بالنهار ، يكتب شعرا، أؤلفه بالليل

8:25:00 ص
عن مدونة أحمد الشافعي

ولد الشاعر النمساوي جونتر آيخ في عام 1907، وتوفي في عام 1972. بدأ كتابة القصائد المؤلِّفة لكتابه الأساسي "مزارع نائية" وهو في أحد معسك
رات الاعتقال التي أقامتها الولايات المتحدة الأمريكية في ريماجن أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد تلت هذا الكتابَ مجموعة من الكتب والمجاميع الشعرية  من بينها "رسائل في المطر" و"من أجل التوثيق".
القصيدة التالية نشرت في عدد ابريل 2009 الذي خصصته مجلة "الشعر" الأمريكية للشعر المترجم، وكانت الترجمة إلى  الإنجليزية بقلم جُوشْوا مِهِيجان.
***
قائمة
هذه قبعتي،
هذا معطفي،
وها هي ماكينة الحلاقة
في جرابها الكتاني.

من مؤن الميدان:
طبقي، كأسي،
وهنا في الطبق المعدني
نقشت اسمي.

نقشته بهذا المسمارِ
النفيس الذي
أبقيه مخفيا
عن أعين الطامعين.

لدي في حقيبة الخبز
جوربان من الصوف
وأشياء أخرى قليلة
لا أكلم فيها أحدا

وهذه الأشياء في الليل
تغدو وسادة تحت رأسي
بينما ورق مقوى
يكون بيني وبين الأرض

القلم الرصاص هو الشيء الذي
أحبه أكثر مما عداه:
بالنهار
يكتب شعرا
أؤلفه بالليل.

هذه كراستي،
هذا معطف المطر
هذه منشفتي
هذه لفافة الخيط.
***
لا بد قد حدث لكم يوما ما أن عثرتم في سوق كبير  على ورقة مطوية طيات كثيرة، فمضيتم تفضونها، وإذا بكم أمام ما لم تتعرَّف فيه العين على قصة، أو قصيدة. الأدب لا يكتب بهذه الطريقة:
خميرة ـ دقيق ـ زيتون ـ فلفل ـ جبنة موتزاريلا ـ اختبار حمل ـ حفاضات ـ مكن حلاقة ـ مزيل عرق آكس
صدقوني، هناك قصة. هناك امرأة تنوي عمل بيتزا في البيت، عندها طفل لا يزال يستعمل الأقمطة، واحتمال وافد جديد، وزوج تشتري له مكن حلاقة، ومزيلا للعرق (وقد لا يعني هذا أكثر من أن عبوته انتهت). هناك قصة وراء هذه القائمة، لا أقول حتى إننا بحاجة إلى أن نؤلفها معتبرين هذه القائمة مجرد رأس جبل الجليد، بل هناك قصة كامنة، وقوة هذه القصة في تصوري لا تكون بتأليفها تأليفا، بل بأن نظل نستشعر حضورها، مثلما نتحسس كيسا لا نقطع بطبيعة محتوياته: تبر أم تراب.
***
لا نعرف على وجه التحديد من كان أول من اخترع القائمة كغرض شعري، أو موضوع للكتابة الشعرية. ولعل الأصحَّ أن نقول إننا لا نعرف على وجه الدقة من أول من تبيّن شاعرية القوائم، ومعنى أن يكتفي شاعر أو إنسان بسرد مجموعة من الأشياء التي لا يربط بينها غير رابط عرضي للغاية، هو في حالتنا شخص يمتلكها جميعا.
برغم ما يبدو في هذه القصيدة من جفاف، وربما فقر جمالي، إلا أن ثمة خلف هذا السطح اليابس دفئا ما، أو هو ربما سخونة.
قد يحفر النحات اسمه بالإزميل في موضع ما من صخرة شكلها، فحفره الاسم هنا لا يكون فقط عن رغبة في إثبات الملكية، بل هناك الرغبة في الخلود. فهل يختلف عنه الجندي في الميدان حين يحفر اسمه على طبقه؟ أهي فقط الرغبة في إثبات الملكية، أم هناك أيضا الرغبة في الخلود؟ أليس من المحتمل ألا يبقى مما يخص هذا الجندي إلا هذه المادة وحدها، حاملة اسمه؟
هناك وراء قائمة الأشياء المتناثرة في القصيدة إنسان يمكن أن نتبيَّن ملامحه، ودراما يمكن أن نتحسس خيوطها، وهناك بعد ذلك كله سؤال: لماذا لم يقل الشاعر تصريحا ما يمكننا أن نصل إليه؟
أما كان بوسعه أن يغنِّي عن نومه على قطع من الورق المقوى، متوسدا جوربين من الصوف وبضعة أشياء أخرى في حقيبة الخبز؟
أما كان بوسعه أن ينشد في مديح قلمه الرصاصي الذي يدوِّن به في النهار ما ألفه في رأسه بالليل؟ أما كان بوسعه أن يكلمنا عن مأساة شاعر يجد نفسه في حرب فإما إنه قاتل أو قتيل؟
لماذا إذن ارتأى أن يقتصد هذا الاقتصاد، وأن يختصر وجوده في قائمة فيها قبعة ومنشفة وماكينة حلاقة ومسمار؟ ربما جواب هذا السؤال في تلك الصفة التي يخلعها الشاعر على المسمار، وفي هذه المعاملة التي يخصه بها. الشاعر يصف المسمار بأنه نفيس، ويقول إنه يخفيه عن العيون، ويصف هذه العيون بأنها طامعة. فما الذي يجعل لمسمار كل هذه الأهمية؟ ألأنه القادر على حفر اسم الجندي في طبقه؟ ألبقاء اسم الإنسان هذه الأهمية؟ ألا يصير لدى امرئ في الحرب ما يتشبث ببقائه إلا اسمه ولو على طبق من صفيح؟
ربما الإجابة هي لا. ربما في الحرب، حيث الإنسان يستهدف الإنسان، يصبح التعلق بالقبعة والمنشفة والمسمار، والطبق، ولا ينبغي أن ننسى القلم الرصاص والدفتر، ربما يصبح التعلق بهذه الأشياء تعلقا بالحياة لا بأسبابها وأدواتها. ربما تبقى هذه الأشياء وسط القصف محتفظة بروح الحياة البشرية السلمية الطبيعية كما تجري في الشارع والحارة والبيت والمدرسة والمصنع.

وهل ينبغي أن ننتهي من هذه القصيدة دون أن نلاحظ بأي قلم كتب الشاعر شعره: إنه قلم رصاص، كتابته قابلة للمحو، سهلة أمام الفناء. بينما الاسم، اسم الإنسان الذي ليس قصيدة، وليس صورة شعرية، وليس ممتعا في ذاته، هو الذي يحرص الجندي على حفره في نفس  الموضع الذي يستمد منه طعامه، كي يبقى في الحياة.  

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا