الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

من عدد الإنشاء الاخير

يأتي معرض التشكيلية " لينا مقدّم " في جامعة البلمند قاعة الزاخم للمعارض كمحطة جديدة لاستكشاف الجيل الثاني من خريجي معهد الفنون الفرع الثالث،في الجامعة اللبنانية، والذي يبدو وإن أصبحت لديه الخبرة الطويلة في الحضور التربوي والتعليم العالي،غير انه يظهر قليل الحضور نسبة لأسلافهم وأساتذتهم المؤسسين كما العديد من أعضاء الجيل الاول من الخريجين.ملاحظة لا تأتي لتتحدث عن الكمّ والكيف أو أنها ترغب في إقامة مقارنة تفاضل بين جيل وآخر غير أنها تأتي لتطرح إشكالين يخرجان من هذه الحقيقة الأول له علاقة بمدى تراجع الظروف التي تسمح بإنتاج معارض في منطقة الشمال عامة،وهنا نقصد المعارض التي تتمتع بمستوى لائق فنيا،والثاني تحول جامعة البلمند إلى المكان،الشبه الوحيد، الذي يمتلك روزنامة واضحة لخطة باتجاه برمجة للعروض في غياب أماكن تقليدية في طرابلس ،عاصمة المحافظة ومركزها،كالرابطة الثقافية وقصر نوفل والمركز الثقافي الفرنسي وغوته الذين منهم من أفلس ومنهم من استنكف ومنهم من فقد مشروعه والهوية.
تبقى الإشارة إلى مراكز ذات طابع اجتماعي على خلفية "تحشيد" سياسي لهذا الميلياردير أو ذاك مما لا ينتج غير بعض الخروقات الفنية النادرة.هذا إن قيل ونادرا ما يقال،لسبب وحيد هو الحرص على الاحتفاء بأي شيء يمتلك مشروعية فنية في هذا الزمن المرّ،والى أن تتحول الحال إلى ما هو تنافس من ضمن ما يسمح بالاحتفاء بالفنون والثقافة تتميّز أنشطة البلمند وقد تنفرد في كثير منها.
سمحت لنا "لينا مقدّم" أن نفتح هذا السجال لما استقدمه معرضها من جمهور عريض أتى من كل المطارح والمشارب والأعمار أكاديميين وطلاب الجامعة متخصصين وهواة وجامعي لوحات وذواقة مما أكد على عطش جمهور كبير للون واللوحة تأتي من قبل تشكيلية مجتهدة ولو كانت قليلة الإطلالات في معارضها الفردية.وهي هنا أطلقت على معرضها اسم "انعكاس" وربما نفهم الكلمة أكثر والمقصود منها حين نقرأ لها موضحة أن الفن بالنسبة لها في جوهره انعكاس لروحها عند ملامستها اللون وبالتواصل والتناغم مع الآخرين الأمر الذي ينتج أعمالا متحركة أنيقة وغنية بمساحاتها وعميقة بخلفيتها الناضجة.تتقدم بعماله اللوحات نحو مواضيع قليلة تلبسها فهما ناضجا لمعاني اللونية.
في الكثيف والأساسي تطالعنا مجموعة من الرسومات ترتكز على حالة الراقص ،بالتنورة "الفتلة"ومنهم من يحصرها بالطريقة الصوفية المولوية،ومعها من ناحية مختلفة عن الشأن ألحلولي والوجد الإلهي المأخوذ بالحركة الإنخطافية العمودية،تأخذنا عبر ثلاثة لوحات صائد الضوء،إشعال اللهب،نوافذ روحانية من الموضوع الكلاسيكي،والتي ستتناوله بتمعن واستفاضة لاحقا،إلى افتراض الراقصة الأنثى الداخلة في صلب الموضوع الصوفي باقتراحها مركزا للوحة منيرا لها،متحرّكة،أكانت تستعين بالدف أو بتحركها للكفين بكثير من الدقة نحو المادة الملتهبة،والتي تبدو ما فوق المادة بهيولتها وأسلوب رسمها،وبكل الأحوال تظهر مصدرا للإضاءة في كل اللوحة بحيث تشع على السيدة الراقصة وتنقل باقي الإحساس إلى ما بعدها.عند الإمرأة والنوافذ تأخذك الحركة الدائرية التي تتجسد بحركية تلعب على تبديل لون الفستان ما بين الأزرق،الطاغي على كل المشهد،لكنه عند حركة الفستان المخطوفة صورته في حالت دورانه فيتجعّد وتلمع هنا وهناك من طياته ولكن الأكثر سحرا هو تحوّل الأكف إلى نوع من "الفلو" الرؤيا الغبشة لما للحركة من تأثير على البصر حيث السرعة تفوق قدرة العين على اللحاق بالحركة.
بين الرقص الصوفي أكان مع الراقصات أو الراقصين،الذين يتجمعون بأكثر من تشكيل يتوزعون به في اللوحات الأكثر عددا،تستنفد "مقدّم" خلفيات وأجواء لأماكن بمسعى يكاد لا يترك لغيرها من مزيد.فثمة من يدور على بلاط لامع وكأنه تحول مرآة وبالخلفية من يتحضّر للدخول إلى الحلبة،وهناك من يتحرك تحت العقود طائرا ومحوّلا المدى المنظور إلى سلّم يدخل من خلال شكله ضمن لعبة الدائرة المكونة للموضوع، وتعود بعدها لاختزال العناصر المكونة حيث الدرويش الأزرق ،موضوع مكثّف، مع بناء اللوحة من عنصر واحد وضربات اللون المنفرد أيضا والطاغي الجريء.تستعيد أيضا بواحدة من اللوحات، أسمتها "نقاوة القلب"،موتيفة السرعة لكن هنا لا يغيب الموضوع المصوّر وان تلحق به غشاوة إلا أن السرعة القصوى تجعل المشاهد،بوجهة نظر الرسامة،يرى الرأس وقد أصبح رأسان.
إلى جانب هذا الموضوع الطاغي تتعامل "لينا مقدّم" مع الطبيعة الصامتة ومع العمارة المدينية فتذهب بنا إلى الغابات لتصورها أشجارا باسقة بألوان نقية كما تتحرك عند أدراج المدينة التي تصل الأحياء والمناطق مع القناطر ونسق الأبنية المحيطة وقد رسمتها ملونة وأسود على أبيض،بتقنية قلم الحبر،مما ذهب إلى تأكيد نوع من رومانسية التعامل مع الموضوع بغياب أي عابر سبيل.
تأتي لوحة أهل الكهف بالأهلة على رؤوس أشخاصها وكأنها محاولة لتجسيد الرواية القرآنية بأمانة وبتقنية تستلهم رسم الأيقونات وهو أسلوب تصالحي يمزج التجارب ويخرج منها بما يجمع فيما بينها فتأخذ هذا المنحى نحو الطريق الذي يفضي إلى رقص التانغو،باعتبار أن ما سبق، وما رسمته من رقص من نوع مختلف في عملين آخرين،يتحدثان ويتشكلان، وكأن حركات الجسد هي ذرائع بتكوينها لاختراع اللون وتناسقه بمساحات كبيرة أو بما تحدد المنطويات بالعتمة والنور.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top