رؤى الحجيري تحاور شكري المبخوت

2:14:00 م

التونسي شكري المبخوت: انصعت للرواية واكتشفت قرّاء لا يقلّون أهميّة عن المختصّين



ة


كتب الخبر: رؤى الحجيري
عن الجريدة الكويتية
«الطلياني»، باكورة كاتبها، فرضت نفسها نتاجاً روائياً لافتاً في فورة سردية يشهدها المجال العربي يتعالق عبرها مع قضاياه السابقة والراهنة.
«الطلياني»، رواية الهويّتين الفرديّة والجماعيّة متضمنةً سرديّة «تونس الجميلة»، حاضنٌ لم يضحِ بالفني انتصاراً للحدث أو الهاجس أو الغاية، بل رصد واقع الأمس (أواخر حكم برقيبة وأوائل حكم بن علي) ومن ثمّ مشهد اليوم، وغال خلف شخصيات وحبكات صانعاً شكلاً تعبيرياً منفلتاً من القيود وصارماً دقيقاً في آن، حتى تخال أن الرواية طالما شغلت الحيز الأكبر من اهتمامات الباحث والجامعي ورؤاه.
د. شكري المبخوت المعروف بأبحاثه الأكاديمية في تونس، هو في العالم العربي اليوم الروائي صاحب «الطلياني»،
لا سيما أنها وصلت إلى قائمة الـ{بوكر» القصيرة.
معه الحوار التالي.


كيف ترى ترشيح باكورة إنتاجك الروائي «الطلياني» لـ{البوكر»؟

الترشيح هو في حدّ ذاته ضرب من الاعتراف الأدبيّ. أشعر أحياناً بأنّ الحديث عن «الطلياني» على أنّه أوّل عمل ورغم ذلك يصل في جائزة محترمة مثل الـ{بوكر» إلى القائمة القصيرة يثير لدى البعض شيئاً من الاستغراب ممزوجاً بالإعجاب. لكنّني لا أرى كتابة الرواية سلسلة من التمارين كلّما كثّفنا منها توصّلنا إلى كتابة نصّ جيّد. هكذا هي النصوص لكلّ منها حكايته وفتنته ومساره ومصيره. و{الطلياني» لفت الانتباه وشدّ القرّاء.
كتبت في اختصاصي العلميّ بحوثاً معروفة لدى المختصّين، وترجمت عدداً من الكتب. لكنّ الرواية جعلتني أكتشف قرّاء آخرين لا يقلّون أهمّيّة عن المختصّين.

بعد مرحلة لافتة من العمل الأكاديمي والصحفي، لماذا لجأت إلى الكتابة الروائية؟

لم أختر الرواية... لم يكن الأمر قراراً منّي. فرضت عليّ الرواية نفسها فانصعت راضياً مرضيّاً. وحين أستعيد تلك اللحظات الأولى التي انبثقت فيها «الطلياني» وتدفّقت كالسيل الهادر أفهم بعض الفهم ما وقع. كان جنس الرواية هو الوحيد القادر على استيعاب ما كان يشغلني من هواجس وتخوّفات بما يتيحه من مساحات واسعة وحرّيّة في التعبير عن التناقض والصراع وتفهّم الواقع بإعادة بنائه بالخيال. حينها اكتشفت عمليّاً في خضمّ الممارسة التخييليّة ما كنت أعرفه أكاديميّاً بصورة غائمة. ليست المسألة مراحل نتدرّج فيها بين أجناس الكتابة، بل هي في تصوّري هواجس وألوان من الحيرة الفكريّة تفرض اختيار هذه الصيغة أو تلك ممّا تتيحه أنماط الكتابة.

هل وصولك الى القائمة القصيرة سيجعل كتابة الرواية أكثر صعوبة عليك في المرحلة المقبلة، من بوابة «تجاوز الرواية الأولى»؟

ممكن، لا أعرف... ولكن لكلّ رواية شروطها وأسلوبها وفنّيّاتها. أرى أنّ هذه مشكلة القرّاء أكثر منها مشكلة الكاتب. مباشرة بعد «الطلياني» انكببت على رواية أخرى مختلفة في طريقة سردها وخصائصها. وأجد فيها شخصيّاً جماليّة مختلفة وأجواء روائيّة مغايرة. لكنّ كيف سيتقبّلها القرّاء؟ لا أدري! أرجو أن يكون قدرها مناسباً للجهد المبذول في كتابتها.

التحوّل السياسي في تونس، كيف أثَّر في روايتك؟

أثره عميق جدّاً. عشنا في أشهر قليلة بعد الثورة وإلى الآن ما يتطلّب جيلاً كاملاً أو أكثر لفهمه والإحساس به. مواقف وتصوّرات وصراعات وتحوّلات مذهلة. كلّ يوم يظهر سلوك جديد أو رأي غريب وتبرز مخاوف جديدة من الحاضر ومن الآتي.
تهاوت يقينيّات كثيرة كقشور الطلاء لتكشف أعوارنا وروعتنا كشعب لا يحبّ أن يعترف بأنه مزيج متفجّر من التحرّر والمحافظة إلى حد التزمّت، ومن الانغراس سلوكاً وتفكيراً في الحداثة الكونيّة مع أفكار أكل عليها الدهر وشرب ولكنّها مستحكمة فينا. و{الطلياني» بعض من هذه الإشكالات التي قلتها بلغة التخييل وبشخصيّات متوتّرة موجوعة مطعونة في الصميم مهزومة لكنّها توّاقة إلى الحريّة.

هل تعتبر أن نقد السياسة في الرواية يؤثر سلباً على تلقّيها، خصوصاً أنك تركّز على انتقاد الأيديولوجيا اليسارية وغيرها؟

 لم ألحظ ذلك في ردود فعل القرّاء بل سمعت منهم وقرأت في ما كُتب انبهاراً بجرأة الرواية في نقد أكاذيب السياسة وأوهام الأيديولوجيا اليساريّة وغير اليساريّة.
أعتقد أنّ حرّيّة الأفراد أهمّ من الأيديولوجيّات ونقد الأوهام ضروريّ لمثل هذه الحرّيّة. واليسار ليس فكرة مجرّدة إنّه شخوص ومصالح ومسارات فرديّة وأحلام ينبغي أن ننظر إليها في سياقها وفي وضعيّات محدّدة من الحياة اليوميّة. لم يعد اليساريّ، كغيره من حملة الأيديولوجيّات، كائناً مثاليّاً نمطيّاً بل هو في «الطلياني» إنسان مثل بقيّة الخلق بتميّزه وأوجاعه. فمثل هذه التصوّرات خاطئة تكذّبها الوقائع إذا نظرنا إليها نظرة إنسانيّة. ما يهمّني هو الإنسان أما الأيديولوجيّات تاريخيّاً ومعرفيّاً فإلى زوال.

 اسم بطل الرواية «الطلياني» وملامحه خليط بين الأندلسية والتركية، هل تشير بذلك إلى هوية جديدة هجينة في العالم؟

 هذه بعض خصائص فسيفساء بلدي الثقافيّة والأجناسيّة، فسيفساء رائعة. في الرواية أيضاً «زينة» البربريّة والمطبخ اليهوديّ والمعمّر الفرنسيّ الذي ترك أثراً، وغير ذلك. لكنّني أرى بلادي وليدة هذا التهجين مع عبقريّة خاصّة في وسم الوافدين عليها كلهم بميسم خاصّ من القرطاجيّين الذين جاؤوا من لبنان إلى بقيّة الغزاة، وصولاً إلى الفاتحين العرب الذي نشروا الإسلام وقبائل الهلاليّين الذين زحفوا عليها فخرّبوها لكنهم عرّبوها نهائيّاً. هؤلاء كلهم كانت تونس تستوعبهم وتصهرهم لتصنع منهم شيئاً جديداً تغتني به هوّيّتها. إنّها في قلب المتوسّط تجمع الرياح لتحوّلها إلى طاقة حضاريّة خلاّقة استثنائيّة.
المشكلة أنّ ذاكرة التونسيّين مثقلة، وفي الآن نفسه مصابة بداء النسيان، ومن دور السرد الغوص في هذه الطبقات وتحرير الذاكرة الجماعيّة من قيود الانتماء المبهم. نعم «الطلياني» بوجه من الوجوه رواية الهوّيّة الفرديّة والهوّيّة الجماعيّة وفيها جانب من سرديّة «تونس الجميلة» كما أسماها الشابي.

ما رأيك بتوصيف أحد النقاد لروايتك بأنها «كاماسوترا» بنكهة يسارية؟

تعبير جميل حقّاً من باحث مثقّف وقارئ للرواية فطن هو الصديق المؤرّخ لطفي عيسى. وعبارته عندي وجه من وجوه هذا التهجين الثقافيّ. لكنّ اللحظات الإيروسيّة في النصّ لم تكن من باب الزينة والتشويق إنّها تكشف في ظنّي جوانب من النفاق المعمّم وعذابات الجسد المقموع وأشكال التنكيل بالروح في ثقافة تخنق العادات والتقاليد والموروث، فيها قدرة الناس على الذهاب بعيداً في رسم مصائرهم.
استغربت ألاّ يرى هذا أحد الذين كتبوا على عجل نصّاً «نقديّاً» يتحدّث فيه عن «البورنوغرافيا» وهو لا يفهم معنى الكلمة. لم ير صلة المشاهد التي يحضر فيها الجسد بعذاب الشخصيّات وبحثها المحموم عن ذاتها. فسقفُ قمع الجسد في ثقافتنا مرتفعٌ جدّاً حتى أصبح كلّ حديث واقعيّ يرى فيها بكثير من النفاق والطهرانيّة الكاذبة «بورنوغرافيا»، حتّى لكأنّ كتابة البورنوغرافيا أمر سهل أو متاح لأيّ كان.
أين نحن ممّا نجده لدى أسلافنا من التيفاشي والشيخ النفزاوي، بل حتّى من أخبار وحكايات لدى أعلام النثر القديم مثل الجاحظ والتوحيديّ وغيرهم، من دون أن ننسى «ألف ليلة وليلة». الجهل بتاريخ الثقافة العربيّة الإسلاميّة إذا امتزج بسياسة النعامة وعدم إدراك الواقع كما هو في تعقيداته لا يؤدّي إلاّ إلى مثل ردود الفعل العاجزة عن فهم كنه النصوص.
 حول روايتك كتب أحد الكتَّاب: «نعم فهذه الرواية قد «قرأتني» شأنها في هذا شأن عدد محدود جداً ونادر جداً من الروايات الجيدة التي يتصفحها القارئ، فإذا بها تفرض عليه من حيث يدري أو لا يدري أن يخضع لأوامر فتنة أسلوبها ولذة»... هذه الملكة لديك، هل هي الموهبة أم نتيجة عملك الأكاديمي؟

لا أعرف هكذا أنا، وهكذا خلقت الرواية. وبالفعل لم يهتمّ أحد بعد، ربّما لصعوبة المهمّة ودقّتها، بأسلوب الحكي وفنّياته. ما هو ثابت أنّنا نستطيع تطوير مواهبنا بالاشتغال عليها. ولكن في جميع الحالات ينبغي أن تكون موجودة. إلا أن المعرفة الأكاديميّة لا تنفع كثيراً في كتابة الرواية إلاّ من جهة الصرامة والدقّة، فالرواية معمار يتطلّب دربة وصبراً وتفانياً. وهذه المواصفات نجدها في البحث الأكاديميّ.

هل ترى شروطاً بعينها «تصنع» الروائي الناجح؟

 لا أدري، سؤالك صعب. لم أفكّر في المسألة ولا أظنّ أنه توجد مثل هذه الشروط. هكذا أجيب بعفويّة... لا أعرف.

كيف تقيِّم الرواية التونسية كأديمي؟

لا أحبّ أن أقيّمها أكاديميّاً. ولكنّني أشير إلى أنّها تتضمن، في السنوات الأخيرة خصوصاً، نصوصاً رائعة متميّزة ما زالت لا تمثّل كمّياً رصيداً كبيراً ولا تمثّل حركة أدبيّة ذات معالم وسمات. والأسباب عدة يطول شرحها، وعلى رأسها النشر والتوزيع وعادات القراءة وضعف المؤسّسة الأدبيّة في بلادنا بسبب سياسة ثقافيّة فاشلة، بل كانت لسنوات عدة مدمّرة للإبداع محقّرة للكتّاب.

هل أثَّر الفضاء الافتراضي في كتابتك وكيف تنظر إليه عموماً؟

ما زلت في علاقتي بالمعرفة الأدبيّة تقليديّاً. أدخل العالم الافتراضي كبقيّة الناس ولكنّ وعيي لا يزال غير رقميّ. أحب القلم والورق وأتعامل مع لوحة المفاتيح كأداة سريعة ومع شاشة الحاسوب كحامل وليس كمنطق مختلف عن منطق المكتوب. لكنّني لا أنكر وجود محاولات في الكتابة الرقميّة جديرة بالمتابعة وإن لم تصل بعد إلى مراتب عالية من الإبداع. قد تكون كتابة المستقبل ولكنّه مستقبل لا يزال غامضاً. لا أرفض أيّ جديد، بل على العكس أنتبه إليه في انتظار الاستثناء الجميل الذي قد يظهر.

لجنة التحكيم

قلتَ في مقابلة إنك شاركت في لجان تحكيم أدبية، من هذا المنطلق كيف تقيِّم لجنة تحكيم جائزة البوكر نفسها؟

لا أحبّ الحديث عن لجنة رُشّح لها كتابي. هذه مسألة أخلاقيّة بالنسبة إليّ. كتبت بحثاً حول الجوائز الأدبيّة العربيّة لم أنشره للسبب نفسه بعنوان «الجوائز الأدبيّة العربيّة: من منطق الغنيمة إلى منطق التنمية الثقافيّة». الأمر الوحيد الذي أذكره عموماً أنّ الناس لم يفهموا بعد دور الجوائز عموماً في بناء المؤسّسة الأدبيّة لأنّ الغنيمة عندهم، أي المكافأة الماليّة ومن ورائها المجد الشخصيّ، تغلب في النظر إليها.

كيف تقرأ مقال بروين حبيب رداً على منتقدي لجنة التحكيم؟

بقطع النظر عن رأيها الذي عبّرت عنه ولا أتحدّث فيه للسبب نفسه الذي ذكرته إجابة عن سؤالك السابق، أشير إلى أنّه لا توجد جائزة أو لجنة لا تصوّب نحوها نيران النقد مهما فعلت. جائزة «نوبل للأدب» نفسها ألصقت بها تهم عدة. لكنّ الثابت أنّ من حصلوا عليها هم أدباء كبار في غالبيتهم متميّزون. إلا أن ما يزيد الأمر تعقيداً وجود سوابق في عدم النزاهة داخل لجان كثيرة هنا وهناك في عالمنا العربيّ على الأقلّ. أتذكرين أحد النقّاد كيف روى أنّه مكّن أديباً من الحصول على إحدى الجوائز ثمّ اقتسم معه قيمتها الماليّة؟ فالخلافات حول التقييمات الفنّيّة والنقاشات الأدبيّة الرصينة لا ينبغي لها أن تنقلب تشكيكاً في المفهوم الأصيل للجوائز ودورها في المنظومة الأدبيّة.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا