أحمد زعزع( ليلى والذئب أو الوحش ذو الظهرين)

6:19:00 ص
خاص الرومي
 

كانت ليلى تسير في الغابة 
مختالة بردائها الأحمر وهي تُرندح لحنا جميلا علق في ذاكرتها عندما رآها الذئب الذي يتفيّأ تحت شجرة وارفة، فلمعت عيناه لقوامها الممشوق وخاطبها بنعومة:
"يا له من صباح جميل، إلى أين أنت ذاهبة أيتها الفتاة الصغبرة؟"
قالت ليلي: "إلى بيت جدّتي".
قال الذئب: "وهل لي أن أرافقك في الطريق لأسلّيك وأحميك وأتعرّف على جدّتك؟"
أجابت ليلى بلطف وبراءة: "لا مانع من مرافقتي، لكن جدّتي ليست في البيت".
سأل الذئب:" وأين ذهبت يا ترى؟"
قالت ليلى: "ستقضي يومها في السوق، ولذا قررتُ الذهاب إلى بيتها ليخلو الجوّ لي ولصاحبي".
استغرب الذئب هذا الجواب وقال: "وهل لديك صاحب في هذا العمر، وماذا تفعلان سويا؟"
قالت ليلى: "آه، نتسلّى كثيرا ونلعب الألعاب الظريفة".
سأل الذئب بفضول: "أي نوع من الألعاب؟ وما هي لعبتك المفضلة؟"
قالت ليلى: "لعبتي المفضلة هي لعبة الوحش ذو الظهرين".
صُدم الذئب وقال:" هذا كلام كبير لا يلائم عمرك، من عَلّمك هذا الكلام؟"
قالت ليلى: "صديقي عَلّمني، لكنني تفوّقت عليه".
تنهّد الذئب وقال: "آه لو تعلمين كم أحب هذه اللعبة، أترغبين أن نلعبها سويا الآن؟".
قالت ليلى: "حسنا، أدر وجهك إلى الشجرة وأغمض عينيك وعدّ إلى العشرة".
فعل الذئب ذلك وأغمض عينيه وهو يشكر السماء التي أرسلت هذه الفتاة إليه.
بعد لحظة أحسّ الذئب بمعدن بارد يلتصق بمؤخّرة رأسه وسمع ليلى تقول بصوت حازم: "إسمع أيها الحقير، إن لم تفعل ما سآمرك به سأفرغ هذه الرصاصات الستّ في ظهرك، هل تفهمني جيدا؟"
إرتاع الذئب وقال: "ماذا فعلتُ لأستحقّ هذا التهديد يا فتاتي الصغيرة؟"
قالت ليلى: "إخرس. لست فتاتك. رأيت نظرتك وفهمتها أيها الأبله. خذ معطفي هذا ومزّقه بأسنانك ومخالبك. هيّا".
نفّذ الذئب الأمر ومزّق المعطف الأحمر.
ابتسمت ليلى وقالت: "إحمل هذه السلة وإمش أمامي وإملأها بشرش الزلّوع، إيّاك أن تغشّني فأنا أعرفه جيدا".
انصاع الذئب وحمل السلة وبدأ يبحث مرعوبا عن شرش الزلّوع بين النباتات الكثيرة.
بعد برهة لم يستطع الذئب أن يكتم فضوله فسأل بصوت مرتجف: "هل لي أن أسألك لماذا تبحثين عن شرش الزلّوع يا...سيدّتي؟"
أجابت ليلى بنبرة ساخرة:" أرى أن لهذا المسدس فائدة إذ جعلني سيّدتك فورا! اخرس. أنت تعلم تماما فوائده للرجال فلا تتغابى معي، فهمت؟"
ابتلع الذئب ريقه وقال: "أقصد، أنك فتاة صغيرة، ولا تحتاجينه، على ما أعتقد..."
غضبت ليلى وقالت: "وهل تظنّه لي أيّها السّفيه الأحمق؟ إنّه لصاحبي الذي قرأ عنه في كتاب "عودة الشيخ إلى صباه في التقوية على الباه" وهو سيسرّ كثيرا إذا جمعته له".
احتار الذئب فيما يسمع وسأل: "وهل يقرأ صاحبك مثل هذه الكتب؟"
قطّبت ليلى حاجبيها وقالت:" لماذا كُتبَ عليّ أن أقابل ذئبا ثرثارا مثلك؟ إخرس. صاحبي رجل أعمال ثري وداعر ولا يقرأ إلا كتبا كهذه وهو يعطيني إياها لنستوحي منها. هل تظنني أقابل صبيّا صغيرا تافها؟"
ساد صمت وتابع الذئب بحثه وقطف بعضا من شرش الزلّوع مما شجّعه على مواصلة الحديث فقال: "سؤال أخير، يا سيدتي، لماذا أمرتني أن أمزّق معطفك؟"
ضحكت ليلى وقالت: "حسنا، وجواب أخير يا ذئبي الغبي، لكي أريه لجدّتي في حال عودتها باكرا إلى البيت ولأقول لها أنك هاجمتني وحاولت اغتصابي في الطريق وأن صاحبي أنقذني من براثن الموت وأتى بي إلى بيتها بسيّارته الفخمة، فتُعجَب جدّتي بأخلاقه وتستبقيه للعشاء فيتسنّى لي أن أقضي معه وقتا أطول، وربما قضينا الليل بطوله سويّا بعد أن تنام جدّتي ويعلو شخيرها".
سكت الذئب ووضع ذيله بين رجليه وخفض بصره وسار متعجّبا متى تغيّر العالم. 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا