الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة



خاص الرومي

لعل الأغلبية كانت ستوافق على القول أن الرجل مختلّ، ولكن من المستبعد، نظرا لصعوبة الأمر، التوافق على حدّة ذلك الإختلال. بالطّبع، لم يكن هناك من دليل ما عدا الحادثة التي أشعلت الموضوع كله  أصلا والتي، عملا بما هو شائع الآن، صُوّرَت سرا وحُمّلَت على جميع المواقع.

إنها لمفارقة أن المعلومات الموثّقة لا تقول شيئا، ولذا جرى السعي وراء الشخص الذي حَمّل المادة المُصوّرة. تبيّن أن الشاهد فتاة شابّة شعرت بالإستياء مما حدث، كما هو متوقّع، وهي وصفت الحادثة كما رأتها تماما، محافظة على طريقة سردها للتفاصيل في جميع المقابلات اللاحقة. "رأيتُ رجُلا يمشي نحو سيّارة الشرطة. كان يمشي بطريقة طبيعية للغاية. أعتقد أن ذلك كان غريبا نوعا ما، قبل أن يبدأ الأمر الغريب فعلا".

في إحدى المقابلات، كان المذيع الوسيم يهزّ رأسه عند كل كلمة تُقال ليُقاطع: "كيف تصفين هذا الرجل؟" وقبل أن تتفوّه الفتاة بكلمة، أضاف المذيع بنبرة شبه إعتذارية: "أقصد، هل بدا غريبا لك؟ بهيئته أو بمنظره؟".
"لا...لا أعتقد." أجابت الفتاة.

في مقابلة ثانية، طلب مذيع الراديو وصفا دقيقا ومفصّلا لحركات الرجل :" من أين كان آتيا عندما وقع نظرك عليه للمرّة الأولى؟".

"لا أستطيع القول، على وجه التحديد، كنت مع أصدقائي، وكنا خارجين من المتجر، لذا لم أكن منتبهة، ولم أكن أراقب شيئا، كما تعلم، حتى أنني لم ألاحظ وجود سيارة الشرطة إلى أن رأيته يسير نحوها. وهذا ما لفت نظري".

"كيف كان إيقاع خطواته؟"
"حسنا، عبّرت عن ذلك من قبل، كما تعلم، عندما أجبت على أسئلة مشابهة، كانت خطواته هادئة، كما أظن، لم يكن فيها ما يستدعي الغرابة، على ما أعتقد".
على الرغم من ذلك، كتب أحد الصحافيين من ضمن مقالات كثيرة كُتبت عن الحادثة: "كان التناقض كبيرا بين هدوء خطواته وأفعاله اللاحقة".

"كان يواصل التقدّم نحو سيارتنا"، قال أحد رجال الشرطة الذي شهد الحادثة، "نادينا عليه ليتراجع لكنه واصل التقدّم".

"أبدى الكثيرون تحفّظاتهم عما فعلناه، لكن عليك أن تفهم، لم تكن لدينا أية فكرة عمّن هو هذا الرجل أو عمّا يُمكنه فعله." قال الشرطي الثاني.

"كرّرنا الإنذار نفسه، حتى وهو يقترب من السيارة"، قال الشرطي الأول، "توصّلنا في تلك اللحظة إلى ضرورة إعتقاله، إعتقدنا أن سلوكه غريب بطريقة ما".

"وفيما نحن نعتقله، كان يشير إلى دواليب السيارة، طبعا بإمكانك الآن عندما تسترجع الأمر أن تفهم ماذا كان يريد، ولكن في قلب اللحظة المتوتّرة عليك أن تكون مستعدا لأسوأ الإحتمالات، لذا لم تكن لدينا رفاهية الوقت لنقف جانبا ونتأمّل في ما يريد منا، كان علينا التصرف وبسرعة. أعتقد فعلا أنه كان يشير إلى الدواليب." قال الشرطي الثاني.
"هذا مطّاط." قال الشرطي الأول.

اكتسب الشريط المصوّر فيما بعد سمعة بالغموض والتشوّش ورداءة الصوت. غير أن الكثيرين أعلنوا عن رؤيتهم للرجل وهو يُرمى أرضا ويجاهد لتحرير يده ويشير بها إلى شارة الشرطي ويقول: "هذا نحاس"، قبل أن تنهال عليه هراوة ثقيلة   ليصرخ بعدها:"هذا ألومنيوم".

"وماذا نستنتج من محاولة الرجل" ، سأل أستاذ جامعي تلاميذ صفّه، "عندما جُلب إلى المحكمة وتطلّب الأمر تهدئته لأنه حاول مرارا الإقتراب من منبر القاضي، أن يمدّ يده ففشل وأشار بذقنه إلى المنبر وقال – هذا خشب؟" .

"هذا موقف سياسي"، قال أحد الطلاب. لكنه وجد نفسه عاجزا عن المزيد من الشرح عندما طلب منه الأستاذ تفسير ما يقصد.

سرعان ما انتشر في المدينة وباء غريب. تجمّع الكثيرون من كل الأعمار والإنتماءات وأحاطوا بالمكان الذي يُحتجز فيه الرجل. تمدّدوا على الأرض ملصقين أجسامهم بها وراحوا يصرخون بصوت واحد: "هذا إسمنت". 

بعد سنوات عديدة على هذه الحادثة. شرع شاب يهوى السينما في صنع فيلم وثائقي عن الرجل وقرّر أن يرويه بنفسه. في لحظة ما، وهو واقف أمام السجن الذي وُضع فيه الرجل، قال أن الذين رأوا الرجل شعروا بنوع من خيبة الأمل إذ "كانوا ينتظرون نبيا، ولكن يصعب القول من أي نوع".

إنتقل الفيلم بعدها إلى مشهد الرجل وهو يُقاد إلى زنزانته برفقة حارس. أشار الرجل برأسه إلى النافذة اليتيمة في أعلى الغرفة وقال:"هذا زجاج، أما في الخارج"، أضاف الرجل وهو ينظر إلى النافذة: "في الخارج هناك هواء، ورياح، ونور".


(*) نُشرت في وست ويند – 2015 - جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس...

عمر زعزع كاتب وشاعر مقيم في لوس أنجليس وظهرت أعماله في منشورات عديدة وهو يُحضّر دكتوراه في الأدب المقارن في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. تتضمن المواقع التالية بعض أعماله:

www.omarzahzah.com 

www.deathcomic.com



0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top