الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


أحمد بيضون
يأبى أهل الماديّة التاريخية وأقاربها أن يقرّوا للمذهب الديني بالقدرة على اجتراح الهول الذي يعصف بمجتمعات هذه المنطقة من العالم في الحال وفي الاستقبال. فهم يرون المذهب رفّاً من الكتب الصفراء ينفث أفكاراً وانفعالات أقلّ مطابقةً لمواصفات الوقود المناسب لعربة التاريخ من مآكل بعض المطاعم اللبنانية لمواصفات الوزير بو فاعور. فليس تاريخاً يستحق الاحترام، في نظرهم، ولا هو تاريخ أصلاً هذا الذي توجّهه أوهام متعلّقة بالحقّ في الخلافة في القرن الهجري الأوّل أو بالحقّ في تقديس القبور وتشفيع الأئمّة والأولياء.
في نظر أصحابنا هؤلاء، تستأهل مصائبنا الجارية والمستقبلة – وهي تاريخية بكلّ معنى الكلمة، لا شكّ في ذلك ولا ريب – أسباباً أوفر جدّيةً من تلك: أسباباً من قبيل الخلاص من الإمبريالية – بما هي أعلى مراحل الرأسمالية: يا رعاك الله! – أو ترشيد إنفاق العائدات النفطية، في أقلّ تقدير، بحيث يحوّل إلى الإنماء السويّ ورفع سويّة الخدمات الاجتماعية المهيّاة للفقراء ما يستهلكه اليوم بذخ سفيه ينصرف إليه الأمراء والشيوخ إذ يعمدون – مثلاً – إلى نثر أوراق المئة على راقصاتٍ تعوزهنّ الموهبة.
ولكن المذاهب ليست – مع الأسف! – رفوف كتب ولا هي «بنىً فوقية» (إن لم يكن بدّ من استهداء هذا المصطلح). وإنّما يرتكب أهل الماديّة التاريخية بصددها خطأً هو نفسه الذي ارتكبوه بصدد الأمم والقوميّات… فاضطرّت هذه الأخيرة (آسفةً) إلى تكذيبهم بإثبات قدرتها على إقناع عشرات الملايين من بنيها بالموت ذوداً عنها، في الحرب العالمية، وعلى تغيير وجه العالم، بعد ذلك، بإملاء نفسها عليه مبدأً عامّاً لتشكيله. وقد وصل الأمر، في بعض تلك الآونة، إلى حدّ حمل الدولة- المنارة التي كانت دولة الماديّة التاريخية على استنفار ما كان تحت يدها من طاقات الولاء القوميّ أحياناً (باسم الماديّة الجدلية، على الأرجح) وذلك للدفاع عن نفسها في وجه قوميّة أخرى هائجة. مع ذلك استمرّت معاملة المبدأ القومي بشيء من الإنكار أو التحقير ولو انّ التحقير كان قد أصبح مشوباً بشيء من التحوّط والحياء.
المذهب اليوم جماعةٌ بشريّة وليس رفّ كتبٍ صفراء. هو جماعةٌ اجتماعية اقتصادية واجتماعية سياسية أو هو ينزع إلى أن يصبح شيئاً من هذا القبيل، على غرار الأمّة أو منظومة الأمم. وهو لا يحتاج، من بعدُ، للوصول إلى هذه الغاية إلى اجتماع بنيه فوق أرض واحدة مسوّرة بحدود معلومة. والشبكة العالمية ومتعلّقاتها من تلفزة فضائية وهاتف خلوي وبريد إلكتروني وفيسبوك وما جرى هذا المجرى هي ما يبعد المذهب (أو يزيده بعداً) عن حال الرفّ المحمّل كتباً صفراء (وهذه لم تكن حال المذاهب في أيّ وقتٍ ولكن يصحّ الاهتداء بدرجة البعد المتغيرة عنها).
تلك العوامل الفائقة الحداثة، ومعها الدفق الكثيف للبشر والموادّ والخدمات، هي إذن ما استجدّته المذاهب في سعيها إلى الصيرورة جماعاتٍ اجتماعية- اقتصادية واجتماعية سياسية فائضة عن حدود الدول. وهي عوامل قد ينبغي النظر إليها لفهم «أعلى المراحل» التي تبتغي الجماعة المذهبية أن تصل إليها قبل النظر في «رسائل» ابن تيمية أو في «بحار الأنوار» للمجلسي. أو أن علينا، في الأقل، أن نعيّن لكلّ من هذين المركّبين موقعه الفعلي، لا تردعنا عن ذلك مسبقات مدرسية مهما تكن. فندرك إذ ذاك أن الطوسي وابن حنبل يقدّمان رسماً للسور المتخيّل الذي تعرَّف الجماعة بإقامتها في ظلّه وبمواجهتها، بالتالي، من هم في خارجه على أنحاء مختلفة تتّصف كلّها بأقدار من الغربة. وإنما تتباين هذه الأقدار قرباً من العداوة أو بعداً عنها بتباين الجماعات وظروف الزمان والمكان.
وذاك أن المذهب، بما هو جماعة اجتماعية اقتصادية واجتماعية سياسية، قائمةٌ قياماً مكبوحاً في الواقع، وماثلةٌ، بعد تلمّس الإمكان، في الطموح والسعي، لا يبقى ثابتاً ولا هو يرتدّ إلى صورةٍ لماضيه بلا سبب يسوّغ اختيارها من حاضره. هو يتحرّك، بإملاء من التزاوج المتحرّك ما بين المطامح والممكنات، بين أقطاب تصوّرية فيه: يهمل بعضاً منها ويعتمد بعضاً… وهو يتغيّر، في كلّ حال، طلباً للتحقّق وفي أثناء تحقّقه. والواقع أن المراحل المتّسمة بارتفاع الحرارة المصاحب للتغيير أو لطلبه (ومنها المرحلة التي نحن فيها) يميّزها اشتداد النضال ما بين الحدود التي ترسمها الأصول المقرّرة للمذهب (أي ما تبطنه الكتب الصفراء) واللوازم الفكرية (بل النفسية، على الأعمّ) للمواجهة الجارية. وهو ما يملي خيارات في نطاق القديم وتطويعاً له صريحاً أو مضمراً وهو ما لا يمكن أن يحصل بلا أخذٍ وردّ بين مراجع المذهب يتفاوت خطرهما على الحركة الجارية بين حالة وحالة.
كاتب لبناني

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top