يوم المرأة: بين سوط نيتشه ومكنسة دو بوفوار

5:23:00 ص

محمد حجيري
غالباً ما يحتفل ناشطون وناشطات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار، بالإنجازات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للنساء. ويكون التركيز في الكتابات الصحافية المتعلقة بهذه المناسبة، على أحوال النساء وما يتعرضن له من قمع وهدر لحقوقهن المدينة والانسانية والاجتماعية وتسليع لجسدهن. والحق أن صورة المرأة في أذهان بعض الفلاسفة والأدباء والشعراء وأقوالهم ليست أحسن حالاً من المجتمعات التقليدية والأنظمة الدينية، بل أشد بؤساً وعرضة للازدراء والاحتقار. وإذا كانت المرأة، بالنسبة إلى بعض الأدباء والفلاسفة، مصدراً للإلهام الأدبي والابداعي والفكري، ففي رأي او استنتاج البعض الآخر، تشكل سبباً للعداء والتشاؤم، وبالتالي تكون عرضة للأقوال الفجة والعنصرية بحقها، من دون أن ننسى أن بعض الأدباء يمارسون سلوكيات صادمة مع الزوجات تصل الى حد العنف والصفع، ولا يمكن فهم هذه الأمور إلا من خلال مراجعة سير بعض "المبدعين" التي تكشف المستور، وربما نستنتج حينها أن وراء المواقف السلبية لبعضهم، "امرأة خاصة" أفسدت عليهم نعيم الحياة... وهذا لا يعني أنهم محقون في أقوالهم.

النموذج الأبرز والأكثر صلافة في هذه المجال، يبقى الفيلسوف شوبنهاور الذي اتُّهم بكُره النساء ويزعم أن "المرأة بحكم طبيعتها يجب أن تطيع"، ويقول "لو كانت الحياة امرأة. لهربت منها". ولعل جذور عداوة شوبنهاور وحقده على المرأة يعودان إلى علاقته بأمه، فقد مات أبوه وهو في العاشرة، وكانت هي تكتب القصص وتريد أن تكون أديبة، فتحت صالونها للأدباء وأغدقت عليهم من أمواله، وكان شوبنهاور يحضر هذا الصالون ويرى تملق الأدباء لأمه، وحين بلغ السابعة عشرة من عمره ثار عليها بعد انصراف ضيوف الصالون، وقال لها إنك دخيلة على الابداع، سطحية الفكر، والحضور ينافقونك بسبب المال، فجن جنونها وصرخت في وجهه فزاد تسفيهاً لها وقال: "لن تريني بعد الآن، وإن ذكرك التاريخ فسوف يذكرك على أنك أم شوبنهاور فقط، غير ذلك فأنتِ إلى مزبلة التاريخ"...

نيتشه لم يكن أقل عدائية للمرأة من شوبنهاور، صرح بأن كل نوع أعلى من الحضارة يعني ضوابط أكثر صرامة على النساء، وقال: "هل أنت ذاهب للمرأة؟ لا تنسى السوط!". هناك جدل حول ما إذا كان هذا يرقى إلى درجة كره النساء، وإذا كانت مهاتراته ضد النساء تؤخذ على محمل الجد، وحول طبيعة آرائه عن النساء. تعرض نيتشه لمآسٍ كثيرة رسمت كلها ملامح فكره التشاؤمي. أحبّ فتاةً جميلةً تدعى لوسالومي، لكنّها تركته لتتزوج من غيره، وقبل وداعها الأخير قبّل قدميها كي لا تتركه وتقبل به، لكنها فارقته غير مبالية به، فسبّبت له آلاماً لم يستطع إخفاءها في كتبه وأقواله وأفعاله حتى بلغت به حدود الجنون، وهذا جانب من جوانب مواقفه المعادية للمرأة.

نيتشه وشوبنهاور نموذجان لعشرات النماذج الثقافية التي تناصب المرأة في أقوالها، بدءاً من أرسطوفان الذي يرى أن هناك "فظائع كثيرة في البر والبحر، لكن أعظمها المرأة"، وسقراط الذي يعتبر"المرأة مصدر كل شر"، ولا يختلف أبقراط الذي قال: "المرأة هي المرض". وإذا تخطينا موقف التراث العربي المعروف سلفاً، ورأي الأديان السماوية، نحو الفلسفة الحديثة والثقافة الحديثة، نلاحظ مثلاً أن نظرة هيغل للنساء كانت تفوح منها رائحة الفوقية والكراهة، فيعتبر "النساء قادرات على التعلم، لكنهن لسن مخلوقات لنشاطات تتطلب قدرة شاملة، كالعلوم المتقدمة، أو الفلسفة أو بعض أنواع الإنتاج الفني...". 

المسرحي الانكليزي شكسبير أيضاً ليس بعيداً من جوقة المشاهير المعادين للمرأة. ففي مسرحيته "ترويض الشرسة"، تجتمع شخصيات المسرحية، وتتبارى، رجالاً ونساء، في الحديث عن ضرورة طاعة المرأة للرجل، طاعة عمياء، ويفتخر كل رجل من الحضور بأن زوجته هي الأكثر طاعة أمام الزوجات اللواتي يوافقن على ذلك ويبدين من الإذعان الطوعي ما يدهش.

وفي المجال الروائي لا يختلف الأمر، إحدى القضايا التي تطرّقت إليها الأقلام النقدية كثيرًا في حياة همنغواي، علاقته الجنونية بالجنس اللطيف إلى حدّ وُصف معه بأنه "زير نساء"، وهو الروائي الذكوري الذي لم يكن لطيفاً البتة مع النساء، بل عاملهنّ بقسوة وعنف، وقد نُقل عن همنغواي قوله إن النساء غير ضروريات لرجل حقيقي مكتمل الرجولة. التحق بقافلة الناقمين على النساء المتحرّرات، معتبراً أن امرأة غير خاضعة تصبح بلا محالة مدمّرة. وثمة في أدبه صور لنساء هن غالباً انعكاس لحاجة الرجل، وسرد تفاصيل تكوّن شخصية نموذجية تلاحق أقدار رجال في رحلة بلوغهم الرشد، فيما تندر قصص نساء يعشن هذه المرحلة. 

بوكوفسكي لم يكن أقل صلافة وحماقة في تعاطيه مع النساء، في روايته "نساء" يُعالج وجهة نظر الذَكَر الأميركي التقليدي من المرأة ومن الجنس مع الكثير من السخرية، لكنَّ ذلك لم يكن كافياً لمنع تعرُّض الكتاب لانتقاد أنصار حقوق المرأة، وكذلك العديد من النساء اللواتي ذكرهن فيه. بوكوفسكي لم يكن يحتقر المرأة في بعض كتاباته، بل كان يصفعها ويركلها امام الناس حتى يمارس ذكورية على أكمل وجه.

في العالم العربي هنالك الكثير من الشخصيات الثقافية المعادية للمرأة بأشكال مختلفة، كيف ولا ما زال المجتمع يتسمك بالتقاليد الدينية القروسطية التي تحتقر المرأة في بعض الجوانب وتعتبرها مجرد "وعاء" للرغبة، وأنها تابعة، عليها أن تسلم أمرها وجسدها لزوجها. حتى بعض المجتمعات "العلمانية – الطائفية"، تعطي الحرية للمرأة في اختيار ثيابها وحياتها الجنسية، لكنها تحتقر عقلها وحضورها، والنموذج الابرز للعداء للمرأة ثقافيا كان عباس العقاد الذي لم يتزوج حتى نهاية عمره، وعرف بمعارضته حق مساواة المرأة مع الرجل. فهي، في نظره خلقت لخدمة الرجل وتربية الأولاد وطهي الطعام... وعلى الرغم من شهرة العقاد بعداوته للمرأة فإن الدلائل تؤكد أنه كان عاشقًا ناسكًا في محرابها، وعرف بحبه للكاتبة مي زيادة وسارة التي دوّن عنها روايته الوحيدة... 

أما الروائي إحسان عبد القدوس، فلم يطلق مواقف معلنة ضد المرأة، لكنه في واقعه كان متزمتاً، يردد بعضهم ان البيئة التي تربّى فيها جعلت منه انساناً صعباً للغاية، اذ لم يكن يسمح لزوجته بأن تخرج من البيت بمفردها. وعندما يكون مسافراً يطلب منها الا تخرج، بل ان ترفض الدعوات التي توجه اليها. وكان متشدداً معها في موضوع الملابس، الى درجة انه كان يشترط عليها ان تكون ملابسها محتشمة. وبلغت محافظة إحسان، والتزامه، ان أمه روز اليوسف، أرسلت أخته اليه ليعاقبها بنفسه وتعيش معه في العباسية، اذ كانت تركب الدراجة الهوائية مع ابن الجيران.

والمفارقة أيضا أن الكثيرات من المبدعات اللواتي يرفعن راية التحرر كنّ منصاعات للرجل، أو يعتبرن فضل مجدهن الأدبي بسبب رعاية الرجل (وهذا موضوع نعود اليه لاحقا). والأكثر فداحة كان خطاب سيمون دو بوفوار التي كانت ترى المرأة من منظار الفلسفة الوجودية - السارتري، لم تطالب بتفوّق المرأة على الرجل مثلما فعلت تيارات نسائية من بعدها، بل اعتبرت أنّ المرأة والرجل كائنان متساويان، لكلٌّ منهما الحق في حرية الرأي والاختيار، الاّ أن اندفاع دو بوفوار للقضية النسائية جرفها الى ضفة التطرّف الذي كان لا بد منه في ظلّ فيضان هذه الأفكار والروحية الجديدة. فاعتبرت أنّ الزواج والأمومة هما "فخ" نُصِبَ للمرأة...  وإن كانت أفكار دو بوفوار وأسلوب حياتها، محط الكثير من الجدل آنذاك، فإنّ مقالات كثيرة حول مئوية ولادة دو بوفوار (العام 2008) حاولت التحقّق من مدى التزام الكاتبة نفسها بهذه الأفكار. وبدأ هذا الشك يحوم حول الكاتبة، خصوصاً بعد نشر ابنتها المتبناة، سيلفي لو بون دو بوفوار، العام 1997، مجموعة من المراسلات بين سيمون ونيلسون آلغرين، يصل عددها الى أكثر من 300 رسالة. كانت هذه الرسائل تفيض بمعاني الحب وتُظهر تعلّق الحبيب بحبيبه وإرادة تملّكه، حتى أنها كانت تكتب له عبارة "يا زوجي" بكلّ ما كانت تحمل هذه الكلمة من معان لـ"خضوع المرأة". ولعلّ أكثر الجُمل التي أثارت استياء الحركات النسائية، وجعلتها تتهم دو بوفوار بالنفاق، هي عندما كتبت لآلغرين "أريد أن أطبخ لك وأكنس وأغسل الصحون... أريد أن أكون لك زوجة عربية مطيعة". 

لا شك أن عداء بعض الأدباء والفلاسفة للمرأة مزعج، لكن تأثيره ضئيل وناتج عن أزمات خاصة، على عكس الفكر الديني (الداعشي) الذي ينفذ كل مآربه في النساء وينسب لهن كل الأفعال الشريرة و"الشيطانية"، ويعادي حتى "الطائرات الورقية".
- See more at: http://www.almodon.com/culture/7257f6a8-a1e4-47ff-8dc9-aaf8eea2d8f9#sthash.qC8MELKk.dpuf

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا