ماذا يحدث مع المفكرين الذين يعملون خارج «نسب» الفلسفة الأوروبية؟ حميد دبشي

11:56:00 ص


يقول الفيلسوف الأوروبي سلافوي جيجك:”هناك عديد من الفلاسفة الهامين والناشطين اليوم: جوديث بتلر في الولايات المتحدة، سيمون كريتشلي في إنكلترا، فيكتوريا كامبس في إسبانيا، جان لوك نانسي في فرنسا، شانتال موفيه في بلجيكا، جياني فاتيمو في إيطاليا، بيتر سلوتردايك في ألمانيا، وفي سلوفينيا سلافوي جيجك، ناهيك عن آخرين في البرازيل، أستراليا والصين”.

ما يصدم القارئ بصورة مباشرة عندما يقرأ هذه الفقرة الإفتتاحية هو النزعة الأوروبية الجريئة والحكم على الاشياء التي أسماها الكاتب “فلسفة اليوم”، وبالتالي وضع دعوى على الموضوع والزمن على إنهما ملكية خاصة وحصرية لأوروبا في واقع الأمر. حتى جوديث بتلر التي أشار إليها كمثال من الولايات المتحدة هي بالتأكيد نتاج سلالة الفلسفة الأوروبية، مفكرة لها مكان ما بين دريدا وفوكو، قدمت تصورا عن فهمنا للجنس والنشاط الجنسي.

وللتأكيد، الصين والبرازيل (وأستراليا، التي تعتبر امتداداً أوروبياً) يُشار إليهما على أنهما بلدان لفلاسفة جديرين بهذه التسمية. لكن، وكما هو واضح، لا أحد منهما يستحق أسم خاص يؤهله للجلوس الى جانب الفلاسفة الأوروبيين البارزين.

السؤال هنا ليس شمولية الرؤى الفلسفية التي يتقاسمها كل هؤلاء الفلاسفة الأوروبيين المهمين (وكاضافة لا بد منها أمريكا)، ولكن من أعمق زاوية في أفريقيا الى القرى النائية في الهند والصين وأمريكا اللاتينية، والعالم العربي والأسلامي (هذا هو، “عميق وبعيد” من المركز الأوروبي الوهمي) إستطاعت هذه الفلسفة بالتأكيد تعلم وفهم حياتهم بشكل أفضل.

غني عن القول، أن بدون تلك الثقة والوعي الذاتي لهؤلاء الفلاسفة والتقاليد الفلسفية التي يمثلونها، كان من الممكن أن تطرح بصعوبة دعوة عالمية على سذاجتنا المعرفية، كما أنها لن تكون قادرة على وضع قلم على ورقة، أو اصبع على لوحة المفاتيح وكتابة جملة واحدة.

المفكرون خارج أوروبا

هؤلاء بالتأكيد ليسوا فلاسفة مرموقين فحسب، لكن الفلسفة التي يمارسونها تمتلك درجة معينة من شمولية التقدير الذاتي، من دون التفكير بامكانية تقديرها عالمياً.

السؤال هو وبدون شك: ماذا عن المفكرين الآخرين الذين يعملون خارج النسب الفلسفي الأوروبي، سواء كانت أفكارهم باللغة الأوروبية التي ورثوها من الإستعمار أو ربما بلغتهم الأم ــ في آسيا، أفريقيا، أمريكا اللاتينية، هناك مفكرون استحقوا لقبهم بجدارة، وربما حتى نسبهم “المفكر المعروف” لا يختلف كثيراً عن هانا ارندت، جان بول سارتر وميشيل فوكو. هل قدموا أنفسهم كما فعل سلافوي جيجك؟، وماذا عن المفكرين خارج نطاق هؤلاء الفلاسفة الأوروبيين، وكيف نحدد، نصنف ونحترم ونتعلم منهم على انهم “مفكرون معروفون” في عصر عولمة وسائل الإعلام؟.

هل أن كوكبة المفكرين من جنوب آسيا، ومنهم شخصيات بارزة مثل: ناندي أشيس، تشاترجي بارثا، سبيفاك غاياتري، رانجيت جوها، سوديتبا كافيراج، ديبيش شاكرابارتي، هومي بهابها، أو عقيل بيلكرامي، شكلوا جميعاً نواة التفكير الواعي؟ هل هذه الكوكبة ربما تستحق كلمة “ تفكير” بطريقة من شأنها أن تأهل واحد منهم ـ باعتباره من جنوب آسيا ـ للقب “ فيلسوف” أو “ مفكر معروف”.

هل “مفكرو جنوب آسيا” أو “المفكرون”، تبعوا نهج المفكرين الأوروبيين؟ لماذا عندما يعطس موزارت عطسته تصبح “موسيقى” (وأنا واثق تماماً أن العبقري العظيم حتى عطسته رخيمة) لكن معظم موسيقى الراجا الهندية المتطورة أعتبروها موضوع عن “الإثنية”.

هل أن “اثنوس” غير قابل لتطبيق الفكر الفلسفي الذي مارسه الهنود ـ لدرجة أن تفكيرهم هو تابع لأوروبا الغربية والبحث الميداني والأنثروبولوجي لأمريكا الشمالية؟.

يمكننا أن ننتقل الى أفريقيا، وننظر، ماذا عن مفكرين من أمثال هنري أوديرا أوروكا، نغوغي واثيونكو، وول سوينكا، تشينوا أتشيبي. أو كوت بيتيك، تابان لو ليونغ، اشيل بيمبه، ايمانويل تشكواوي إز، سليمان بشير ديان، موديمبي: هل هؤلاء مؤهلون للقب “فيلسوف” أو “مفكر معروف” ربما، أو هل أن هذا أيضاً “فلسفة عرقية”؟.

لماذا الفلسفة الأوروبية “فلسفة”، بينما الفلسفة الأفريقية “إثنية”، إسلوب الموسيقى الهندية “إثني”ـ منطق إثنوفوتوغرافي يعتمد على المنطق نفسه الذي تراه عندما تزور متحف نيويورك للتاريخ الطبيعي (عرّفه ليفي شون في فيلم “ليلة في المتحف” 2006)، ترى فقط حيوانات وأناسا ذوي بشرة غير بيضاء وثقافاتهم تُعرض داخل أقفاص زجاجية، لكن لا نرى قفصاً للناس البيض وثقافاتهم ــ مجرد إنهم يتنزهون خلال الجزر ويستمتعون بالطاقة والقدرة في البحث عن ثيران محنطة، سكان الكهوف، الفيلة، الأسكيمو، الجاموس، الهنود، وغيرهم. كلهم في صف واحد متعرج.

نفس النظرة الأثنوغرافية واضحة في المواجهة مع النزعة الفكرية للعالم العربي والإسلامي: عزمي بشارة، صادق جلال العظم، فواز طرابلسي، عبد الله العروي، ميشيل كيلو، عبد الكريم سروش، قائمة من المفكرين البارزين ولا نهاية لها.

في اليابان، كوجان كاراتاني، في كوبا روبرتو فرنانديز ريتامار، أو حتى في الولايات المتحدة أناس مثل كورنيل ويست، الذين تفكيرهم ليس جميعه تفكيراً أوروبياً ـ ماذا عن هؤلاء؟، ما هو المكان المناسب لهم؟ هل ممكن لهم ان يفكروا ـ هل ما يفعلونه تفكير أيضاً، فلسفي،وذات صلة، ربما، أو هل ما يفعلونه يناسب الاختبارات الإثنوغرافية؟.

مسألة المركزية الأوروبية متخمة الآن. الأوروبيون بالطبع مثقفون ويرون العالم من وجهة نظرهم، ولما لا؟ هم ورثة الأمبراطوريات المتعددة (أو المنحلة الآن) ولا زالوا يحملون شبح غطرسة الامبراطوريات تلك، ويعتقدون أن فلسفتهم الخاصة هي “فلسفة” وتفكيرهم “تفكير”، وأي شيء آخر هو ـ وكما تعود القول الفيلسوف الأوروبي العظيم ايمانويل ليفيناس ـ “رقص”.

المسألة هي في طريقة التفكير غير ـ الأوروبي للوصول الى الوعي الذاتي والعالمية بشكل واضح، ليس على حساب أي من الفلاسفة الأوروبيين الذي يعتبرون أنفسهم يفكرون للعالم بأسره. لكن من اجل تقديم رؤية (متكاملة أو متناقضة) من الواقع أكثر عمقاً في تجارب الناس اليومية في أفريقيا، آسيا، أمريكا اللاتينية ـ بلدان ومناخات تابعة لسحر الشيء الذي سمى نفسه “الغرب”. ولكن لحسن الحظ لا أكثر.

مسار التفكير المعاصر حول العالم ليس مشروطا بصورة تلقائية في عصرنا الحاضر وأماكننا المختلفة، ولكن لديه عمق أكثر وسلسلة واسعة تعود الى أجيال سابقة من المفكرين من خوسيه مارتي الى جمال الدين الأفغاني، الى إيميه سيزير، دوبوا، ليانغ كيشو، فرانتز فانون، طاغور، غاندي ، والى آخره. ولهذا يبقى السؤال لماذا لا يوجد هيبة للقب “فلسفة” اذا أرتبط بالفضول الأنثروبولوجي لـ”الفلسفة الإثنية”؟.

المثقفون كشريحة كوزموبوليتان

في كتابه “مذكرات السجن”، كان لدى أنطونيو غرامشي مناقشة قصيرة حول عبارة كانط الشهيرة في “أساسيات ميتافيزيقيا الأخلاق” 1785 التي تعتبر ضرورية جداً في فهمنا لما يلزم الفيلسوف ليكون ذا وعي ذاتي عالمي للتفكير في نفسه كمقياس ومعيار للشمولية. سؤال غرامشي بالغ الأهمية هنا ــ وإليكم كيف بدأ:

“قول كانط المشهور”سلوكك قد يصبح قاعدة لكل الأشخاص الذين يعيشون الظروف نفسها” هو أقل بساطة ووضوحاً عن ما يبدو عليه للوهلة الأولى. ماذا يعني بــ”الظروف المماثلة”؟.

وللتأكد، وكما دوّن هوركوينتين وجيفري نويل سميث (وهما محررا ومترجما مذكرات سجن لغرامشي الى اللغة الأنكليزية)، غرامشي هنا في الحقيقة أخطأ في الاقتباس لكانط، و”ظروف مماثلة” لا تظهر في النص الأصلي، عندما قال الفيلسوف الألماني “أنا لا أعرف أتصرف أبداً بعكس ما أستطيع، حتى لو أصبح قولي قانوناً عالمياً”. هذا المبدأ يسمى “الأمر المطلق”، هو في الواقع الأساس الحقيقي لأخلاقيات كانط.

لهذا عندما يقول كانط “قانون عالمي”، “قاعدة لكل الأشخاص” ثم يضيف “ظروف مماثلة”، هي ليست في النص الأصلي الألماني.

هذا الاقتباس الخاطئ أمر حاسم جداً هنا. استنتاج غرامشي هو أن السبب الذي جعل كانط يقول ما يقول ويعرض سلوكه كمعيار للأخلاق العالمية، هو أن :”القول المأثور لكانط يفترض ثقافة واحدة، دين واحد، “كل العالم”، المتصل، قول كانط مرتبط بزمنه، بالتنوير العالمي والتصور الخطير للكاتب. بإختصار، ترتبط المقولة بفلسفة المفكرين كشريحة عالمية”.

ما كشفه غرامشي في الواقع، كمعذب إيطالي مجنون، في أقبية الفاشية الأوروبية، هو ما نسميه في بروكلين “وقاحة”، أن تعتقد نفسك مركز الكون، الضمان الذاتي الذي يعطي الفيلسوف مهارة مؤكدة وقدرة على التفكير في الحكم المطلق ومصطلحات سردية رائعة.

لذلك العامل هو حامل رسالة “الظروف المماثلة” وبالتأكيد مبتكرها. هذا هو إذن، هو “يجب” أن يتصرف وفقاً “لنموذج” يود أن يراه منتشراً بين جميع البشر، وفقاً للنمو الحضاري الذي يعمل له، أو بالحفاظ على مقاومة القوى التي تهدد تفككه.

هذه هي الثقة بالنفس، الوعي – الذاتي، الجرأة على التفكير بنفسك كعامل للتاريخ الغربي، مكّن المفكرين من ممارسة التفكير الذي هو “تفكير” بشروط عالمية، وفلسفته التي هي “الفلسفة” وساحة مدينته “الفضاء العام”، وبالتالي هو مفكر شمولي معترف به عالمياً.

وبالتالي فإن هناك الهيكل المباشر والتام لتلك الفلسفة ربط بين الأمبراطورية، أو الإطار الاستبدادي للمرجعية، والفرضية العلمية في تفكير المفكر في حضن تلك الأمبراطورية.

مثل جميع الناس الآخرين، الأوروبيون هم عنوان ممتاز لوسطيتهم. لكن هذه الشمولية ليست أكثر من مطالبة أناس بالعالمية الدنيوية ومعها قدرتها الفطرية على التفكير الى ما وراء زنزانات المركزية الأوروبية، والتي مما لاشك فيه ما تزال عنوان لمتعتها الوهمية في انها مركز الكون. فرضية غرامشي “ظروف مماثلة” انبثقت الآن في دعوات متكررة من قبل الانسانية المتحررة.

العالم بأسره، والعالم العربي والأسلامي بصورة خاصة، يمر بتغييرات عالمية تاريخية ـ هذه التغييرات أنتجت مفكرين، شعراء وفنانين ومفكرين جماهيريين في مركز أخلاقياتهم وتصورهم السياسي ـ كل التفكير والعمل من حيث محلية جغرافيتهم، لكن العالمية لا زالت في نتائجها التي وصلت إاليها.

بالمقارنة مع تسونامي التحرر الذي قلب العالم رأساً على عقب، الأفتراضات المبتذلة حول أوروبا ونمو نسبها الفلسفي هي زوبعة في فنجان. خفضت نصيبها العادل من الأنسانية، ومثل جميع القارات والمناخات الأخرى، أوروبا علمّت العالم، لكن الان وفي خضم لعبة الديمقراطية، فلسفة أوروبا ليست “فلسفة” وموسيقى أوروبا ليست “موسيقى”، وليس هناك ضرورة لبيع مفكريها المعروفين على انهم “ مفكرون معروفون”.

المصدر: Al Jazeera

* حميد دباشي: هو أستاذ كيفوركيان هاكوب للدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك. أحدث مؤلفاته هو عالم الأدب الأنساني الفارسي 2012.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا