الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

باريس - انطوان جوكي(الحياة)

هل كان شارل إدوار جانري (1887 ـ 1965)، المعروف باسم لوكوربوزيي، حداثوياً؟ هل جسّد فعلاً صورة المهندس الذي أنجز المشروع العقلاني الموروث عن عصر «الأنوار»، مواكباً، عبر شعار «الآلة المرصودة للسكن»، انتشار حداثة تكنولوجية وعقلانية ترتكز على أيديولوجيا الشكل الصافي البسيط (puriste)؟ عن هذين السؤالين، يحاول المعرض الاستعادي الضخم، الذي انطلق حديثاً في «مركز بومبيدو»، في باريس، الإجابة من خلال نحو 300 عمل فني تتراوح بين لوحات ومنحوتات ورسوم وتصاميم هندسية وماكيتات وصور فوتوغرافية وأفلام. أعمالٌ تتجلّى فيها مختلف جوانب عمل هذا العملاق، الذي تحلّ هذا العام الذكرى الخمسين لرحيله.
مهندس رؤيوي، منظّر في الحداثة، وأيضاً رسام ونحات، طبع لوكوربوزيي بعمق القرن العشرين، قالِباً الإبداع الهندسي وطريقة سكننا بارتكازه في عمله على الجسد البشري الذي يفرض نفسه، في نظره، كمبدأ شامل يحدّد كل أبعاد الهندسة وتشكيل الفضاء. وفي هذا السياق، ابتكر ما يُعرف بـModulor 1944، وهو عبارة عن قامة بشرية (1,83 متر) تجسّد نظاماً نسبوياً يرتكز على الرقم الذهبي، ويسمح بتنظيم متناغمٍ لجميع التشييدات الفضائية وفقاً للشكل البشري. لكن هذا الابتكار الذي سيفرض نفسه كنظام نموذجي في عمل العديد من المهندسين، ضابطاً شكل الفضاءات الداخلية ونسبة التشييدات، فُسِّر خطأً كأداة قياسية. ولهذا، يعود المعرض الحالي إلى مصادر مفهوم الجسد عند لوكوربوزيي، جسد في حركة يحدد مفهومه للإيقاع الذي سيتبلور عام 1910 تحت تأثير مدرسة «هيللورو»، والنظريات الـ «سيكوفيزيائية» (psychophysiques) للفيلسوف الألماني غوستاف فيكنير وعالم النفس فيلهايم فوند.
وفقاً لترتيبٍ زمني تحدّده مراحل بلورة هذا المفهوم الجمالي الجديد، يقترح منظمو المعرض قراءة جديدة لإنجازات لوكوربوزيي، يظهر الجسد فيها كعنصرٍ إدراكي يعكس تماسُك جميع الأبحاث التي تقف خلف أعمال الفنان الرسومية والنحتية والهندسية. وبخلاف المقابلة السائدة بين لوكوربوزيي الحداثوي، المؤسس لهندسة صفائيّة (puriste)، ولوكوربوزيي بعد الحرب العالمية الأولى الذي توجّه نحو تصميمات فجّة من الباطون أو أشكال أكثر فأكثر عضوية، يبيّن المعرض تكاملاً وتناغماً في مسعاه. وفي هذا السياق، كُرّست الصالة الأولى للتعريف بمفهوم الإيقاع لدى لوكوربوزيي، يظهر فيها تأثّره بالخطوط الضابطة التي وضعها المهندس بيتر بيرينس، وبأعمال المهندس ماتيو لويريكس، وأهمية سفره إلى الشرق عام 1911 حيث ملأ دفاتر كثيرة بالرسوم والملاحظات التي ستشكّل مرجعاً له طوال حياته، استقى منه نظريته حول الوحدة البصرية والإدراكية للشكل الهندسي، الذي سيرمز إليه في النهاية بالمكعّب. مكعّب أبيض يظهر في رسومه الصفائية الأولى، ولوحته «الموقد» (1918) التي ستشكّل حجر الزاوية في تعاونه مع الرسام أميدي أوزينفانت، الذي أسّس معه حركة الصفائيّة (Purisme) ومجلة «الروح الجديدة».
في الصالة الثانية، نشاهد أعداد المجلة المذكورة وماكيتات للفيلات الأولى التي سيصمّمها لوكوربوزيي، وترتفع كبيانات هندسية يجسّد فيها فضاءً ذهنياً يحدد الفضاء التشكيلي، الفضاء السكني، تناغُم التشكيلات الهندسية وفهم الميدان المديني معاً. ونقرأ في هذه الصالة مقاله الشهير «عيون لا ترى» الذي يعرّف فيه بفضاء الحداثة الجديد، فضاء مجتمعٍ تسيّره الآلة والسيارة والطائرة والباخرة، حيث تفرض الحركة مفهوماً جديداً للفضاء - الزمن. ونشاهد رسوماً وصوراً لفيلات مصمّمة لجسدٍ محرّر، ومفكّرة كتصميمات حرّة ومفتوحة على الضوء. وفي الصالة الثالثة، تتجاور أبحاثه التشكيلية المنهجية حول الجسد: جسد نسائي يتشوّه ويتشكّل مجدداً تحت أنظارنا، وتشكّل الجدارية (1936) التي رصدها لمنزل بادوفيتشي في مدينة فيزولي، أفضل تعبير عنه.
ولا يهمل المعرض المرحلة الصوتية (accoustique) في عمل لوكوربوزيي، التي ستنطلق مع الرسوم الإعدادية واللوحات التي تحمل عنوان «أوزون» (1943) وتظهر في جميعها الأذن، وتقود إلى سلسلة منحوتات سيحققها جوزيف سافينا. ويرتبط مفهوم الصوتيّة مباشرةً بمفهوم الفضاء الذي يتعذّر وصفه، كما نقرأ في نص لوكوربوزيي الذي سينشره في مجلة «الهندسة اليوم»، ويستعيد فيه فكرة «سيكوفيزياء» الفضاء، حيث تتصادى جميع الحواس داخل ميدان يوحّده تناغُم النِسَب.
لا يهمل المعرض سعي لوكوربوزيي إلى تجسيد فضاءٍ روحي مبني على فهم الفضاء الذي يتعذّر وصفه. إذ ستقوده علاقته بالأب كوتوريي إلى الاهتمام ببرامج مرتبطة بالفن الديني أو المقدّس. وفي هذا السياق، سيُحدد مشاريعه مفهوم الطائفة الروحية، المبنية على ثوابت فيزيولوجية وقِيَم ثقافية مشتركة، فيستبدل فكرة المدينة العقلانية، والفضاءات المدينية الفسيحة، برؤية للمدينة تتمحور حول أبنية رمزية. وهذا ما يفسّر دعوة السلطات الهندية له، في مطلع الخمسينات، لتصميم عاصمة البنجاب، حيث سيطبّق على أكمل وجه هذا المفهوم.
ويختتم المعرض الإنجاز الأكثر شخصية ورمزية لفكر لوكوربوزيي،Le Cabanon (الكوخ). فغرفة السكن هذه، التي شيّدها على صخرة عند شاطئ بلدة روكبرون كاب مارتان الفرنسية، تصوّرها بحدٍّ أدنى من الفضاء الحيوي. وبالتالي، يظهر هذا العمل كمفارقة في مسيرة مهندس فرض نفسه من خلال مشاريع مدينية ضخمة؛ عمل يتجلى فيه وأيضاً توقه إلى التزهّد وإرادته الأخيرة في العيش داخل فضاء صغير ومينيمالي، مبني على فيزيولوجيا الجسد البسيطة. وفي هذا الفضاء، سيعيش لوكوربوزيي شبه عارٍ في المرحلة الأخيرة من حياته، قبل أن يتوارى على مقربة من هذا المكان، خلال أحد استحماماته اليومية في البحر المتوسط.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top