الأحد، 5 أبريل 2015

بروس لي... محمد سويد

SHARE
اضربْ فشش يا بروس!



4 نيسان 2015(النهار)

بعد مشقة، عثرتُ على الكاديلاك الذهب. صبرتُ فنِلتُ. لا أعني السيارة الأميركية الفارهة خليلة الذوات وغنّوجتهم. ليست السيارات هوايتي. تُوتّرني قيادتها، وطبّ الأعصاب وأمراضه ومرضاه وأعراضه شاهدون لحالي.

ولعي بالكاديلاك وتحرّياتي المزمنة عنها ناجمان عن إعلان نشره الخواجة إميل دبغي في الصحف المحلية مبشّراً أفاضل بيروت وأكارمها بافتتاح "الحمرا"، أولى صالات العرض السينمائي في شارع الحمرا، يوم الأحد 6 تشرين الأول 1957، بفيلم أميركي عنوانه الأصلي "الكاديلاك الذهبية المتينة"، إخراج ريتشارد كواين وبطولة جودي هاليداي وبول دوغلاس. حُلَّت عقدتي بحصولي عبر الشبكات العنكبوتية على نسخة مستعملة في قرص مدمج اشتريتها من بائع افتراضي مستقل في لندرة. أتممتُ الصفقة وقدرها اثنا عشر جنيهاً إسترلينياً من طريق الفرع البريطاني لشركة "أمازون". لم أكن قد رأيتُ النور حين أُطلق الفيلم في بيروت. كنت في مجاهل الغيب. وُلدت بعد عامين من تدشين الصالة. وعلى خطى كثر، لسعني حبّ شارع الحمرا وصالاته ومسارحه من دون التخلي عن عشقي لساحة البرج، ساحتنا، وإن هجرت النساء دورها السينمائية وبادلنها بالحمرا. أوقعنا نزوحهن عن عتمة السينما تحت رحمة الـ"حاج ولاد"، نسبةً إلى نعت شعبي أطلق على اللاهث وراء طرائد جنسية في فتيان صغار السنّ. اليوم، انقطع ذكر "حاج ولاد". صار "الحاج" لقب كلّ من يركب سيارة أجرة أو يتودد إليه أحدٌ ظانّاً أن أدب التحدث إلى مسلم يستوجب تحيته بالحاج. صار الحاج أيضاً صنو الشهيد والنائب والمعلّم والمهندس وجميع الرجال على وجه البسيطة اللبنانية.

الحاج فريد
في ما مضى، نشط حجاج الأولاد بين أشجار الصنوبر في حرج بيروت ودور سينما البلد. مارسوا عاداتهم "بالهمس"، واستطراداً، "باللمس، بالآهات، بالنظرات، باللفتات، بالصمت الرهيب"، تقليداً لأغنية نجاة الصغيرة "لا تكذبي". رغم السنين وتجاعيدها، ظلت نجاة صغيرة. على ندرة ظهورها، كاد ذكرها يقتصر على ما كُتب في رحيل أختها ومتيّمتي سعاد حسني. عندما دُشَّن مشروع "سوليدير" ورُفِع الصوت احتجاجاً على هدم الآثار السينمائية في ساحة البرج، انبرينا في تعداد الفنانين العرب والأجانب ممّن صعدوا خشباتها وفُرشت دروبهم إليها بالورود والسجاجيد الحمر. أيّدنا رواية صحافي مخضرم أخرج من ذاكرته إحياء نجاة الصغيرة حفلة في سينما "ريفولي". في حيازتي نسخة محدثة عن أسطوانة ٣٣ لفة تحوي تسجيلاً حيّاً لأغنية طويلة، "أول همسة - حفلة الريفولي". تثبت أسطوانتي أن فريد الأطرش شرّف مستمعيه المحليين وشنّف آذانهم في السينما الراحلة. لم أجد أسطوانة أخرى تؤكد وقوف نجاة الصغيرة على الخشبة نفسها. لن تكبر نجاة. ستبقى صغيرة. أخال أن حفلة "أول همسة" كانت حدثاً توّج مجيء الحاج فريد إلى الـ"ريفولي" قبل زحف حجاج الأولاد إلى صالات السينما وانسلالهم بين مقاعدها المهترئة من كثرة السنين والجلوس. شُلّ نشاطهم في الحرب. وتفادوا الظهور السافر في الحمرا. بدا الشارع المزدهر بحياة جديدة محصّناً بصيت كبح جماح الحجاج من نقل نزواتهم السافلة من قاع بيروت إلى رأسها. انتشروا خارج دور العرض وتموّهوا بالسابلة. فعل الصيت. بوكالتي عن جحافل خندق الغميق ورأس النبع والطريق الجديدة وحي اللجا ورمل الظريف والمصيطبة والبسطة في شقّيها الفوقاني والتحتاني، ومن فاتهم التعداد وأنا منهم، ذهبنا صحباً وصخباً إلى الحمرا ملجومين بحيائنا من رؤية نسخة منقحة ومهذبة ومزيدة من البلد ولقاء مجتمع آخر لا نحتمله ولا يرحب بنا.

هبَّت!
استفز الشارع قلة مهارتنا في التكيّف وزعرانه وتباينهم عن رفاق أزقتنا النتنة وشقائنا وشقاوتنا ومغامراتنا. ساحتنا، ساحة البرج. ليس للحمرا ساحة. شارع، لا غير، عُبّد وزُفِّت ومُهِّد للتشبيح. شبّيحته سائقو دراجات نارية من الهيبيز وهواة موسيقى الروك، كما صوّرهم المخرج الراحل سمير الغصيني في باكورة أعماله، "قطط شارع الحمرا"، عام 1972. حمرا الغصيني موجودة في عنوان الفيلم أكثر من مشاهده المأخوذة داخل الشقق وعلى شاطئ البحر وبعض دمشق، إذ أنتجه السوري تحسين القوادري ووُزِّعت أدواره الأولى على اللبنانيين شوقي متى وكريم أبو شقرا والسوريين ناهد حلبي ونزار فؤاد والمصريين يوسف شعبان ومديحة كامل. يقرّر الفيلم أن خنافس الحمرا وافدون من "الخارج" لا يتحدثون العربية، لغتهم إنكليزية، فوضويون ومدمنو مخدرات. ليسوا مثل شبّيحي ساحة البرج، ساحتنا، مرتع ضرّيبة الأمواس المشحوذة بالثأر من أرمن الضاحية الشمالية لبيروت وبعلبكييها.
محليّون في وسط العاصمة ومأخوذون في شارع الحمرا بأنه منزل من غرب العالم. لا أعلم من طوّبه "شانزليزيه العرب". كان البلد بأسره مشمولاً في دعاية "سويسرا الشرق" المخطوطة بالبويا على طول السور الفاصل بين المطار ومسابح الأوزاعي. في السياحة يجوز النفخ. وفي الحمرا قرفتُ من جادّة الشانزليزيه قبل أن تطأها قدماي وتنفث فيَّ قرف الحمرا.
يحوي ازدهار الأمكنة مقدمات انحطاطها. بكلمة شائنة، بشتيمة، بهيصة، أمكن ردّ الحمرا مراراً إلى حظيرة ساحة البرج. حين قصدتُ سينما "سارولا" مشاهداً فيلم بروس لي "قبضة من غضب"، دخلتُ في خفر ملتزماً الهدوء والتهذيب والاحترام. انقضى ربع ساعة من العرض. لم أتحمّل سكوت الجمهور عن تعرض البطل الصيني إلى الإهانة والضرب والركل وفرك الأنف. فقدتُ أعصابي وصحتُ: "نيك قلبه يا بروس". هبّت الصالة ضحكاً وتذمّراً. و"هبّت" جريـدة عريـقـة أدمنها مقامرو سبـق الخـيـل في مـيـدان بـــارك بـيـروت.

فلافل وشاورما
يمّم كثرٌ شطر صالات الحمرا ظنّاً أنها ستحتضن أفلاماً ما عاد وسط العاصمة يليق بها. غاير ظنّهم حقيقة أن أفلام إنغمار برغمان ولويس بونويل وفدريكو فلليني ولوتشينو فيسكونتي وأندره تاركوفسكي وفرنسوا تروفو جاورت، في الحمرا، أشرطة تشارلز برونسون وبروس لي وأقلّهما مستوى من نجوم السينما البخسة. عُرض المختار من بيار باولو بازوليني وجان لوك غودار والوفير من إدويج فينيش وكلاوس كينيسكي. ولم تفت شاشات البرج مزامنة العروض الأولى في الحمرا. كانت "إتوال" و"بافيون" و"ستراند" توائم "أمبير" و"روكسي" و"سيتي بالاس". وحين استقبل قصر "البيكاديللي" "العرّاب" و"سارولا" "قبضة من غضب"، دار عرض الفيلمين تباعاً وجنباً إلى جنب على شاشة "بيبلوس" في الصيفي، قرب البيت المركزي لحزب "الكتائب"، وسط العاصمة. ولئن تميزت قاعات الحمرا عن مثيلاتها في ساحة البرج بالأثاث الفاخر وحداثة آلات العرض، اجتمع التواضع والفخامة والبخس والغلاء والطبقات الدنيا والعليا في مساكنة طبعت الحمرا أيام بحبوحته وشانزليزيته. إلى بضعة مسارح استضافت أعمالاً وفنانين ونجوماً محليين وعرباً وأجانب، ومطاعم ومخابز حلويات امتلكها أوروبيون في الشارع الرئيسي وأحيائه الخلفية، انتشرت "شاورما خياط" و"فلافل بكار" وعلب الليل الداكنة وأرتيستاتها وقوّادوها والمارّون على عتباتها متعثري الخطى والعيون الشاردة في البصبصة. يخطر إليَّ أن الحمرا راكم مخزوناً شعبياً أعانه على الاستمرار بعدما حوّل اقتصاد الحرب الأنظار من غرب بيروت إلى الكسليك – جونيه قبل أن يختزل اقتصاد السلم المراكز التجارية ودور السينما والمتاجر والمواعيد بالمول.
كُتب في مديح الحمرا والحنين إليه ما لا يُحصى. بولغ في إطراء حداثته. بدا الثناء طالعاً من الحكم على مظاهر تبرّج بها وزاد من حجمها وجود جاليات أميركية وفرنسية وبريطانية وإيطالية بمدارسها ومعاهدها الثقافية في أرجاء رأس بيروت. في حكم عملي في الصورة، يسهل تزييف الشكل وادعاء أنه نتاج واقعة تاريخية، أسطورية. على سطح مبنى مقابل لعمارة سينما "سارولا"، المقر الحالي لـ"مسرح المدينة"، نُصب عمود معدني منفرج الأطراف عند قاعدته، المرجح أنه برج اتصالات لشبكة خليوية. من زاوية ولقطة محددتَي الحجم، يحتمل أن يكون مجسماً لبرج إيفل. صوّرتُه قبل عشرة أعوام وأعدتُ تصويره في الأسبوع الفائت. أقنعتُ نفسي أنه نسخة مصغرة عن البرج الباريسي. ولد صغيراً وكبر صغيراً كبطل "قارع الطبل" لفولكر شلوندورف أو نجاة الصغيرة، أو الحاجة نجاة. على غراره، كان شارع الحمرا حدِثاً وليس حديثاً، كان الحديث وليس الحديث، حديث الناس وحسب. ولو صُوِّر البرج في سبعينات القرن العشرين لتحوّل طوداً للحداثة في قلب الحمرا وزعماً من مزاعمها وتفصيلاً في منمنمة باريسيّة كست الحمرا. حداثة لا تنوف عن زينة البصر وطلاوة اللسان الراطن في لغات ولهجات ولكنات نزلت على رحب الشارع وسعته. حداثة الحمرا في عقول روّاده من شعراء وكتّاب وفنّانين ومريديهم، وفي حبر قصائدهم ورواياتهم ومقالاتهم ومسرحيّاتهم. أما الوجه الآخر لها، الغالب على المخيلة العامة، فتنازلٌ واهٍ لثقافة العصر، أقدم عليه عقلٌ محافظ يهمّه من الحداثة مسايرتها ومجاملتها، إذا خرجتْ عن طوعه، أقصاها وإذا لامستْ جوهر الحرية قمعها بلا هوادة، يؤازره حرّاس القيم، اليساريون قبل اليمينيين منهم أحياناً. مَنْ منع جوني هاليداي من الغناء في لبنان، زعيم الأحزاب الوطنية والتقدمية، عرّاب برنامج الإصلاح المرحلي لـ"الحركة الوطنية"، الاشتراكي كمال جنبلاط. ومَنْ رمى بثقله وجمهوره من أجل حظر فيلم مناوئ للستالينية في أوروبا الشرقية، الحزب الشيوعي اللبناني. أخفق الحزب وشقّ "الإعتراف" لكوستا غافراس (1970) طريقه إلى سينما "كابيتول" في ساحة رياض الصلح. ومن سخرية المفارقات أن جوني هاليداي صبر حتى تجاوز الستين وتمكّن من الغناء في مهرجانات بعلبك، صيف 2003. نبذه لبنان المنفتح على الغرب ورحّب به لبنان المنغلق على طوائفه. شاخ جوني. اهترأ لبنان. جاءه جوني حاجّاً من حجيج معبد جوبيتر في بعلبك.

سبكاً وسكباً
أكره ما أكره، اجترار "الزمن الجميل" في الصحف ووسائل الإعلام. لازمةٌ رفعها نقّاد سينما قاهريون ترحمّاً على عبد الناصر والقومية العربية ورموزهما الفنية. على حد وعيي بستينات القرن العشرين وسبعيناته، ذاع تعبير "الزمن الرديء". وفي مقابلة أجريتُها مع إحدى رائدات التمثيل في مصر، أسرّت أن عهد فاروق كان أبهى والقاهرة أفسدها فلاحّو عبد الناصر. وذات ندوة عن السينما العربية والهوية القومية، احتدّ السجال ردّاً على قول ناقد مصري إن القومية أضرّت بالعرب مذ حوّلها "البعث" والأحزاب الشبيهة إلى عقيدة. قبل تسيّسها، مورست القومية بالفطرة. سافرت الفرق المسرحية العربية وتجولت بين العراق وسوريا وفلسطين ولبنان من دون فيزا. لم يعن الناقد في الضرورة أن الفن عاش أجمل أيامه في حقب الانتداب الأجنبي والملكيّة. عام 1927، نشر كامل الخلعي مدوّنة أبحاثه ومقالاته في كتاب "تاريخ الموسيقى الشرقي". رثى الموسيقي والملحن والشاعر والأديب المصري الدمنهوري، الإسكندراني المولد، أسلافه ومعاصريه أحمد أبي خليل القباني وسلامة حجازي وعبده الحامولي وسيد درويش، سائلاً الحكومة ماذا فعلت وقدّمت ذوداً عن حياض الفن الأصيل من هبوط الأغنية واختناق مقاهي القاهرة وكباريهاتها بالأصوات النكراء. رغم التهكم والنقد، تواترت لازمة "الزمن الجميل" واستعاد مديح الجمال جرأة الأفلام العربية في الجنس والتعري. أغفل المادحون أن أشد الأفلام جرأة كان أكثرها تعبيراً عن عقلية محافظة تنهى عن الاستهتار بالعرض وتدعو إلى التوبة. في "قطط شارع الحمرا"، حذت مديحة كامل حذو ناهد يسري في "سيّدة الأقمار السوداء"، ألقت نفسها في البحر غسلاً للعار. حفلت الأفلام بالحرية ولم تحتفل بالحرية. تعهّدت الحرية زجراً للحرية.
الحمرا، في المحصلة، صنيعة تجّار محافظين، البعض منهم محدود العلم لا يرضى أن يقتني لنفسه ما يغري به الزبون؛ تجّارٌ في أفضل الأحوال، محافظون جدد. بأموالهم واستثماراتهم أطلقوا شانزليزيه العرب. انطلت عليهم الخدعة وإن أزعج فريقاً منهم وسم الشانزليزيه بالعرب. ذات مرّة، سألتُ وارث شبكة رائدة في العرض السينمائي لماذا يرفض برمجة الأفلام العربية في صالاته. صرّح أنه لا يريد أن يفتح باباً لأفلام تجلب "جمهور البزورات". فعلاً، حمل فيلم سمير الغصيني اسم الحمرا، غير أنه عُرض على شاشتي "متروبول" و"ستاركو" نتيجة اعتذار صالات الحمرا عن عدم استقباله. يوازي تصريح طارد أكلة بزر البطيخ واليقطين من صالاته الكلام، أن سرّ الحمرا في حماية مظهره. الحماية، في منتهاها، سلوك محافظ، متبادل الشأن بين بناة الحمرا وزبائنهم. هوية الشارع مظهره. عام 1977، عرضت "دار كوليزه" الفيلم الفرنسي، "تاكسي بنفسجي"، للمخرج إيف بواسيه. ازدحمت الصالة بالمشاهدين. لمحتُ بينهم، لحظة الخروج، امرأة كلها بنفسج. شعرها، فستانها، جورباها الممدودان سبكاً وسكباً على طول ساقيها. كانت آخر منظر لافت للعين في الحمرا وآخر مظهر دالّ إليه. لم تحل الحرب دون نشوء صالات جديدة. تباعاً، أوصدت أبوابها. تحوّل الشارع معبر سيارات محمّلة جرحى القصف وقتلاه، تزخّ الرصاص فتحاً لمرورها إلى مستشفى الجامعة الأميركية. انطفأت أنوار الحمرا، خلا وهج البنفسج في عيني.

"لديها كلّ شيء"
على طرز الكليشيهات المعرّفة إلى باريس ببرج إيفل ولندن بساعة بيغ بن ونيويورك ببرجَي التجارة، اختار سمير الغصيني مبنى سينما "الحمرا" ولوحتها الإعلانية في "قطط شارع الحمرا"، تعريفاً بالحيّ الصاخب في بيروت. استأجر إميل دبغي موقع الصالة وأدارها عبر شركته الخاصة، "دولار فيلم". كان حريصاً على تفقدها ومراقبة أعمال تنظيفها قبل نزوله إلى مكتبه مبكراً في الصباح. تمسك ببقائها في أصعب فصول الحرب إلى أن سئم منها. ما عاد لديه الحول على زيارتها أو عبور رصيفها. قفلها متأسفاً. انتقل الإيجار إلى "نايكه" للأحذية والملابس الرياضية، واليوم إلى مقهى "كاريبو". الأثر الوحيد المتبقي على وجود السينما، آرمتها العريضة، كأنها شاهد على ضريح طاوله دنس السنين. لا الحرب ولا أزيز رصاصها يبرران أفول صالات السينما. مؤشر انهيارها، وعلى ما حصل قبلاً في ساحة البرج، هجرة النساء لها. "ليه يا بنفسج بتبهج وانت زهر حزين؟"، صدق شيخ المغنين مولانا وحجّنا وحجتنا صالح عبد الحيّ. أينها بنفسجتي المغادرة عتمة السينما وعتباتها بجوربها المُنسّل رفيعاً على كرّ ساقها العالية المتعالية إلى أعلى، إلى الجنّة؟ أخيراً، عثرتُ عليها، كاديلاك جودي هاليداي وبول دوغلاس، نسخة جيدة ومرممة من فيلم فاتتني رؤيته. أسدلت الستائر، أظلمت الغرفة. تشبهاً بعارضي الأفلام في صالات البرج، فككتُ أزرار قميصي، ملأتُ قدحاً من الويسكي وصحناً صغيراً من المكسرات، أشعلتُ سيجارة "لاكي سترايك" وامتزجت سحب الدخان في النور الوحيد المشعّ من شاشتي الكبيرة والعريضة. أدرتُ الفيلم منتقياً الأصفر لوناً للترجمة المبثوثة أسفل الشاشة بما يتلاءم وتقاليد عرض الفيلم بالأسود والأبيض. من الثواني الأولى سحرني الراوي المتخفي في صوت الممثل جورج برنز. تفاعلتُ ونبرته الهازئة من رجال المال والأعمال في وول ستريت. على نمط أدوار سابقة، أشهرها في رعاية المخرج جورج كيوكور في "مولودة الأمس"، أشرقت جودي هاليداي في إدارة ريتشارد كواين، امرأةٌ تواجه رياء من حولها بسذاجتها المفرطة، لورا ممثلة عزباء وفاشلة، أورثها صديق حصة صغيرة من الأسهم في شركة عملاقة، يُعيّن مؤسسها إدوارد (بول دوغلاس) مستشاراً لرئيس الولايات المتحدة في البنتاغون. كي لا يُتهَم بالمحاباة والتوسط لشركته في إبرام صفقات مشاريع حكومية، يبرئ إدوارد ذمته ويتخلى عن جميع حصصه. يخلفه مجلس إدارة، أعضاؤه فاسدون ونصّابون يتلاعبون بالأرباح تاركين الفتات لصغار المساهمين. في واشنطن، ترهق البيروقراطية إدوارد ويستنزفه الكونغرس في جلسات استماع ماراتونية قبل إقرار الموازنة المقترحة لمشاريعه. يتماثل اليوم بالأمس. من يرَ الفيلم تعاوده أمراض المال والفساد والمرافعات المضنية لجون كيري مستجدياً تفويض الكونغرس لمحاربة "داعش". يقول راوي الفيلم إن سند الاقتصاد الأميركي صغار مساهميه وليس كباره. بسذاجتها الأقرب إلى الغباء، ترصّ لورا صغار المساهمين وراءها وتجرّ إدوارد إلى الاستقالة من منصبه والعودة إلى نيويورك لمحاربة لصوص مجلس إدارة شركته. بالتضامن وجمع الكلمة، ينتصر الصغار على الكبار. هوليوود نصيرة الضعفاء. سينما رأسمالية الوجه ويسارية القلب. تفوز لورا بإدوارد زوجاً لها. حسناً ولكن أين الكاديلاك؟ طوال مشاهدته، استغربتُ افتتاح أولى صالات الحمرا بشريط أسود وأبيض في زمن التكنيكولور. الجواب في الدقائق الأخيرة. يتكلل زواج البطلين بتحول الفيلم تدريجاً إلى الألوان كاشفاً سيارة كاديلاك مطليّة بكاملها ذهباً أهداها إدوارد إلى لورا جزاءً وإكراماً. بورك الأحبة. كنت عارض الفيلم ومالك دار العرض والمشاهد الساكت، الصادح، المصفّق، المدخّن، شارب الويسكي، آكل المازة، المتأثر والدامع ضحكاً في الآن عينه. إنه جُماع التوحد. بورك الجُماع.
ليس في سجلاتي أرقام بإيرادات "الكاديلاك الذهب". أدلى إميل دبغي بأحاديث قليلة أكد فيها أن تجاوز شبّاك التذاكر السبعة آلاف ليرة حمّسه لبناء صالة ثانية وفتح الباب لانتشار السينما في الحمرا. بين تدشين صالة إميل دبغي عام 1957 وزوالها البطيء بدءاً من ثمانينات القرن الفائت، يُهَيّأ أن عمر الحمرا كان قصيراً مقارنةً بساحة البرج عندما شبّت نار الحرب واستعرت. اللافت في غزارة ما نُشِر عن الحمرا انحسار الكتابة في المقابل عن ساحة البرج وتحولها إلى الكتابة عن "سوليدير". ربما لأن الحياة في الحمرا استؤنفت بما كانت عليه ولم تُستأنف في ساحة البرج مما تبقى منها بل مما صارت إليه. يُزَيّن إليَّ أن ماضي ساحة البرج وراءها فيما ماضي شارع الحمرا أمامه.
في رواحنا إلى شارع الحمرا وغدواتنا منه اعتدنا على تأنيثه. وحين رُوِّج تدشين سينما "الحمرا" في إعلانات الصحف المحليّة، ورد عنوان فيلم الافتتاح في صيغة المذكّر، "الكاديلاك الذهبي". كأن الحمرا شغل الأرمن وإثنيات تخلو لغاتها من التمييز بين الذكر والأنثى. ما زلت على وفائي لساحة البرج وزعرانها. غير أني أحبّ الحمرا حبّ إدوارد للورا، حبّي للسينما وغادة البنفسج، لامرأة محيّرة أحاول أن أهدي إليها شيئاً ودوماً أتراجع. أهدى إدوارد إلى لورا كاديلاك من ذهب وفي ظنّه أنه أعطاها ما لم يسبقه إليه أحد. وقال الراوي، "ماذا تُعطي امرأة لديها كل شيء؟"
شاهدتُ "قبضة من غضب" مرتين. في الأولى، روّعتُ الحضور. وفي الثانية، ضبطتُ أنفاسي. أهانوا بروس لي. صفعوه. أوجعوه. لم أحرّك ساكناً. تحيّنتُ انتقامه من مذلّيه. يللا يا بروس. وجاءت اللحظة. طار الحاج بروس ضارباً ذات اليمين وذات اليسار كاسراً أعداءه. صرختُ. لا أعرف كيف، وبقدرة قادر، رفعتُ كلماتي من تحت الزنّار إلى ما فوقه بقليل، أخرجتُها في تهذيب صائحاً، "أضرب فشش يا بروس".
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: