرسم فوقها حتى تظل نظيفة. سمح لأمي أن تعلق صورة كبيرة لآية الكرسي قريبة إلى السقف حتى لا يطالها أحد منا.

فضّلتُ هناء عن جميع صديقاتي لتشاركني فرحتي ببيتنا الجديد وأدخلتها الغرفة الخاصة بي وبشقيقاتي. كان بيت أهل صديقتي هناء مكوناً من غرفتين متداخلتين ومطبخ عبارة عن غرفة عتيقة للطبخ وتنظيف الأواني يلاصقها حمام كبير مشبع برائحة الكيروسين، كل شيء بلون الشحار الأسود. كنت أنا وهناء نقف إلى جانب شقيقتها نعمة وهي مقرفصة تصف الأوعية والصحون بعد غسلها فوق طاولة واطئة متهالكة، معظم الأوعية كانت من الألمنيوم، يصعب استعادة بريق المعدن فيها. 

كل هذه البهجة وهذه الفرحة اليومية في تأمل الجدران المطلية والأبواب الخشبية التي تفضي إلى شرفة تلف الشقة لم تبعد عن تفكيري مدام سلمى الطويلة التي تعيش وحيدة في بيتها. المرة الوحيد ة التي دخلت بيتها حين حمّلتني أمي صحن طعام لأجلها ظنا منها أنها تقرب من صلتنا بها وتخفف عنها وحدتها. 

كانت أمي الوحيدة التي دخلت بيتها وزارتها، سمعتها تقول لأبي إنها امرأة غريبة التصرفات، وأن لها أهلا ولها أقارب وأنها ورثت أرضا عن زوجها، وبشراكة أحد أقربائها ارتفعت هذه البناية وحصلت على حصتها منها شقة وأموالا تكفيها إلى أن تموت. كنت أحب أن أدخل بيتها لأرى كيف يبدو بيتها دون أناس يعيشون فيه وكيف يظل الزجاج نظيفا وكيف تحافظ على لمعان بورسلان الحمام. امرأة وحيدة في شقة من أربع غرف ومطبخ وحمامين. أحمل صحن الطعام سعيدة بمغامرتي، حين ضغطت زر الجرس، شعرت برهبة المواجهة، فأنا لم أتحدث إليها من قبل، لكنني رأيتها في منزلنا تجلس محنية الظهر، تضم ساقيها الدقيقتين إلى بعضما البعض، وجهها نحيل ووجنتاها بارزتان، عيناها واسعتان، شعرها أحمر بفعل الصبغة، أعجبني اللون والتصفيف البسيط، هكذا كانت في المرات القليلة التي شاهدتها، طويلة وصامتة، فساتينها التي ارتدتها داكنة الألوان بقصات رقيقة استهوتني، كانت تختلف عن بقية النساء اللواتي دخلن بيتنا بألوانهن الفاقعة وقصات فساتين تكشف عيوب أجسادهن. كانت أجملهن رغم نحولها وطولها الزائد. 

مددت يدي ما إن انفتح الباب، وسمعت صوتي يقول لها: هذا الصحن من أمي. 

ـ ما اسمك؟

ـ ليال 

ـ ادخلي ليال 

ـ هذا الصحن من أمي . كررت عبارتي

أدخلتني بيتها، شعرت ببرود وبصمت جعل قلبي يقرع بعنف في صدري. فقدت كل شجاعتي وفضولي. كانت هذه نهايتي. ستقتلني ولن تعرف أمي شيئا عني. 

تأخذ الصحن وتكشف عنه غلاف الألمنيوم 

ـ ممممم شهي جدا.

حبست أنفاسي حركتها وهي تغمض عينيها وقد دست أنفها في الصحن. فكرت أن أركض أو أن أصرخ. جمدت في مكاني.

ـ تعالي

أمسكت بيدي وجرتني إلى المطبخ. ستذبحني. لا أعرف كيف جاءني هذا الإحساس. شعرت بدفء كفها، لم أفهم هذا التناقض بين خوفي منها واطمئناني إليها. 

فتحت ثلاجة وأخرجت علبة كبيرة. بعد أن وضعت طبيخ أمي في صحن آخر، غسلت صحننا، واقتسمت الحلوى التي عندها بيننا وبينها، ثم حملتني الصحن وهي تقول: «اشكري أمك». 

وأنا في طريقي للنجاة لمحت أرففا عريضة تزدحم بكتب كثيرة، لم أفهم ماذا تعني كل هذه الكتب، دارت برأسي أسئلة كثيرة. مدام سلمى تعرف القراءة والكتابة، غبت في حيرتي وقتا حتى استوقفتني لتضع كتابا بيدي الشمال:

عديني أن تقرئيه.

خرجت من بيتها وقلبي يحار بين طعم الحلوى وطعم المغامرة. أن أقرأ كتابا لأول مرة غير كتبي المدرسية.

نوافذ

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top